رئيس التحرير: عادل صبري 12:31 صباحاً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الربيع العربي ومخاض الدولة الديمقراطية

الربيع العربي ومخاض الدولة الديمقراطية

أحمد بركات 29 أبريل 2014 12:39

أكثر من ثلاث سنوات مرت على اندلاع ربيع الثورات العربية إلا أن زهور هذا الربيع لم تينع بعد، ولم يحن قطافها.

 

الديمقراطية الوليدة في مصر تم وأدها على يد مؤسسات الدولة العميقة، لتعود دولة الاستبداد والقمع والفساد تستجمع أدواتها من جديد.

 

ولا يختلف الوضع كثيرا في سوريا التي يرزح شعبها تحت نير حرب إبادة تشنها آلة القتل العسكرية دون هوادة، الأمر الذي لا ترفضه العديد من القوى الدولية خوفا من أن تتحول سوريا إلى مسرح جديد للجهاديين الإسلاميين في الشرق الأوسط.

 

وتسير ليبيا باتجاه ذات المستنقع عبر بوابات الصراع المسلح بين بعض الميليشيات المسلحة والحكومة المركزية التي تعجز عن السيطرة على الأوضاع في كافة المناطق الليبية.

 

وفي البحرين نجحت النظم المحافظة في الخليج في وأد الثورة عبر بوابة التدخل العسكري والاتفاقات الأمنية للحيلولة دون قيام دول حديثة في المنطقة.

 

أما تونس فلا تزال تعاني العديد من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فضلا عن ضعف التحالف السياسي الذي يحاول أن يجنبها مصير ثورة يناير في مصر.

 

 

مرحلة واجبة الوجود

 

تحولت أفراح الربيع العربي، إذا، إلى حالة من التشكك في جدوى الديمقراطية، وصار العديد من أبناء شعوب هذه الدول يعبر، تلميحا تارة وتصريحا تارة أخرى، عن حنين خفي "للاستقرار" الذي كانوا ينعمون به في ظل مناخ الفساد والقمع.

 

والحقيقة أن هذه الحالة من التشكك، وربما التشاؤم، تمثل مرحلة "واجبة الوجود" في تاريخ الثورات، بل وفي تاريخ التحولات السياسية الكبرى باتجاه الديمقراطية التي شهدها العالم عبر ما يٌعرف بموجتي الدمقرطة الأولى والثانية التي اجتاحت غرب أوربا في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، وموجة الدمقرطة الثالثة التي اجتاحت العديد من بلدان الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت.

 

بل أن الديمقراطيات التي يٌنظر إليها الآن على أنها نموذج للديمقراطيات الأولى التي لم تواجه ما واجهته دول غرب أوربا في بداية القرن العشرين من مخاض التحول، مثل انجلترا والولايات المتحدة، قد واجهت العديد من المشكلات، بل وخاضت غمار حروب أهلية مكتملة الأركان حتى نجحت في توطيد دعائم النظام الديمقراطي ودولة المؤسسات.

 

أما فرنسا فقد شهدت في أعقاب ثورتها عام 1789 العديد من الانحرافات، وانهار أول نموذج معاصر للديمقراطية في القارة البيضاء في مستنقع ما عٌرف في الأدبيات الغربية بحقبة الرعب Reign of Terror حيث أودت أحكام الإعدام بحياة ما يقرب من 40,000 مواطن فرنسي بحجة تورطهم في نشاطات ثورية مضادة.

 

جدير بالذكر أن مسئولية هذا الانحراف لا تقع على كاهل الثورة بصورة مباشرة، بل يتحملها- كما يؤكد عالم السياسة الأمريكي هيلتون رووت وغيره من المؤرخين- النظام الملكي الغابر (سيأتي الحديث لاحقا عن دور النظم البائدة في المشكلات التي تواجه البلاد عقب نجاح الثورات الشعبية)، حيث أدى التحالف المشبوه بين الملك لويس السادس عشر وطبقة النبلاء، إلى انقسام المجتمع إلى جماعات صغيرة لا ترى إلا نفسها.

 

لم يختلف الأمر كثيرا في دول عديدة خاضت غمار معركة الدمقرطة في بداية القرن الفائت. فقد عانت إيطاليا قبيل الحرب العالمية الأولى والمانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ويلات الثورة المضادة من قبل ما أُطلق عليه في الأدبيات الغربية التيار التحتي undertow (الدولة العميقة، بحسب قاموس الربيع العربي) لعرقلة عجلة التاريخ ووقف حركتها باتجاه التحول الديمقراطي وسيادة الشعوب.

 

ونتيجة لذلك واجهت هذه المجتمعات، على غرار مجتمعات الربيع العربي، العديد من التساؤلات وموجات التشكيك في جدوى الديمقراطية، بل وتحميل هذا التحول نحو الديمقراطية والقضاء على الفساد والاستبداد وزر انهيار الدولة المتمثل في الانفلات الأمني والانهيار الاقتصادي والتراجع السياسي.

 

 

خطاب التشويه ومواجهة الدمقرطة

 

يعتمد خطاب تشويه الثورة ( أو تشويه التحول الديمقراطي بوجه عام) الذي تقوده جماعات المصالح المحسوبة على النظام البائد سواء في أعقاب الربيع العربي أو غيره من الثورات، عدد من الرسائل لتحمل من خلالها عامة الشعب على الكفر بالثورة ودولة المؤسسات.

 

تتمثل الرسالة الأولى في التباكي على الماضي. فالاضطراب والفوضى والعنف وغيرها من الظواهر التي تلازم هذه المرحلة يتم تصديرها باعتبارها خلل في الديمقراطية، أو خلل مجتمعي يجعل هذه الشعوب دون غيرها غير مؤهلة للتحرر والسيادة، وليس جزءا من "فاتورة" الماضي التي يتحتم سدادها.

 

ومع وضع العصا في ترس الحراك السياسي والمجتمعي نحو بناء الدولة الجديدة نتيجة لهذه المشكلات يشرع الخطاب الرجعي في البكاء على أطلال الاستقرار والأمن الذي وفرته آلات القمع والتغييب في النظام البائد (لعل المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام في ذكرى تحرير سيناء في يوم الجمعة 25 أبريل الجاري لعدد من هؤلاء الرجعيين أمام مستشفى المعادي العسكري لتحية المخلوع يمثل أحد هذه الرسائل)، متجاهلة أن الحركة باتجاه المستقبل، وليس النكوص نحو الماضي، هو الطريق الوحيد للخلاص من هذه المشكلات.

 

أما الرسالة الثانية فتتمثل في مغالطة النظر إلى الديمقراطية الوليدة باعتبارها صفحة بيضاء، متجاهلة عن عمد أن أغلب ديناميكيات هذا الحراك الديمقراطي لا تمثل خيارا خالصا له، وإنما قدرا مفروضا عليه من شبكات الفساد المرتبطة بالنظام القديم.

 

فالنظم السلطوية التي تفتقر إلى الشرعية الشعبية تعمد دائما إلى تعميق الصدع المجتمعي؛ ومن ثم، فإن رياح الثورة والتحول الديمقراطي تصطدم دائما بإرث ثقيل من عدم الثقة التي تصل أحيانا إلى درجة الخصومة والعداء بين الشرائح المجتمعية والتيارات السياسية المختلفة.

 

ويزيد الطين بلة في هذه المرحلة عدم وجود مؤسسات حقيقية للدولة (كالجيش والشرطة والقضاء والإعلام) تعبر عن مصالحها العليا بصورة متجردة عن الأهواء السياسية والمصالح الخاصة.

 

فالنظم القمعية التي تركن دائما إلى استراتيجية الأمر الواقع، وليس القبول المجتمعي والتوافق السياسي، تسعى بدأب للحيلولة دون وجود مؤسسات حقيقية تعبر عن المصالح الحقيقية للشعوب، ما يضطر الجماهير (دون خيار منها) في المراحل الأولى من الثورة إلى العزوف عن هذه المؤسسات، واللجوء في أغلب الأحيان إلى تبني خطاب راديكالي وممارسة عملية تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى الفوضى منها إلى العمل السياسي المنظم بمعاييره المتعارف عليها.

 

فالثورة لا تهدف إلى مجرد إجراء تغيير في النظام السياسي، وإنما إلى استبعاد الشرعيات الاجتماعية والاقتصادية الثقافية المحسوبة على النظام القديم والمناوئة للتحول الديمقراطي، الأمر الذي يتطلب الكثير من الوقت والجهد عبر محاولات متكررة.

 

إن بناء الاستقلال الوطني والهوية الثقافية والنموذج الحضاري هو نهاية طريق طويل ملئ بالبدايات المغلوطة والمنعطفات الخاطئة.

 

وقد أثبت تاريخ الدول التي نفضت عن كاهلها أعباء الاستبداد السياسي والطبقية الاجتماعية والاقتصادية (سواء عبر بوابات الثورة، أو موجات الدمقرطة) أن مراحل التحول الأولى بكل ما تجابهه من صعوبات تمثل بداية لعملية الدمقرطة وليست نهاية لها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان