رئيس التحرير: عادل صبري 07:07 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

قراءة في خلطة الدين بالسياسة عند مبارك

قراءة في خلطة الدين بالسياسة عند مبارك

ملفات

خلطة الدين والسياسة عند مبارك

قراءة في خلطة الدين بالسياسة عند مبارك

وسام عبد المجيد 13 أغسطس 2014 17:19

ليس غريبا أن نجد حاكما مخلوعا يترافع للدفاع عن نفسه، فيتبدى في مرافعته كراهيته للثورة التي أطاحت به، وينم عن حقده على الثوار الذين نجحوا في خداع أجهزته الأمنية القمعية، فيهدم صورتهم، ويحرض عليهم. غير أن مرافعة مبارك كشفت ما هو أبعد من مجرد الكراهية الشخصية، فقد كشفت عن مشروع للكراهية المجتمعية كانت أحد اعمدة إستراتيجيته في حكم مصر طيلة الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة من فترة حكمه.

 

مشروع الكراهية كإستراتيجية

 

المتأمل للربع الأخير من مرافعة مبارك يدرك هذا المفصل المهم في إستراتيجية إدارة الدولة. مشروع الكراهية. ماذا قال الرجل؟

بدأ الرجل حديثه عن ثورة 25 يناير بالحديث عن تحذيره مرارا وتكرارا من خلط الدين بالسياسة. وفي نفس الفقرة، وبعد سكتة خفيفة تحدث عن ثورة يناير التي قامت على أكتاف من خلطوا الدين بالسياسة، وبعد سكتة خفيفة تحدث عن عمليات النهب والسلب والقتل وترويع الشرطة التي اقترفها من خلطوا الدين بالسياسة هم وحلفاؤهم.

هكذا يرى الرجل ثورة يناير. فهي ثورة صنيعة جماعة الإخوان في المقام الأول، فهم القوة الأبرز التي عانت تحت نظامه؛ من وجهة نظره، وهي القوة الأبرز التي تريد زوال حكمه. وكان اللافت في حديثه بعدها هو ذلك القدر من التجاهل الواضح لحجم القوى الشبابية التي "تحالفت معهم"؛ من وجهة نظره أيضا، وكأن هذه الثورة لم تقم على يد مجموعة من الشباب كانت تبحث عن الحرية لمصر، وتنشد الكرامة لأهلها، وترجو لفقرائها أن يتنعموا بسياسة واضحة للعدالة الاجتماعية، أولئك الشباب جمعوا كل تلك المطالب في شعار ثلاثي هز وجدان المصريين: عيش.. حرية.. كرامة إنسانية.

والأهم بعد ذلك كله أنه حرص على أن يصور هؤلاء جميعا وكأنهم من قاموا بعمليات النهب التي أعقبت إعلان الشرطة على الملأ انسحابها من المشهد. ذلك المشهد الذي أعقبه قيام "طرف ثالث" بفتح أبواب السجون على مصراعيها ليخرج كل من هب ودب من المسجلين خطر واللصوص. وبمنطق "عك ربك يفك" اتفق المتورطون في فتح السجون على أن بإمكانهم – فيما بعد انتهاء الهوجة - أن يلصقونها بمن يشاؤون حين تنجلي "الغمة".

 

مشروع الكراهية المجتمعية

 

ما تبدى في خطاب مبارك هو إستراتيجيته لإدارة المشهد السياسي المصري منذ بدأ يتحضر لاستمراره في الحكم، حيث كان يحرص على إخضاع المصريين وقواهم السياسية، فمن لا يخضع بالإذلال واللهاث وراء لقمة العيش يمكن استقطابه عبر ذهب المعز ومقعد مجلس الشورى أو قطعة أرض بتراب الفلوس لإقامة مدينة سكنية تباع وحداتها بملايين الجنيهات لرجال الأعمال الذي يسلكون مصالحهم بطريقة يعلمها الجميع.

أما من يتمسك بالرفض المبدئي، فإن عقابه أن يتشيطن، فيتحول لمركز لتلقي الكراهية وتراكمها، وكان مشروع الكراهية هو المفتاح الأساسي الذي استخدمه مبارك لعرقلة عملية اندماج المجتمع الفقير المهان في مشروع جماعة الإخوان.

ما عبر عنه مبارك في مرافعته مثل تصويرا لما عليه الحال منذ يونيو 2012، حيث دفعت جماعات المصالح المرتبطة بمبارك ورجاله وسائطهم الإعلامية المختلفة لتعميق مشروع الكراهية هذا، وكان البعد الثاني في الإستراتيجية هو إلحاق كل الخصوم بالإخوان، فيصب الناس عليهم كراهيتهم لمجرد وضع "علامة" عليهم تنم عن علاقتهم بالإخوان، حتى لو كانت هذه العلاقة منعدمة، وحتى لو كان أولئك النفر قد قضوا حياتهم في نقد جماعة الإخوان.

مشروع الكراهية جاهز لاستيعاب الجميع، شريطة أن تضع نخبة مبارك علامة عليه تعلن للناس أن هذا الشخص أو هؤلاء النفر يشتبه في علاقتهم بالإخوان، سواء أكانوا حلفاء أو "خلايا نائمة".. إلخ.

 

خلطة الدين بالسياسة عند مبارك

 

برغم ما سبق قوله عن مشروع الكراهية وإستراتيجية الإلحاق: إلحاق الخصوم السياسيين بالإخوان، برغم هذا؛ لا يزال لمبارك طبق ذو مذاق خاص قائم على خلطة الدين بالسياسة. ولهذه الخلطة قصة طويلة بدأت مع توليه السلطة.

أساس القصة أن مبارك رجل عسكري سطحي؛ ليس من نخبة العسكريين الذي درسوا الفكر والإستراتيجية في الأكاديميات المتخصصة. رجل لا يقرأ ولا يستوعب، وشعوره حيال القراءة تبلور في تعليقه على مداخلات أحد الحضور عن قراءته لأحد التقارير حين قال له: أنا بافر بس.. أنا هاقرا كل ده.. يا راجل كبر مخك". هذه الشخصية تعتمد في بنائها لرؤيتها على السماع. وقبل أن تسمع تقرر أن تختار من تسمع لهم، وكان معروفا أولئك الذين يسمعهم مبارك.

يروي أحد أعضاء المجلس الحالي لنقابة الصحافيين أنه كان ذات مرة يحضر لقاء الصحافيين بمبارك عقب إصدار القانون سئ السمعة رقم 96 لسنة 1996، وذلك لتعديل القانون، فقال: "قام أ. محمد عبد القدوس عضو مجلس النقابة بإهدائه كتابا جمل عنوان: "الحب في الإسلام".. فكان أن شكره مبارك وقال له في المرة القادمة أريد كتابا عن علاقات "الرفق في الإسلام" (الرفق هو علاقات دائمة محرمة بين الرجل والمرأة).

ما فات مبارك في هذا الإطار أمران:

أ – أن الدين في جزء منه إطار أخلاقي يضبط تفاعلات الناس في المجتمع. والسياسة من ضمن التفاعلات. وإذا كان لكل جماعة إثنية أو فكرية إطارها الأخلاقي، فإنه من الطبيعي أن يكون للإسلاميين إطار أخلاقي إسلامي بحكم مرجعيتهم.

ب – أن مبارك طيلة عهده حرص على تجريد أي عقد اجتماعي مدني من قوته، كما حرص على التلاعب بالقوانين وإهمالها وتهوين شأنها عند الناس، بل وتجاهل الأحكام القضائية، وعدم تكريس هيبة القضاء، وهذه الأمور كلها جعلت الإسلاميين يتمسكون أكثر بإطارهم الأخلاقي باعتباره القواعد المطلقة الوحيدة التي لا يمكن لمبارك التلاعب بها وإفسادها. وكان ذلك هو السبب الرئيس الذي حكم موقف مبارك حيال العلاقة بين الدين والسياسة.

لا شك في أن للإخوان أخطاءهم الفكرية التي حرصت تيارات إسلامية عديدة على نقدها وتقديم بدائل، لكن كان أحد أهم إستراتيجيات مبارك حيال الإسلاميين أن يتجاهل من بينهم صوت العقل والحكمة؛ وأن يضع البيض كله في سلة واحدة، ليسهل عليه وضعهم في المربع المشوه الذي كان إعلامه يصف به الإسلاميين بشكل عام، والإخوان بشكل خاص.

الجديد في خلطة الدين بالسياسة عند مبارك أن يصف ثوار يناير بأنهم حلفاء لمن يقومون بهذه الخلطة.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان