رئيس التحرير: عادل صبري 06:03 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

بالفيديو..زوجة البلتاجي: أعيش على الصور بعد مقتل ابنتى واعتقال زوجي

فى حوار لـ"مصر العربية":

بالفيديو..زوجة البلتاجي: أعيش على الصور بعد مقتل ابنتى واعتقال زوجي

آيات قطامش 14 أغسطس 2014 12:19
  • رصاص الأمن استهدف أسماء مرتين أثناء إخراجها من ميدان رابعة
  • اعتقلوا ابنى أنس.. والتهمة: ابن البلتاجى
  • استهداف البلتاجي انتقام من رموز ثورة يناير
  • على يقين من انكسار الانقلاب بإذن الله
  • لن يرضيني إلا تعليق القتلة على أعواد المشانق
  • أسماء كانت تُعد نفسها للشهادة ولكن على أعتاب الأقصى

"أنا بقيت دلوقتى عايشة على الصور".. كلمات موجعة.. رددتها والدة "أسماء البلتاجى"، التي قتلتها قوات الأمن في 14 أغسطس الماضي، أثناء فض اعتصام رابعة العدوية.

بعد اعتقال أولادها وزوجها واضطرار أحد أبنائها للسفر للخارج بعد الملاحقة المستمرة له، أصبح المنزل خاوياً تماماً عليها، تتنقل بين حجراته، فى غرفة أسماء تارة وأنس تارة أخرى وبعدها تجلس فى حجرة زوجها البلتاجى".. لا تجد أمامها سوى صورهم التى علقتها فى كل جنبات المنزل وجدرانه لتملّى بها عينها بعدما عجزت عن رؤيتهم وهم يتحركون من حولها هنا وهناك.

تفتح صفحات "فيس بوك" الخاصة بهم لتقرأ ما دونته أناملهم فى محاولة لسد شعورها بالحرمان منهم، تترقرق بعض الدمعات فى عينها، ويرتجف قلبها بقوة حينما تتذكر وهى تقف أمام "أسماء" يوم الفض، وهما يتبادلان النظرات، والابنة تنزف أما الأم فلا تتمكن من مساعدتها لإبقائها على قيد الحياة.

جلست الأم فى أحد جنبات غرفة أسماء تقلب دفاترها، تتذكر وهى تضمها إلى صدرها، تسترجع شريط ذكرياتها معها وهى تجلس أمامها تتحدث إليها بكلمات "دسمة".. حسبما وصفتها الأم.

التقت "مصر العربية" سناء عبد الجواد، والدة أسماء البلتاجي، بمنزلها وتحدثت خلال الحوار فى الكثير من التفاصيل نسردها لكم فى السطور التالية..

حدثينا عن أسماء ليلة الفض وكواليس هذا اليوم..

من الساعة السادسة والنصف صباح يوم الفض بدأ المعتصمون يتساقطون من حولنا الواحد تلو الآخر، وفي الساعة 7 وجدت (أسماء)..

فى البداية وجدتها تذكر الله كثيراً، وتحت ضرب النار طلبت مني أن تتوضأ وكنا نقف وقتها أمام المنصة، فسألتها: "ازاى هتتوضى دلوقتى فى وسط الضرب ده؟ فبادلتنى صغيرتى الرد بأن ماء لازال متبقيا فى زجاجتها الصغيرة التى دائماً ما كانت تضعها فى حقيبتها، وطلبت منى أن أسكب الماء عليها ولكن رويداً رويداً حتى تكفى الكمية القليلة التى تبقت فى زجاجتها لوضوئها، ومن كثرة الغاز كان يُغشى عليّ من وقت لآخر، وأسماء تمسح على وجهي، وتُربت على كتفى لتخفف عني.

أبدت أسماء رغبتها فى الذهاب إلى المستشفى الميدانى وألحت على ذلك لدرجة أنها أخذت تشير نحوها رغم شعورها بالاختناق من الغاز المسيل، وفجأة لم أجدها إلى جواري واختفت من أمامى، حاولت الاتصال بها ولكن لم يكن هناك شبكة اتصال، وأخذت أبحث عنها وسط ضرب النار والغاز.

 

وكيف علمت بنبأ مقتلها.. وكيف عثرت عليها؟

بعد نصف ساعة أخبرني شقيقها أن أسماء أصيبت، ولكن بخرطوش، قلت فى نفسى حينها الحمد لله إنه خرطوش فقط، وسط المشاهد البشعة التى رأيتها، والجثث الملقاة فى كل مكان.

توجهت مع ابنى إلى المستشفى الميدانى وكانت وقتها راقدة على السرير تتألم، ولكنها لم تكن تتأوه بصوت، وأخذت أمسح على وجهها وهي تقول: "يا ماما أنا كويسة"، علمت أنها أصيبت برصاص حى من إحدى الطائرات، والطبيب علم بذلك حينما وجدها غارقة فى دمائها.

لا ألوم أى شخص فى المستشفى الميدانى فهم فعلوا كل ما فى وسعهم، والوضع كان أصعب من أن يحتويه أى شخص، كانت أسماء بحاجة إلى إجراء عملية، فنقلت إلى مستشفى رابعة ولكن ارتقت روحها إلى بارئها بعد أقل من نصف ساعة من نقلها.

 

بماذا شعرت كأم فى تلك اللحظة؟

ألم شديد.. جميع من فى الميدان كان فى حالة ذهول وغير مصدق لما يحدث حوله، شعرت أننا فى حلم، ومن حولي أخذوا يتساءلون: هل نحن فى حلم فعلاً أم حقيقة؟ هل فعلا الجيش المصرى يقتلنا ويضربنا بهذا الشكل؟ أولادنا وأخواتنا وأقاربنا فى الجيش هم من يضربوننا؟ أسماء ابنتى كانت تعد نفسها للشهادة، ولكن على أعتاب الأقصى، وليس على يد الجيش المصرى.

 

كيف كان خروج جثمان أسماء من الميدان؟

صمم شقيقها على إخراجها من الميدان لأنه رأى أن الوضع سيزداد سوءاً، وكان الضرب يدوى فى كل صوب، وامتد للمستشفى الميدانى وإطلاق النار على المصابين داخلها، فحملها شقيقاها عمار وأنس وخرجا بها من الميدان، وانهمر الرصاص صوبهما، فسقطت أسماء من أيديهما على الأرض بعد استشهادها، فحملاها مجدداً، ولكن تم إصابتها مرة أخرى بعد استشهادها بالرصاص لتصاب بكسر فى الجمجمة والفخذ.

حاول إخوتها البحث عن مستشفيات لمدة زادت عن الخمس ساعات، حيث وصلت المستشفيات تعليمات بعدم قبول أى مصاب وقتها أو جثث قادمة من رابعة، وبعد 6 ساعات قبلتهم مستشفى الحسين الجامعى، لأن والدها كان أستاذاً بها، فدخلت بشكل ودى ومكثت بها يومين ومنها إلى مشرحة زينهم.

 

حدثينا عن شخصية أسماء .. صفاتها وأبرز اهتمامتها

أسماء لم تكن ابنه عادية، وجميع أفراد الأسرة تألم لفراقها، لم تكن تنتمى إلى فصيل أو جماعة معينة، ولكنها كانت ذات فكر حُر ورأي حر، لديها حكمة ورؤية سياسية، وكنت أتعجب منها وهى لا تزال فى سن الـ 17 عاما ولديها هذه الرؤية الناضجة.

كنت أستمتع بالحديث إليها وسماع رأيها وأتعمد أن أطيل فى الكلام معها، فتحسم الموضوع بحكمة، وتقول لي: "مش جدال وخلاص يا ماما"، وكان لها رأي منفصل عن والدها، وكثيراً ما كانت تعترض على سياسات كثيرة، وكنا نسترشد برأيها لدرجة أن والدها كان يلقبها بـ "أستاذتى الجليلة" لأنها كانت دائماً ما تعلمنا، فتسهر حتى الواحدة بعد منتصف الليل يومياً لمناقشة والدها عقب عودته من الخارج فى كل الموضوعات والقضايا، وكان لها اعتراضات على أشياء كثيرة جدا، فكان والدها دائماً ما يردد على مسامع صغيرته "عندك حق والله يا سمسم، هنعمل إيه أدينا بنحاول".

مر عام على مقتل أسماء.. فكيف مر عليك؟

أنا أصف العام بعد استشهاد ابنتى بعام الحزن، فقدت فيه ابنتى الوحيدة وحرمت فيه من زوجى وأبنائى باعتقالهم، فضلاً عن اعتقالى أنا ونجلى أنس، وخرجت ولفقت لي قضية منذ عدة أيام من أجل كلمة حق أقولها، لكن كل هذه الاتهامات والتهديدات لن ترهبنا، فعلى ماذا سأكون حريصة بعد استشهاد ابنتى واعتقال زوجى وأولادى لدرجة أن "عمار" ابنى اضطر إلى السفر للخارج بعد خروجه من المعتقل لملاحقته، فأصبح بيتى فارغاً وأصبحت أعيش على الصور.

وكلما شعرت أنني أشتاق لأولادى وزوجى أعلق صورا لهم فى المنزل، وكلما شعرت بالحنين لهم أظل أقلب فى دفاترهم وصورهم وكلماتهم التى كانوا يدونونها.. أشم ملابسهم، "معدش عندى حاجة تانى" ولكن برغم كل تلك الآلام فسنظل ثابتين على الحق.

 

كيف ترين فعاليات اليوم في ذكرى فض رابعة العدوية؟

لن أقول مثل باقى الناس بأنه يوم فاصل وسينكسر الانقلاب فيه، فنحن تعلمنا أن لا نقول ذلك، ولكن يقيناً بإذن الله سينكسر هذا الانقلاب ما ظل الشباب الحر والبنات الثائرات فى الشوارع.

 

حضرت يوم الفض.. فما هي أبرز المشاهد التى ظلت عالقة فى ذهنك حتى الآن؟

الأصعب هو مشهد ابنتى التي رأيتها تموت أمامى وأنا عاجزة عن تقديم يد العون لها، فضلاً عن مناظر القتل والإصابات بالميدان.

رأيت الكثير من المشاهد فى الحروب ولكن كانت هذه أبشع منها بمراحل، فرأيت رؤوسا محطمة والمخ يتدلى منها، إصابات غير عادية.

كانت قنابل الغاز الكثيفة الخانقة التى ألقوها كفيلة بفض الميدان، أو الإصابة فى القدم أو الكتف، لكن إصابات هذا اليوم كلها كانت مميتة.

 

كيف خرجت من الميدان يوم الفض؟

لم أتمكن من الخروج مع أسماء لأن أبنائى أبدوا رفضهم لذلك، وأخبرونى أنهم سيأخذونها على دراجة بخارية، فمكثت لساعات بعد خروج أسماء لا أستطيع التحرك من مكاني إلى أن دخلت قوات الفض المستشفى، وأخذت تطلق الرصاص على الجثث والمصابين، واضطررنا إلى دخول غرفة أشعة صغيرة، وانهمر الرصاص على باباها كالمطر وبعدها هدأ وعلمنا أنه من الممكن أن نخرج، وعلى السلالم كان الضباط يقفون.


 

يتساءل البعض.. كيف استطاع الدكتور محمد البلتاجى  الخروج من الميدان؟

أنا حتى الآن لا أعلم كيف خرج، حيث انقطع الاتصال بينى وبينه بعد استشهاد أسماء، وكانت آخر مرة رأيته فيها، وجاءني اتصال هاتفي في السادسة مساء من أحد المقربين أخبرنى أن زوجى تمكن من الخروج.

 

هل كانت لديكم معلومة بأن الميدان سيتم فضه يوم 14 أغسطس؟

خبر الفض كان متوقعاً، ولكن لم نكن نتخيل أن يكون بتلك الوحشية، فالغاز المسيل للدموع الذى تم إطلاقه يوم الفض كان كافياً لفض الميدان مع ترك ممر آمن للمعتصمين، ولكنها كانت إبادة جماعية.

 

عُدت الى المنزل بعد الفض، لم يكن معك ابنتك أسماء ولا زوجك البلتاجى.. كيف كان شعورك وقتها؟

انتابتني كل مشاعر الألم؛ خاصة أن أسماء كانت فى صحبتى طوال الوقت وكانت معى طول وقت الاعتصام، أحياناً كثيرة أشعر أن أسماء لازلت موجودة، فدائماً كلماتها تتردد فى أذني.

 

هل كان لأسماء دور تقوم به فى الميدان؟

كانت من الوقت للآخر تتوجه إلى المستشفى الميدانى للمساعدة، وفي كثير من الأوقات كانت تتجول في الميدان مع صديقتها، ولا أراها إلا وهى تتناقش.

 

لو تخيلنا أن قاتل أسماء جاء ووقف أمامك..  ماذا ستقولين له؟

قاتل أسماء الحقيقى ليس من صوب تجاهها السلاح وإنما مجموعة على رأسها عبد الفتاح السيسى ومحمد إبراهيم وقائد القوات الخاصة وحازم الببلاوي، وأقول لهم جميعا: لن تفلتوا من العقاب وسنحاسب كل من شارك فى الدم، وستقدمون إلى القضاء العادل، وليس إلى هؤلاء المتواجدين حاليا، الذين يبرئون مبارك وعصابته ويتهمون رموز الثورة بالإجرام، ولن يرضينى أبدا إلا أن أراكم جميعا على أعواد المشانق.

 

لوعاد بك الزمن.. هل  كنت لتشاركي مع أسماء في الاعتصام؟

أنا لا أندم على أى شيء فعلناه لأننا لم نرتكب جرماً.

 

هل يتعرض " البلتاجى" الآن لأى انتهاكات؟ وهل تتمكنين من رؤيته؟

يكفى أنهم منعوا عنه الزيارة منذ شهر، وما يمارس ضد د.البلتاجى هو نوع من الانتقام لأنه من رموز ثورة 25 يناير، ووقتما كنت أتمكن من زيارته كان يتم ذلك من خلال حائل زجاجي، وبيننا طرف ثالث لأن الزيارة تكون مسجلة.

 

وماذا عن الابن "أنس"؟

أنس إلى الآن محتجز فى حبس انفرادى وحين دخلت لأسأل لماذا يتم معاملته بهذه الصورة يأت الرد بأنه "ابن البلتاجي" وكأنها أصبحت تهمة، ولكنها فى الأساس شرف لنا جميعاً، وعمار الآن ترك البلاد بعد ملاحقته.

 

وعلى المستوى الشخصي.. هل تعرضت لأى تهديدات؟

لا.. أنا أمارس حياتى بشكل طبيعى، مشكلتى الوحيدة مع من اشترك فى الدم، وليس عندى مشكلة مع غيرهم، حتى هؤلاء الذين تظاهروا يوم 30 يونيو.

 

هل ترين استمرار  المسيرات فى الشارع هو الحل؟

هناك بالتأكيد حلول أخرى، ولكن أكثر ما يضايقهم هو النزول فى الشارع وبإذن الله سينكسر الانقلاب.

 

ما هي الرسالة التى تودين توجيهها لمن هم في السلطة الآن؟

ليس بينى وبين من فى السلطة أي كلام، فبينى وبينهم المحاكمات، لكن أوجه رسالة إلى الشعب المصرى وجيرانى وأصحابى: "كفاية بقى، فوقوا، كفاية الدم اللى سال".

 

شاهد الحوار:

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان