رئيس التحرير: عادل صبري 11:10 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

شرعيون: تقرير المفتي مخالف لأدنى المعايير الفقهية

شرعيون: تقرير المفتي مخالف لأدنى المعايير الفقهية

ملفات

الشيخ محمد عبد المقصود

شرعيون: تقرير المفتي مخالف لأدنى المعايير الفقهية

تعليقا على تقرير فضيلة مفتي مصر حيال الحكم بإعدام مجموعة من علماء الأزهر

إسلام عبد العزيز 16 يوليو 2014 16:09

أثارت حيثيات مفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام في تصديقه على حكم الإعدام على المتهمين في قضية قليوب، ومنهم بعض علماء الأزهر ردود فعل متباينة لدى القانونيين والمؤسسات الحقوقية، التي أبدى بعضها استياء من الحكم ووصفه بـ "الانتقامي".

وكان د. شوقي علام مفتي الجمهورية قد أرسل خطابا لمحكمة جنايات شبرا برئاسة المستشار حسن فريد، ردا على طلب المحكمة أخذ رأيه في إصدار حكم الإعدام علي المتهمين في القضية الخاصة بإحالة أوراق المتهمين في قضية قطع طريق قليوب، مؤكدا على أن "ما أقدم عليه المتهمون الآثمون من جرم قد ثبت شرعاً وتأيد في حقهم بمقتضي القرائن القاطعة".

واستند المفتي في حيثياته إلى أنه من المقرر شرعاً أن إثبات الجناية علي النفس يكون إما بمقتضى إقرار صحيح يصدر عن الجاني، وإما بمقتضى بينة شرعية، وإما بمقتضى القرائن القاطعة. وقد ثبت من مطالعة أوراق الدعوى أن ما أقدم عليه المتهمون من جرم قد ثبت شرعاً وتأيد في حقهم بمقتضى القرائن القاطعة.

وأشار المفتي إلى أنه قد ثبت من مطالعة أوراق الدعوي أن ما ثبت من تفريغ التسجيلات الخاصة بعبد الرحمن عبد البر علي منصة رابعة العدوية وبعض القنوات الفضائية أنها احتوت على عدة نقاط، أبرزها: نعت لما أسماه بالانقلاب العسكري، وسب لقائد الجيش، ووصفه بالخائن، ودعوته للتظاهر.

كما ثبت من تفريغ الاسطوانة الخاصة بعبد الله بركات أنها تحتوي علي 7 مقاطع فيديو ما بين خطب علي منصة رابعة العدوية، وخطب علي شبكة يقين الإخبارية؛ تضمنت ذات المضمون من نعت ما أسماه بالانقلاب ومن قاموا به، ودعوة للصمود والاستشهاد لعودة ما اسماه الشرعية وعودة مرسي.

كما ثبت من تفريغ 9 مقاطع فيديو خاصة بالمتهم محمد عبدالمقصود أنها خطب ما بين منصة رابعة العدوية وشبكة يقين الإخبارية، وتدور حول ذات المعنى، كما أنها انطوت على سب لمن قاموا به، ودعوته إلي التجمع والصمود والاستعداد للشهادة في سبيل عودة الشرعية.


المفتي علي حق

من جانبه، وتعليقا على هذه الحيثيات، أيد الدكتور عبد الله النجار الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الاسلامية، ما جاء في تقرير دار الإفتاء، قائلا: هذه القرائن في مجموعها ثبت فيها الجرم بحق هؤلاء المتهمين، وذلك لأنه من المقرر شرعاً أن القرينة القاطعة هي ما يستخلصه المشرع من أمر معلوم للدلالة علي أمر مجهول وهي أمارة ظاهرة تفيد العلم عن طريق الاستنتاج بما لا يقبل شكاً أو احتمالا، ومنها ما نص عليه الشارع أو استنبطه الفقهاء باجتهادهم، ومنها ما يستنبطه القاضي من دلائل الحال وشواهده.

ولم يتوقف النجار عند التأييد، بل أبدى إعجابه الشديد بما جاء في تقرير المفتي من أنه لما كان الغرض من الدليل الذي يقدم إلي القضاء هو إبانة الحق وإظهاره، وقد يوجد في الدعوى من القرائن القاطعة ما يرجح كفة أحد الخصمين؛ ويدل علي الحق في الخصومة، ولا يكون من العدالة أو الحق أن تهدر دلالتها، ويحجر علي القضاء الآخذ بها، وقد ثبت من القرائن قيام المتهمين بالتحريض والسعي لإثارة الفتن والقيام بتظاهرات غرضها القتل والترويع وقطع الطريق وإتلاف الممتلكات، وهو ما ينطبق عليه قوله سبحانه "وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".

وقال: ما جاء في تقرير المفتي من أن ما قام به قادة الإخوان يمثل الفساد والإفساد للإخلال بالنظام والتمرد علي القوانين أمر صحيح، وهذا بحسبه يجعلهم ممن ينطبق عليهم  قوله تعالى: "الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد" (الفجر: 12)، ولهذا فإن ما قام به المحكوم عليهم نوع من الفساد؛ بل والإفساد الأكثر تأثيراً والأوسع شمولاً في آثاره. ولهذا كان جزاؤه وعقابه أشد، إذ لا يقتصر علي العذاب الأخروي، بل امتد إلى العذاب الدنيوي؛ لقوله تعالى: "لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" (البقرة: 114). ولهذا فقد يتحقق الفساد في الأرض لمخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى، والتمرد على الصالح الاجتماعي العام الذي كلفه الله تعالى لصالح الجميع.

ونفي النجار أن يكون ما جاء في تقرير المفتي أي مخالفة للشرع مؤكدا أن غاية العقوبات في الإسلام إصلاح المجتمع وردع المفسدين عن إفسادهم ولهذا لابد من إعلان الحكم عليهم أمام الملأ ليكون ذلك تأديباً للفاعلين وردعاً للآخرين مصداقاً لقوله تعالي "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين".

وفي محاولة للتأصيل قال الأستاذ بكلية الشريعة والقانون: الفساد في الأرض يتمثل في إعلان الحرب علي المجتمع من خلال تهديد أمن الناس والاعتداء علي أرزاقهم وأموالهم وممتلكاتهم ونفوسهم، وهو ما يطلق عليه في الاصطلاح الفقهي "المحارب". وقد عنيت الشريعة الإسلامية بالأخلاق الفاضلة، والعلة في اهتمام الشريعة علي هذا النحو أنها تقوم على الدين، والدين يأمر بمحاسن الأخلاق ويهدف إلي تكوين الجماعة الخيرة.

وتابع: ولما كان الدين لا يقبل التغيير ولا التبديل ولا الزيادة ولا النقص، فمعنى ذلك أن الشريعة ستظل ما بقي الدين الإسلامي حريصة علي حماية الأخلاق؛ آخذة بالشدة من يحاول العبث بها. ومن أجل ذلك عرفت الشريعة الجرائم وشرعت لها العقوبات.

ولهذا - يقول النجار، فإن ما قام به المتهمون يستوجب تنفيذ حد الحرابة التي يمكن أن تحدث من فرد واحد أو من جماعة.

ويشترط أبوحنيفة وأحمد أن يكون مع الفاعل أو الفاعلين سلاح أو ما في حكم السلاح، في حين يكتفي مالك وأبي حنيفة وأحمد من باشر الفعل أو تسبب فيه مؤكدا أن من باشر أخذ المال أو القتل فهو محارب ومن أعان علي ذلك فهو محارب، وعقوبة المحارب نزل فيها قول الحق سبحانه وتعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" (المائدة: 33).

ولفت النجار إلى أن العقوبة مقدرة كونها حقا لله تعالى، لا يملك أحد التنازل عنها أو التصالح فيها، ولم تظهر في الأوراق شبهة تدرأ الحد عنهم، ولذا كان جزاؤهم الإعدام حداً علي تخطيطهم وتحريضهم على التظاهر وارتكاب أعمال العنف وقتل الأنفس وإتلاف الممتلكات العامة جزاء وفاقاً.


تقرير المفتي مخالف لأدنى المعايير الفقهية

مشكلة تقرير المفتي الأساسية هي في تنزيله الأحكام الفقهية الثابتة على الوقائع، والذي جاء مخالفا لأدنى المعايير الفقهية الصحيحة. هكذا يرى الدكتور وصفي عاشور أبو زيد الذي أكد أن المفتي صدَّر تقريره بمقدمات فقهية أصولية لا نزاع فيها، ولكن المشكلة عنده في تنزيل هذه المقدمات على غير محلها، ومحاولته لي أعناق نصوص شرعية وتنزيلها بشكل متعمد على مناطات ليست لها، وهي جناية على النصوص الشرعية، وجناية على النفوس، وجناية على المجتمع، يستحق القائم بها عقوبة سواء كان المفتي او من يؤيده.. حسب قوله.

وقال أبو زيد: لو كان المفتي منصفا لكان أصدر مثل هذا الحكم على من قاموا بالانقلاب العسكري على السلطة المنتخبة، وصادروا إرادة الشعب، وقيدوا حرياته، فلو رفعت من هذا التقرير أسماء المحكوم عليهم ووضعت مكانه لفظ المنقلبين ومشايخ السلطة المظاهرين لهم لانطبق التأصيل على التنزيل تمام الانطباق.

أما المحكومون بالإعدام بحسب عاشور فهم رموز للعلم وفخر للعلماء ورسالتهم، أتحدى المفتي ومن على الشاكلة أن يثبتوا ذلك بأي نص من نصوص كلامهم حتى لو كان بالقرائن غير القاطعة، ولا أقول القاطعة وهي أضعف ما تثبت به الجناية على النفس. وقال: وإذا كانت الجناية على النفس - كما جاء في تقرير المفتي - تَثْبُتُ بمقتضي إقرار صحيح يصدر عن الجاني أو بمقتضى بينة شرعية أو بمقتضى القرائن القاطعة، فإن الجناية التي قام بها الانقلاب العسكري وقائده ومن عاونهم ثبتت بالقرائن القاطعة، وبالبينات الشرعية، بل ثبتت بالإقرار الصحيح الواضح والمبين.

ولفت عاشور إلى أن كل ما كان يقوله العلماء على منصة رابعة وغيرها هو الدعوة لتنظيم مظاهرات سلمية، مع التأكيد على السلمية مرارا وتكرارا، دون تعطيل لطرق، والتنبيه المؤكد والقاطع على الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، والتسجيلات موجودة والفيديوهات موجودة، وهذا عكس كل ما جاء في التقرير، وليكتب لنا "فضيلة" المفتي، ومن يظاهره نصوصا من كلام العلماء المحكوم عليهم بالإعدام تدل على استحقاقهم حد الحرابة كما يزعمون.

وتعجب الباحث المقاصدي قائلا: وإن تعجب فعجب قولهم في تقريرهم أن المحكوم عليهم وصفوا ما جرى بأنه انقلاب عسكري، ودعوا إلى مقاومة هذا الانقلاب، وتطاولوا على القائد العسكري، ووصفوه بالخيانة!!.. هذه هي الحيثيات التي استحق عليها هؤلاء الإعدام، وإيجاب حد الحرابة عليهم.!!

وقال: لقد علقت في وقت سابق على تقرير المفتي بأن دار الإفتاء المصرية لم تعد دارا للإفتاء وإنما أضحت فرعا للمؤسسة العسكرية المنقلبة على السلطة والقاتلة للناس والمصادرة حقوق وحريات هذا الشعب وما ترتب على ذلك من تدهور في أحوال المنطقة والأمة.


حكم مسيس

أيد الدكتور محمود مزروعة رئيس جبهة علماء الأزهر، ما ذهب إليه الدكتور وصفي عاشور أبو زيد، ووصف الحكم بأنه مسيس تماما لخدمة سلطات ما أسماه الانقلاب، والتي تهدف - بحسبه - إلى غرس الخوف في نفوس الشعب حتى لا يقوم بأية مظاهرات أو اعتراضات.

ووصف مزروعة تأييد المفتي وحيثياته بالجائرة والمفتقدة إلى العدل مع أن رسالة القضاء هي العدل بين الناس لقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (النساء: 58).

وأشار إلى أن الظلم بداية النهاية لمن في السلطة لأنه لا يمكن أن يستمر ملك قائم علي الظلم واستباحة الدماء والاعراض حتي وصل الأمر إلى إعدام المخالفين والمعارضين، ولفت المفتي لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراما"، فما بالنا اذا كان هذا الظلم من القضاء وعلماء الشريعة.


ليس إلزاميا

وفي تعليق قانوني على هذه الحيثيات هون أسامة الحلو، عضو الفريق القانوني للدفاع في قضية قليوب من الأمر قائلا: بعيدا عن المغالطات الكثيرة داخل هذه الحيثيات فإنني أؤكد ان رأي مفتى الجمهورية استشاري، ويمكن للمحكمة ألا تأخد به لأنه ليس إلزاميا.

وقال: ومع ذلك جرى العمل على فحص القضية جيدا بدار الإفتاء ومكتب المفتى، تمهيدا لإصدار قرار نهائى فيها. وفي أغلب الأحوال، فإن المحكمة تأخذ فى الاعتبار قرار المفتى.

وعلى المستوى القانوني قال الحلو: إن إلقاء القبض على الدكتور عبد الله بركات، عميد كلية الدعوة الإسلامية الأسبق، الصادر ضده قرار بالإعدام ضمن عدد من قادة «الإخوان» في قضية أحداث «طريق قليوب»، من شأنه إلغاء القرار وإعادة الإجراءات القانونية مجددًا، لأن قرار المحكمة كان «غيابيًا».

وقال: الحكم حكم درجة أولى، قابل للنقض والطعن من قبل المتهمين أو النيابة العامة، ويجوز تخفيفه إلى درجة أقل من الحكم بالإعدام إلى المؤبد طبقا لنص المادة: 17 من قانون العقوبات حسبما يتراءى للمحكمة. وكذلك فإن من حق النيابة العامة والمتهمين الطعن على الحكم لأكثر من مرة أمام محكمة النقض.


عبث

عبث.. هذا ما وصف به محمد طوسون رئيس هيئة الدفاع عن المتهمين المشهد القانوني في مصر عامة وما ورد في هذه القضية تحديدا.

وعلل طوسون قائلا: لأن الأحكام خرجت من محاكم استثنائية جاءت بطلب من رئيس الجمهورية عدلي منصور وهو ما يعد تدخلاً من السلطة التنفيذية فى شئون السلطة القضائية.

وقال طوسون: إن الفريق القانوني سيجتمع لدراسة الموقف واتخاذ القرارت المناسبة حياله، مؤكدا أن قرارات الإعدام الصادرة في القضية غير قانونية، معتبرا أن تطور الأحداث السياسية سيلعب دورًا أهم من الدور القانوني.

وحذر طوسون مما أسماه استمرار العبث في التعامل مع قامات كبيرة مثل الدكتور عبدالله بركات وغيره من المشايخ، مؤكدا أن مثل هذه الطريقة لن تحل الازمة في مصر، بل ستزيدها تعقيدا.


استنكار حقوقي

وعلى المستوى الحقوقي صدرت بيانات تستنكر هذه الاحكام من عدد من المنظمات العالمية والإقليمية، واستنكر البعض مصادقة دار الإفتاء عليها، فمن جهته أدان المرصد العربي للحقوق والحريات أحكام إعدام قليوب مؤكدا أن الحكم يبدو أنه العنوان للمرحلة القمعية المقبلة في مصر.

وقال المرصد في بيان له إن هذا الحكم الجائر الصادر جنبًا إلى جنب مع غيره من الأحكام الانتقامية الأخرى، تفقد الثقة والمشروعية في المؤسسة القضائية المصرية وفي كافة مؤسسات الدولة المشتركة فيه.

أما المرصد المصري للحقوق والحريات فقد أكد على استنكاره الشديد لأحكام الإعدام الجائرة التى صدرت فى هذه القضية قائلا: "لقد بتنا نعيش في زمن الفوضى وافتقاد العدالة والقانون، بعد أن تم تسييس القضاء المصري، وكافة المؤسسات وتحويلها إلى أداة في يد السلطة التنفيذية، التى تسعى لحكم مصر بالحديد والنار.

وأضاف أن دولة القانون في مصر تهتز  بعد أن صارت الأحكام جاهزة والقاضي مسلوب الإرادة والمحامي غير قادر على الدفاع عن موكليه، ولا يملك أن يقف في وجه هذا الظلم الذي وصل لمستويات غير مسبوقة.

 

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان