رئيس التحرير: عادل صبري 03:22 صباحاً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أين يختلف التوافق الديمقراطي عن الديمقراطية التوافقية

أين يختلف التوافق الديمقراطي عن الديمقراطية التوافقية

ملفات

الأكاديمي المصري خالد فياض

قراءة في احتياجات نظام سياسي.. وآلية ديمقراطية عامة

أين يختلف التوافق الديمقراطي عن الديمقراطية التوافقية

خالد فياض 02 أكتوبر 2014 14:39

فرق كبير وجوهري بين التوافق الديمقراطي الذي يقصد به نوع من التراضي العام على مبادئ وأسس وقواعد التطور الديمقراطي، والديمقراطية التوافقية والتي يتم اللجوء إليها في بعض الدول المنقسمة ثقافيا، حين تكون الإنتماءات الدينية أو الطائفية أو العرقية عائقاً أمام بناء نظام ديمقراطي.


التوافق الديمقراطي.. آلية عامة هامة وليست نظاما

ويكمن الفرق في أن التوافق الديمقراطي يحدث بين أحزاب وقوى وجماعات واتجاهات سياسية وأيدلوجية، أي يدور الخلاف بينها حول مواقف وبرامج يختارها أنصارها بإرادتهم، وليس حول هويات أولية يولدون بها. وربما يجوز تشبيه هذا التوافق بالأساس الخرساني الذي يوضع تحت الأرض عند بناء أي مبنى، فحين نشرع في مثل هذا البناء يجوز أن نختلف على كل شئ فيه، إلا مواصفات ومستلزمات الأساس الذي يقام عليه المبنى، فإذا اختلفنا على هذا الأساس يكون ما نفعله مقدمة لانهيار المبنى فور بنائه.

والنظام السياسي الديمقراطي لا يختلف في الجوهر، إذ يجوز أن نختلف على كل شئ فيه فيما عدا المقومات الأساسية للدولة التي بنبغي أن نتوافق عليها،لأنها لا تتغير من انتخابات لأخرى،فلا يمكن أن تؤدي انتخابات مثلا إلى دولة دينية فيما تقود الانتخابات التالية لها إلى دولة علمانية. فهناك مقومات نتوافق عليها ولا يغيرها أحدنا بمفرده،حتى إذا حصل على أغلبية كبيرة.

والتراضي العام الذي يتركز بهذا المعنى في مقومات الدولة، ينصرف أيضاً إلى المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي والاجتماعي والمحددات الرئيسية لتنظيم العلاقة بين أطرافه سواء بين الحكم والمعارضة،أو بين قوى المعارضة بعضها البعض، وهو ما يعرف عموما بقواعد اللعبة. فلا فرق في الجوهر بين التنافس السياسي والثقافي والفكري والتنافس في أي مجال من مجالات الحياة، ولا يستقيم أي تنافس بدون قواعد ينطلق منها المتنافسون ويعودون إليها كلما اقتضى الأمر،فإذا لم يرتضِ فريقان، وهما في الملعب، القانون الذي ينظم اللعبة،تنتفي أهم مقومات التنافس، وتنهار المسابقة التي يلعبان في إطارها.

وكذلك الحال إذا ارتضى أحدهما هذا القانون بينما أراد الثاني تطبيق قانون ينظم لعبة أخرى مختلفة.

ولذلك نقول أنه من الصعب المضي قدما نحو إطلاق التنافس السياسي دون قيود في غياب توافق عام أو تراض عام على بعض من أهم مقومات الدولة.

ولهذا فالتراضي العام يعتبر ذو أهمية محورية في النظام الديمقراطي تحديداً، حيث لا مجال له في النظم الأوتوقراطية الفردية، التي يفرض فيها نظام الحكم ما يرتضيه هو دون غيره، في الغالب الأعم.

فالتراضي هو بطبيعته عمل من أهم الأعمال الديمقراطية، بل يجوز القول إنه العمل المؤسس لأية ممارسة تستحق أن توصف بأنها ديمقراطية وذلك لسببين:

أولهما أن التراضي يتحقق عبر حوار لا يمكن أن يستمر ويثمر بدون التزام حقيقي بالديمقراطية من أطرافه كافة.

أما السبب الثاني فهو أن الديمقراطية التي تفتقد إلى التراضي، تصبح صعبة المنال أو قابلة للتعثر السريع أو الانتكاس الفوري. فالديمقراطية لا تمارس في الهواء وإنما على أرض محددة. وإذ لم تكن هذه الأرض ثابتة؛ فهي تميد بمن يقف عليها. وأخطر ما يواجه أي تطور ديمقراطي هو أن يظن أطرافه أو بعضهم أن الديمقراطية هي بمثابة تنافس منفلت من أي قواعد ومعايير، وأن الشعب يختار من يريده بين المتنافسين بمنأى عن وجود إطار ينظم التنافس ويحدد ما هو ثابت لفترة معينة وما هو متغير.

ولذلك يحدث التوافق الديمقراطي عادة على مبادئ وقواعد يلتزم الجميع بها؛ لضمان سلامة العملية الديمقراطية واستمرارها، ولتجنب ما يمكن أن يؤدي إلى تعثرها أو انتكاسها بغض النظر عن نتائج الانتخابات ومن يفوز بها أو يخسر.


الديمقراطية التوافقية كنظام سياسي

أما الديمقراطية التوافقية فهي تفترض اتفاقا على ترتيبات إجرائية محددة لضمان تمثيل مختلف الهويات الموجوده في المجتمع، بما في ذلك تلك التي يقل عدد المنتمين اليها. فالديمقراطية التوافقية هنا هي شكل من أشكال نظم الحكم المطبقة في بعض البلدان غير المتجانسة شعبيا.

والديمقراطية التوافقية تقضي بإعطاء حق الحكم بالتوافق فيما يتعلق ببعض الأمور الأساسية للجماعات المتمايزة عن بعضها البعض، والمكونة في مجموعها للدولة. والتمايز يكون سببه عادة اختلافا في الأصول الإثنية أو اللغوية.

ويزداد التمايز عندما تكون لدى كل جماعة هواجس معينة تجعلها خائفة دوما من احتمال طمس هويتها من قبل الجماعات الأخري، أو ذوبانها ضمن الأغلبية السكانية، أو الانتقاص من حقوق افرادها الخاصة أو العامة، فيتماسك الأفراد داخل كل جماعة؛ مكونين بذلك قوة سياسية تتنافس مع غيرها من القوى الأخرى مثيلاتها.

وقد يصل الأمر بالجماعات المتمايزة إلى حد التعصب لهويتهم الخاصة أو العامة؛ فيتماسك الأفراد داخل كل جماعة مكونين بذلك قوة سياسية تتنافس مع غيرها من القوى الأخرى مثيلاتها، وقد يصل بهم الأمر إلى حد التعصب لهويتهم الخاصة بهم فيشعر المواطن نتيجتها أن له هويتين، هوية نابعة من انتمائه إلى جماعته وأخرى نابعة من انتمائه السياسي إلى الوطن الذي يحمل جنسيته.

وعندما تحتدم العصبيات بين الجماعات يتنازع الفرد هاتين الهويتين، بحيث تطغى في الغالب هويته الخاصة ذات الطبيعة العنصرية الضيقة، على هويته الوطنية، وهنا يتوزع شعب هذه الدولة بين قوى سياسية لكل منها خلفياتها وخصوصياتها التي تجعلها مختلفة أو متمايزة عن غيرها، ويتم اللجوء إلى التوافق في حال انعدمت الثقة المتبادلة بين هذه القوى الخائفة من بعضها البعض أو في حال عجزت هذه القوى المتنافسة عن تحديد الغايات والآمال المشتركة التي تمثل إطارا جامعا لجميع المواطنين وصهرهم ضمن بوتقة وحدة وطنية صلبة ومتماسكة. فهي تعتبر نوع من الكونفدرالية حيث تؤخذ الآراء بالإجماع، ويكون لكل جماعة فيتو يمنع صدور أي قرار في الأمور المصيرية من دون موافقتها.

ومن هنا فإن التوافق الديمقراطي هو نوع من تنظيم للمجتمع في إطار الدولة الوطنية الواحدة، أي أنه تعددية في إطار الوحدة. أما الديمقراطية التوافقية فهي تجذير للتعددية المجتمعية على حساب وحدة الدولة ذاتها، وهو ما قد يؤدي للدولة مستقبلا إلى الانهيار والتفسخ.

 

 

* خالد فياض: خبير سياسي - معهد البحرين للتنمية السياسية 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان