رئيس التحرير: عادل صبري 07:13 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

إنهما لا يريدان تسوية الصراع في غزة

إنهما لا يريدان تسوية الصراع في غزة

ملفات

إنهما لا يريدان تسوية الصراع في غزة

إنهما لا يريدان تسوية الصراع في غزة

وسام فؤاد 18 أغسطس 2014 15:34

تهكم جدعون ليفي على إستراتيجية اتخاذ إدارة الاحتلال قرار الشروع في عملية "الجرف الصامد"، كما انتقد إستراتيجية إدارة الاحتلال للعملية التفاوضية والتي تتوقع منها إدارة الاحتلال عودة "الهدوء" لإسرائيل مقابل "الحصار" لغزة. قال ليفي: "الموجود لإسرائيل وغير الموجود (ولن يوجد أبدا) لغزة. لأن هذا هو هدف إسرائيل الوحيد، وهو الحفاظ على الوضع القائم وتقديس الهدوء، أما الفلسطينيون فليذهبوا الى الجحيم". وأردف متظاهرا بتوجيه حديثه للفلسطينيين: "نرجو عدم المضايقة بين الساعة الثانية والرابعة ولا أبدا، فالحسناء نائمة".

بات جليا خلال عملية "العصف المأكول" أن دولة الاحتلال تعاني معاناة حقيقية، وصرنا ندرك أن كل خياراتها تدفعها لوقف هذه المعاناة واستعادة "الهدوء"، وأن كل إستراتيجياتها ترمي إلى نزع سلاح المقاومة باعتباره – من وجهة نظرها – السبيل الأوحد للحصول على "الهدوء"، تخوفا من بلوغ المقاومة في غرة حافة الخيار شمشون في إصدارته الفلسطينية؛ حيث إن استمرار قصف غزة سيدفع الطرف الفلسطيني إلى مسالك يمكن أن تضر "إسرائيل" لعقود.


لماذا تخشى إدارة الاحتلال التسوية

مع كل ما سبق نجد أن إدارة الاحتلال لا ترغب في تسوية. فهناك عدة مسارات ترغب إدارة الاحتلال في وقف تمددها. فقد كانت الإدارات المتعاقبة ترى أن تحيز المقاومة جغرافيا، وحصرها في بقعة جغرافية محددة كفيل بخنقها عبر سيطرة جيوسياسية على حدود هذا الإقليم، وفي هذا السياق كان تنسيقها الأمني مع "الكنز الإستراتيجي" لخنق التجربة؛ على أمل أن تقود إستراتيجية الخنق إلى تلاشي الأمل في تعزيز خبرة المقاومة عبر الانفصال الجغرافي، وهو ما يعني أن الباب مفتوح أمامها لإنتاج واقع كانتونات فلسطينية يمكن إحكام السيطرة عليها. وأتبعت إسرائيل إستراتيجية الحصار بإستراتيجية إحلال العمالة الأفريقية والآسيوية محل العمالة الفلسطينية؛ لمزيد من الضغط وتضييق الخناق.

لم تنجح إستراتيجية الخنق. فبصرف النظر عن المساعدات الإنسانية، فإن للجميع مصالح بشرية أدت لكشر الحصار. ففي إسرائيل تجار يريدون أن يستفيدوا من الحصار عبر احتكار توريد البضائع للقطاع، مستغلين حالة التحريم القائمة لكي يربحوا ربحا مزدوجا، فمن ناحية؛ فإن الباب المغلق يرفع أرباحهم. ومن ناحية ثانية، فإن الحظر يقلل المنافسة إلى حد كبير.

ولم يكن هذا حال التجار اليهود وحدهم، فجهاز أمن الدولة المصري كان يفيد من حالة الحصار هذه، وكان يشاطر حفاري الأنفاق أرباحهم الهائلة من وراء تهريب السلع والأفراد عبر هذه الأنفاق. فالأنفاق لم تكن محض عملية تهريب، بل تحولت إلى "بيزنس موديل" عبر قومي.

أدى فشل إستراتيجية الخنق إلى تراكم موارد القوة لدى المقاومة الفلسطينية، مما سمح لها بتشكيل بؤرة توتر ضاغطة في القطاع. وكانت الاستجابة لهذا الضغط تعني تهديد عدد من المصالح البديهية:

أ – نجاح الضغط السياسي/العسكري في غزة كان يعني إغراء الفلسطينيين بتكرار التجربة. فالهدوء النسبي الذي كانت تشهده الضفة تحت حكم جناح أبو مازن من حركة فتح كان يدعمه نظرية دعاية قوامها أنه لا بارقة ضوء في منتهى النفق، وأن الرضا بمقومات الحياة المتاحة بعيدا عن القصف الإسرائيلي هو منتهى ما يمكن للقضية الفلسطينية الوصول إليه. وفي حال نجاح نموذج تسوية في غزة عبر الاستجابة للضغط العنيف قد يؤدي لاستنساخ النموذج ضمن بقاع سكانية ربما تتجاوز الضفة.

ب – لا يوجد ما يضمن لإدارة الاحتلال أن يكون استقلال القطاع منتهى طموح سكان القطاع وقادة الفصائل السياسية فيه. فالطموح الإستراتيجي المشروع دوليا والخاص بالدولة الفلسطينية لا يوجد ما يمثل كابحا له ولاحتمالات احتياجه لتوسع إقليمي على حساب أرض تحوي مصالح إستراتيجية لدولة الاحتلال، بما في ذلك صحراء النقب، وبخاصة مع وجود استعداد خصوبة ديموجرافية فلسطينية، ما يجعل التنازل تحت ضغط أمرا محفوفا بعدد من المخاطر الإستراتيجية.

ج – النعرة القومية الصهيونية تمثل عائقا كبيرا. فأي القوى يمكنها أن تكون السبب في فقدان الأرض المحتلة؟ وما الذي يعنيه ذلك من تأثير على صورة "إسرائيل" أمام مستوطنيها؟ وما الذي يعنيه ذلك أمام صهيونيي العالم؟ والسؤال الأخير هو الأكثر أهمية. فإذا كان بالإمكان استرضاء مستوطني دولة الاحتلال؛ فمن يمكنه استرضاء ممولي دولة الاحتلال من الصهيونية الأمريكية اليهويدية وغير اليهودية. وهذا السؤال مهم جدا في إطار تكرس منذ حرب الخليج الثانية؛ حيث ثبت للإدارة الأمريكية أنها لا يمكن أن تعتمد على إسرائيل كنقطة انطلاق عسكرية ضد أية دولة عربية، وهو ما دفعها لتهميش إسرائيل والاستعانة بالسعودية ومصر لمواجهة الغزو العراقي للكويت. ولا يمكننا أن ننسى أن جيش الاحتلال الغارق في المستنقع الفلسطيني لم يستطع الالتفات لخارج رقعته الجغرافية.

لهذا، فإن إدارة الاحتلال ترى أن استمرار القصف يعني بالنسبة لها كابوسا مرعبا، لكن الأكثر رعبا هو فتح الباب لضغوط قد تفضي لـ"حل شامل" للقضية الفلسطينية.


الطرف المصري والموقف المحير

الموقف المحير للطرف المصري عبر عنه الكاتب البريطاني ديفيد هيرست في مقال له يرى فيه أن التهدئة رهن بجلوس الفلسطينيين وال"الإسرائيليين" سويا، لئلا يتأثر مناخ التهدئة المنشود بحالة الكراهية المصرية تجاه حماس. ولم يكن ثمة بد من تفادي هذا التفسير الذي كان إطاره باديا داخل مصر

سر الحيرة من الموقف المصري يرجع بنا لهزيمة 1967 ومن بعدها حرب 1973، حيث أنتجت هذه الحرب حالة من توظيف الطرفين لأهلنا في الأراضي المحتلة لتحقيق قدر من الأمن. فالطرف السوري كان يستخدم حزب الله في لبنان كوسيلة تحجيم النزوع التوسعي لدولة الاحتلال. وكانت الإدارة السورية لـ"حافظ الأسد" قد حرصت إبان ذلك على استطافة قيادات الفصائل الفلسطينية في إطار توازني يسمح لها بتقديم عوائد لإدارة الاحتلال عبر إدارة هذه الفصائل وضبطها أمنيا؛ جنبا إلى جنب مع استغلال وكالة حزب الله.

أما مصر، فقد كانت ثمة قناعة مسكوت عنها – لحساسية موقف القيادة الفلسطينية – أن أمن مصر مرتبط بوجود حالة مقاومة فلسطينية على حدودها الشمالية تمتص أية إرادة "إسرائيلية" في التوسع. ومع هذا، لم تكن مصر سعيدة تمام بحماس. فالوساطة المصرية بين الطرفين كانت أحد أهم أدوار مصر الإقليمية، وهذا الدور كان يشهد تعثرا دوما بسبب عدم قدرة مصر على الضغط على حماس عند حدود معينة. وحتى مع اتجاهات التسوية الأخيرة بعد "العصف المأكول"، كانت الاتجاه المصري يتمثل في تهميش كافة قضايا المطالب الفلسطينية مرجحة التوافق أولا على التهدئة.

تطور الموقف المصري بدا وكأنه غير محسوب؛ حيث كانت مصر تضغط على حماس بما قد يحيلها لقنبلة موقوتة في وجه إدارة الاحتلال؛ إما كراهية للإخوان أو رغبة في اكتساب شعبية تعويضية أو لإضفاء صدقية من نوع ما على عمليات استهداف الجنود المصريين في سيناء. ويرجح المراقبون أن يكون هذا التشدد مرده إلى تولي جهاز المخابرات يقيادة محمد التهامي ملف غدارة المفاوضات، وهو المعروف بكونه من الصقور المتشددين تجاه الإسلاميين.

ويتسم الموقف المصري بسمتين أساسيتين:

أولهما: أن التصعيد المصري على طريقة السيسي مرفوضة إسرائيليا وعربيا وتكاد تكون مرفوضة عالميا. فالضغط قد يؤدي للانفجار عند مرحلة نوعية، ولن ينفجر إلا في وجه إسرائيل. هذا فضلا عن النزعة الإنسانية العربية والعالمية التي نجمت عن "الجرف الصامد" وقادت إلى تعاطف "نوعي" مع قطاع غزة.

وثانيهما: تصر مصر على أن تضع حماس تحت ضرسها، وأن تظل متحكمة بالمعابر، وضاغطة على القطاع؛ حتى بعد خضوع القطاع – ولو نظريا – للسلطة الفلسطينية بموجب حكومة التوافق. فبدلا من أن تعمل مصر على الخروج من المعضلة بحل إنساني يسمح للقطاع بأن يعتمد على نفسه اقتصاديا وإنسانيا. وفي هذا السياق نجد ثمة اتجاهين لتفسير الموقف المصري:

أولهما أن مصر ترغب في الضغط على سكان القطاع أنفسهم لدفعهم للتخلص من حركة حماس كقيادة على رأس السلطة في غزة. ويصطدم هذا التفسير بإرادة عربية قوية تدعو السلطات المصرية للتمييز بين تصفية حساباتها مع حكومة حماس وبين مصالح مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع. فهل سيمنع هذا الاعتبار الإنساني مصر من اعتبار هذه الرغبة هدفا إستراتيجيا.

وثاني التفسيرين وهو تفسير لا يمكن دمجه بالأول، ويتمثل في وجود اتفاق إقليمي أقوى على ضرورة إخضاغ القطاع وتدجينه في مواجهة دولة الاحتلال. هذا الاتفاق يمثل العمود الفقاري الذي يساند الدور الإقليمي المصري بعد تدهوره بدء منذ العقد الأخير من حكم الرئيس المخلوع مبارك.

اللافت هنا هو الأسلوب التفاوضي المصري الذي يعتمد على تقديم ديباجة قوية، مصحوبة بتطمينات مرحلية، مع إرجاء الملفات المختلف عليها، وذلك لحين حصول الطرف المصري على أيزو "ما يجيبها إلا رجالها"، وأما المتبقي فيحال لمفاوضات خبرت القضية الفلسطينية عشرات الجولات المماثلة لها من قبل.


موقف فلسطيني حرج

بين هذين الموقفين يقف الموقف الفلسطيني بين حذرين يسببان قدرا كبيرا من الإحراج له. فهو في النهاية يريد أن يكف يد قوات الاحتلال عن أبناء شعبه، ويعطي الناس متسعا لالتقاط الأنفاس والعودة لممارسة معاشها الإنساني الطبيعي بأبعاده المختلفة الاقتصادية الاجتماعية، خاصة وأن تباشير الإفراج عن الرواتب والدعوة لمؤتمر إعادة الإعمار تسهم في تعزيز خيار "الهدوء".

ومن ناحية ثانية، يصعب على الفلسطينيين في القطاع الاستمرار على هذا النحو للأبد، حيث يتحكم بها العدو شمالا والأخ الصديق جنوبا ليضيقوا عليهم من دون أفق للخروج من هذه الدوامة. ويخشى في الوقت نفسه أن يفقد ما تحقق أثناء عملية "العصف المأكول" من اتفاق بين الأطراف الفلسطينية المختلفة على الصمود والمقاومة.

ولا يملك أحد في النهاية أن يملي على الأشقاء في غزة أي من الخيارين أو حتى يرجحه لهم، فكلاهما مر.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان