رئيس التحرير: عادل صبري 12:35 مساءً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

رحلة مصر من اختلاق الشرعية إلى ترشح السيسي

رحلة مصر من اختلاق الشرعية إلى ترشح السيسي

سامح راشد 29 يناير 2014 13:10

تسارعت وتيرة التطورات السياسية والأمنية في مصر في الأيام الماضية. بين استحداث وثيقة دستورية جديدة وتعديل المراحل التالية لتبدأ بانتخابات رئاسية، والكشف بشكل رسمي عن ترشح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي للرئاسة بدعم صريح من المؤسسة العسكرية. هذا بينما تتزايد معدلات ضحايا أعمال العنف بوجهيها، الرسمي الذي تمارسه الدولة بواسطة أجهزة الأمن، وغير الرسمي الذي يستهدف تلك الأجهزة ذاتها.

 

ذلك المشهد يحمل داخله ثنائيات كثيرة تبدو متعارضة إن لم تكن متناقضة، أولها التوازي الملفت بين المسارين الأمني والسياسي، وكلاهما في تصاعد وتطور مستمر دون تمكن أحدهما من التأثير في الآخر لا سلباً بالتعطيل ولا إيجاباً بالتعجيل. فلا الأحداث الأمنية بوجهيها المشار إليهما نجحت في وقف الاستفتاء على الدستور أو منع ترشح السيسي للرئاسة وانخراط المؤسسة العسكرية مجدداً في الحياة السياسية من أعلى نقطة فيها، رأس السلطة التنفيذية. ولا المسار الذي تتخذه خارطة المستقبل بمستجداتها وتعديلاتها نجحت في تهدئة الوضع الأمني. ولا هي أدت إلى تأجيجه وانفجار الموقف برمته في وجه القائمين على إدارة الدولة.

 

وفي ضوء المعطيات الراهنة والمستجدات المتوقعة في المدى القصير، ليس من المنتظر أن تتغير تلك المعادلة في المدى القريب. فحتى إن تراجعت وتيرة العنف بمختلف أشكاله، ليس من المتوقع أن ينتهي تماماً ما دامت أسبابه وخلفياته قائمة. ورغم مُضي خارطة المستقبل قدماً، إلا أن الاستحقاقات المرتبطة بها لا تعني استقراراً سياسياً أو اختراقاً اقتصادياً من شأنه تغيير الصورة العامة للمشهد. وبالتالي سيظل التوازي بين المسارين قائماً إلى حين.

 

الثنائية الأخرى التي تميز المشهد المصري الراهن وتجعله مثيراً للدهشة، تتعلق بالجمع بين الآليات الديمقراطية الإجرائية كما هي متعارف عليها في النظم الغربية الليبرالية، والتعبئة الجماهيرية والآليات الشعبوية التي تمثل سمة ملازمة للنظم الشمولية. بعبارة أكثر دقة وتحديداً، تجتمع في مصر حالياً الديمقراطية التمثيلية أو النيابية حيث يقترع المواطنون لاختيار من يمثلهم أو يعتمدون آلية التصويت لحسم خياراتهم المستقبلية كما بالنسبة للدستور أو تعديلاته.

 

وفي الوقت ذاته تحتشد أعداد من الجماهير في الشوارع لتطالب شخصا بقيادتها أو لتؤيد لمؤسسة. وتنظم حملات دعائية ترويجية واستبيانية لرصد أو ربما لخلق موقف شعبي يحدد مسبقاً طبيعة واتجاه الحكم بل والشخصية التي ستحكم. وبينما أصبح الاحتكام إلى الصندوق هو الشعار المعلن رسمياً، يكون الاحتكام إلى الشارع بمثابة ظهير داعم بقوة في اتجاه معين يفترض أنه سيخضع لاحقاً لاختيار حر نزيه من جانب المواطنين في صندوق الاقتراع وليس في الشارع.

 

اختلاق الشرعية

الواضح أن الرغبة في تجسير تلك الفجوة بين المعلن والفعلي تقف وراء التمسك الرسمي باعتبار الاستحقاقات السياسة التي تجري وفقاً لخارطة المستقبل أساساً لشرعية جديدة تجبُّ الشرعية الأصلية (السابقة) التي تتمتع بها مؤسسة تشريعية (مجلس الشورى) وأخرى تنفيذية (الرئيس محمد مرسي).

 

ودرءاً لشبهة الافتعال أو بالأحرى "اختلاق الشرعية" يجري تدعيم تلك الممارسات السياسة والتصويتية بالتعبئة الجماهيرية في الشارع كمحاولة لإظهار أن ملايين المصريين يؤيدون تلك الإجراءات، في تجسيد بليغ للقول المأثور "يكاد المريب يقول خذوني".

 

وبالرجوع، مثلاً، إلى الدستور الذي تم إقراره وبدئ العمل به، يلفت نظر المراقب المبالغة الشديدة في الدعاية للدستور سواء قبل الاستفتاء بالترويج له والدفع باتجاه التصويت لصالحه، أو بعد ذلك في الاحتفاء به. حيث اعتبر إقراره بمثابة تأييداً للمرحلة بأكملها وليس للوثيقة الدستورية ذاتها وحسب. وبالتالي تكتسب المرحلة برمتها شرعية هي في أمس الاحتياج إليها، شرعية شعبية في إطار قانوني.

 

ما أغفله ذلك المنطق، أن الدساتير لا تنشئ الشرعية وإنما تؤطرها. فالدستور يترجم ويجسد ما توافق عليه الشعب كأسس وقواعد للحكم والعلاقات بين مكونات الدولة وعناصر المجتمع (المؤسسات / الأفراد / النخب / القوانين / القيم الحاكمة / مبادئ الحكم ومناهج الإدارة /..).

الدستور –إذاً- هو العقد الاجتماعي الذي يبرمه أفراد المجتمع معاً لينظم علاقاتهم المستقبلية داخلياً وخارجياً. ومن ثم، فإن طرح الدستور للاستفتاء عليه كمؤشر إلى الحكم على صحة أو خطأ مرحلة أو إجراءات سابقة عليه، إنما يعني مبدئياً افتقاد تلك المرحلة أو ذاك الإجراء للشرعية أو على الأقل يتضمن إقراراً بكونها محل شك وتحتاج إلى تثبيت وتدعيم شعبي.

 

وتتجلى هنا مفارقة بالغة الدلالة. فمن دعوا إلى التصويت بنعم اعتبروا ذلك تأكيداً لشرعية المرحلة وليس فقط الدستور، متجاهلين نسبة المقاطعة فضلاً عن الأجواء الإقصائية و(الإرهابية) التي أحاطت بعملية الاقتراع.

 

وفي المقابل يجمع رافضو الاستفتاء بين اعتباره ساقطاً من حيث المبدأ كونه جزءاً من عملية غير مشروعة أصلاً، مع تسليط الضوء على السلبيات والنواقص التي صحبت الاقتراع بدءاً من القواعد القانونية المنظمة (مثل حق الاقتراع في غير الموطن الانتخابي) مروراً بحملات الإعلامية الموجهة، انتهاء بملاحقة كل فرد أو جهة دعت إلى التصويت بالرفض أو حتى المقاطعة.

 

الشاهد أن الطرفين اتفقا في اعتبار الحدث محطة فاصلة في تقييم وتوصيف المرحلة الراهنة وكذلك المستقبل المترتب عليها، واختلفا في تفسير ودلالات عملية الاستفتاء بمشتملاتها؛ سواء ظروف ونسب المشاركة أو أرقام ومضمون النتائج.

 

مفارقة أخرى تستحق التوقف عندها، تلك أن كلا الطرفين غير معني بمضمون الدستور والدلالات التشريعية لنصوصه، إلا في حدود ما تمثله النصوص من أداة للاستشهاد بها والتدليل على صحة أو حجية موقف كل طرف. لذا لوحظ أن التركيز على مناقشة بنود الدستور وتحليلها بل ومقارنتها ببنود دستور 2012، جاء محدوداً مقارنة بالجدل الواسع حول السياق المحيط بالدستور والبيئة الأمنية والسياسية المحيطة به. وهو ما تجلى في متقابلة رمزية بين الشعار الذي رفعه المؤيدون (الدستور.. نعم لمصر لا للإرهاب) كمكافئ خطابي بوصفه من جانب الرافضين بأنه (دستور الدم). ما يعني أن الدستور تحول إلى وثيقة تحمل عنواناً للمرحلة المهم فيها ليس البنود والنصوص وإنما السياق والدلالات.

 

النتيجة المنطقية لهذا التناقض في التوصيف والتقييم المبدئي، تصارع أكثر حدة على تعريف المرحلة التالية للدستور، وتحديد بوصلة التحرك خلالها. بين طرف لم ير من العملية برمتها سوى تأييد شعبي واسع للدستور بنسبة تجاوزت 98%، وبالتالي اعتبر إقرار الدستور إيذاناً بتصعيد الحرب على "الإرهاب" للقضاء عليه تماماً بتفويض شعبي.

 

وفي الطرف المقابل رأى في محدودية نسبة المشاركة (مقارنة بما كان يأمله المريدون) تأكيداً لسقوط سياسي وأخلاقي وقانوني يدمغ تلك المرحلة. لتتشكل بذلك مفارقة جديدة بوجهين سياسي وقانوني، فبدلاً من أن يكون الدستور مدخلاً للخروج من المأزق وعودة إلى حاكمية الصندوق بشكل يرضي كافة الأطراف، إذا به أداة لتعميق الانقسام وتكريس تلقائي لمنطقين متضادين جذرياً.

 

وبينما مثل الدستور تدشيناً فعلياً لعملية اختلاق شرعية جديدة، جاء تعديل "خارطة المستقبل" بجعل الانتخابات الرئاسية هي المرحلة التالية مباشرة للدستور، بمثابة خطوة مهمة وتكريساً كمياً ونوعياً لعملية "التخليق" تلك. إذ تداخل التعجيل بانتخابات الرئاسة مع التهليل والتطبيل الجاري لشخص عبد الفتاح السيسي وضرورة توليه حكم مصر. فقد بدا الإعلان عن الاتجاه نحو استيفاء الاستحقاق الرئاسي قبل البرلماني أشبه بمقدمة ضرورية لكي يكشف السيسي عن نيته الترشح رسمياً، تلك النية التي باركها مسبقاً بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة الصادر مساء الاثنين 27 يناير 2014؛ لتصبح رئاسة السيسي - المصورة على أنها مطلب شعبي - طبقة جديدة في عملية بناء تلك الشرعية الجديدة، وليصبح – مرة أخرى - التصويت على انتخاب السيسي (أو غيره) رئيساً، تصويتاً جديداً لصالح العملية السياسية الجارية، وتأكيداً مضاعفاً للشرعية الجديدة.

 

الديمقراطية الشارعية:

الجانب الآخر في تلك العملية "التخليقية" هو أنها تستند بالأساس إلى ديمقراطية الشارع، في محاكاة باهتة للديمقراطية المباشرة التي كانت في أثينا القديمة قبل الميلاد. وفضلاً عن أن العالم قد تجاوز ذلك المستوى البدائي في إدارة الحكم منذ قرون، الحاصل أن تطبيق تلك الآلية يعمل بانتقائية، فبينما الشارع منقسم فعلياً، لا يُنظر إليه بتلك الحالة وإنما إلى جانب واحد فقط منه، بينما يعامل الملايين من الجانب الآخر على أنهم "خوارج" أو لا يستحقوا صفة المواطنة أصلاً، وهو الإقصاء الذي يتنافى بالضرورة مع جوهر ديمقراطية الشارع.

 

وجدير بتلك الانتقائية وذلك الإقصاء أن يثيرا القلق حتى لدى أولئك المؤيدين لتلك الديمقراطية الشوارعية، فما يحدث حالياً هو تطويع للحركة الجماهيرية ومظاهرها الشعبوية القابلة بطبيعتها للتوجيه. ويتم اتخاذها أساساً لبناء ديمقراطية إجرائية تتبع الآليات الحديثة في إعمال إرادة المواطن وتحويلها إلى نظم ومؤسسات حكم. وهو تناقض بنيوي كفيل بهدم تلك العملية الافتعالية من أساسها.

 

فالانطلاق من "ديمقراطية الشارع" يجعل "الدولة" رهن بإرادة بل بحركة ذلك الشارع. ولما كانت تلك الأخيرة غير منظمة ولا منتظمة وبعيدة عن مفاهيم الاستقرار والاستدامة بمختلف أشكالها، فإن "الدولة" في تلك الحالة تصبح مخيرة بين الارتهان بالشارع المتقلب متغير المزاج، وهو ما يعني الابتعاد فعلياً عن مفهوم ومقومات ومكتسبات الدولة الوطنية الحديثة؛ أو تجاهل الشارع لاحقاً وهنا تكون الدولة قد تخلت عن أساس تلك الشرعية الذي انطلقت منه واعتمدت عليه في تغيير الوضع السابق والانقلاب عليه.

 

samehrashed@gmail.com

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان