رئيس التحرير: عادل صبري 06:51 صباحاً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الثورة المصرية والسياسات الأمريكية

الثورة المصرية والسياسات الأمريكية

أحمد بركات 26 يناير 2014 14:36

على أعتاب الذكرى الثالثة لثورة يناير 2011، نظمت مجموعات من الحركات الشبابية الثورية فعاليات احتجاجية تحت شعار "لن تحكمنا أمريكا".

والسؤال: هل ثمة دلالات لاستخدام هذا الشعار فى هذا الوقت تحديدا؟ وهل ثمة نقلة نوعية فى تحديد العدو الحقيقى الذى يسعى لتقويض الثورة المصرية والربيع العربى بأكمله؟ وهل باتت أمريكا هى "الشيطان الأكبر" الذى ينبغى على الثورة مواجهته؟ وهل الولايات المتحدة بالفعل هى اللاعب الأساسي الذى يعمد الآن إلى سياسة الحرب بالوكالة من خلال قوى داخلية وإقليمية بعد أن فشلت استراتيجيات الغزو العسكرى المباشر ضمن ما وصفته الولايات المتحدة مطلع هذا القرن بالحرب على الإرهاب، مخلفة وراءها أشلاء دولة عراقية، وبعد انسحابها المهين من أفغانستان فى ظل أوضاع سياسية تؤكد عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو، لا سيما بعد أن أعلن كرزاى عدم ترشحه فى الانتخابات الرئاسية القادمة، وباتت طالبان على أعتاب منصة الحكم من جديد؟

 

تحاول هذه المقالة رصد محاور السياسة الأمريكية "الجديدة" فى التعامل مع مصر كنموذج لدول الربيع العربي، الذى بدأ بداية واحدة ليتخذ لاحقا مسارات متباينة فى بلدان هذا الربيع (تونس، مصر، سوريا، ليبيا، اليمن) فى مشهد لا يمكن فصله عن المصالح الأمريكية فى كل دولة.

 

المؤسسة العسكرية والسياسات الأمريكية

مثلت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979 منعطفا تاريخيا هاما فى شكل العلاقة السياسية بين مصر والولايات المتحدة، ونقلة نوعية فى مسار العسكرية المصرية، كانت أبرز ملامحها تحول الجيش المصرى من مؤسسة عسكرية محترفة استطاعت أن تحقق انتصارا تاريخيا فى أكتوبر 1973 إلى مؤسسة رأسمالية متغولة تهيمن على ما يزيد على 40% من الاقتصاد المصري، أو ما عبر عنه اللواء محمود أبو النصر، مساعد وزير الدفاع السابق للشئون المالية، بـ"عرق الجيش".

 

بمقتضى هذا الاتفاق دخلت المؤسسة العسكرية فى آتون علاقة معقدة مع الولايات المتحدة الأمريكية حيث أصبحت مصر ثانى أكبر دولة بالعالم بعد إسرائيل من حيث تلقيها للمعونة الأمريكية والتى بلغت 2.1 مليار دولار تذهب جلها للمؤسسة العسكرية، بواقع 1.3 مليار دولار، فى مقابل 815 مليون دولار فقط على شكل مساعدات اقتصادية، فضلا عن تحول الولايات المتحدة إلى المصدر الأساسى للسلاح المصري، خلفا للاتحاد السوفيتي، وما ينضوى عليه ذلك من اعتماد الجيش المصرى على المدرسة الأمريكية فى التدريبات القتالية و"التكتيك" العسكري.

 

ومع موجة خصخصة الاقتصاد المصرى التى أسس لها جمال مبارك مطلع هذا القرن، ومع التعديلات الدستورية التى صاحبت هذه الخصخصة للتحول بالاقتصاد المصرى إلى اقتصاد نيو ليبرالى يقوم على استراتيجيات السوق المفتوحة، ظلت المواد المتعلقة بالإمبراطورية الاقتصادية العسكرية تتسم بالاشتراكية التامة دون أن تمسها يد الليبرالية أو تنال منها آليات الخصخصة، فيما اعتبره الكثير من المتخصصين تناقضا بينا فى الدستور المصرى آنذاك.

 

فى الوقت ذاته ظلت المؤسسة العسكرية بشكل أو بآخر هى المسئول الأول عن الملفات "المدنية" وثيقة الصلة بالمصالح الأمريكية، لا سيما فيما يتعلق بالصراع الفلسطينى - الإسرائيلي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تولى اللواء عمر سليمان (وليس وزير الخارجية) ملفات المحادثات الفلسطينية - الإسرائيلية، والحوار الفتحاوى - الحمساوي.

 

لا شك أن ثورة يناير جاءت تهديدا لهذه الوضعية الاقتصادية التى تتمتع بها المؤسسة العسكرية، حيث كان من أبرز مطالب هذه الثورة تأسيس دولة مدنية يكون الجيش أحد مؤسساتها ويخضع لآلياتها الرقابية. فى الوقت ذاته جاءت هذه الثورة تهديدا مباشرا للمصالح الأمريكية بالمنطقة، حيث أطاحت بأحد أهم النظم التى كانت تمثل "كنزا استراتيجيا" للولايات المتحدة وإسرائيل.

 

مشروع قانون الإنفاق الشامل

فى السياق ذاته تأتى هذه الوقفة الاحتجاجية بعد أسبوع واحد من إقرار الكونجرس الأمريكى لمشروع قانون الإنفاق العام للعامين الماليين 2014 و2015، حيث يؤكد المحللون أن هذا القانون لم يأت بجديد إذ لا يتجاوز، بحسب مجلس العلاقات الخارجية، "مجموعة من النفقات غير الضرورية والاستقطاعات غير المبررة".

 

إلا أن الملمح الأبرز فى هذا القانون هو ارتباطه الوثيق والفج بالوضع السياسى الراهن بمصر من خلال التشريع الذى يبلغ حجمه 1,582 صفحة، والذى يتعلق بـ"قانون الاعتمادات المالية للعمليات الخارجية"، والخاص بالمعونات الاقتصادية والعسكرية التى تقدمها الولايات المتحدة لـ"الدول الصديقة".

 

فبعد أن قررت إدارة الرئيس أوباما فى أكتوبر الماضى تعليق جزء من المعونة العسكرية، يأتى هذا القانون كخطوة من جانب الكونجرس لاستئناف برنامج منح المعونة بالكامل، حيث يتم بمقتضاه إعفاء مصر من البند 7008 بقانون اعتمادات العمليات الخارجية والذى يقضى بـ"عدم تقديم الولايات المتحدة أية مساعدات للحكومات التى تصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري".

 

وبرغم محاولة العديد من المراقبين بمصر والولايات المتحدة التهوين من هذا القرار وتداعياته على العلاقة الوثيقة بين البلدين، وبرغم تأكيد وزير الخارجية الأمريكى أثناء زيارته لمصر فى الثالث من نوفمبر الماضى أن "قضية المعونات ليست بالقضية الخطيرة" وأن "خارطة الطريق تسير فى الاتجاه الذى يتمناه الجميع"، إلا أن إقرار هذا القانون، واستثناء مصر من بند اعتمادات العمليات الخارجية ربما يكون له أعمق الأثر فى تأكيد الشكوك لدى العديد من القوى الثورية حول الدور الأمريكى فى المشهد المصرى الراهن.

 

التحول من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية العسكرية

منذ أحداث الثالث من يوليو 2013 بلغت حجم المكالمات الهاتفية بين وزيرى الدفاع الأمريكى والمصرى رقما غير مسبوق فى تاريخ العلاقات الدولية (حوالى ثلاثين مكالمة)، وتعد مصر هى الدولة الوحيدة التى قام وزير الدفاع الأمريكى بفتح خط اتصالات مباشر ومنتظم مع وزير دفاعها، والذى يراه البعض الرجل الذى يمسك بكافة خيوط اللعبة السياسية والقائد الفعلى للبلاد.

 

فى السياق ذاته قامت الحكومة الأمريكية على مدار الشهور الست الماضية بإصدار خمسة عشر بيانا رسميا فيما يتعلق بالشأن المصرى تصب جميعها تقريبا فى اتجاه واحد هو ضرورة الانتقال السريع نحو الديمقراطية وتسليم مقاليد البلاد لسلطة مدنية منتخبة.

 

يأتى هذا "الاهتمام" الأمريكى غير المسبوق بالشأن المصري، والذى يفوق، من حيث أعداد المكالمات الهاتفية والبيانات خلال ستة أشهر، اهتمامها بالشأن السورى والصراع الفلسطينى الإسرائيلي، فضلا عن هذا التحول من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية العسكرية فى ظل واحدة من أسوأ موجات العنف التى شهدتها مصر عبر تاريخها.

 

يأتى ذلك أيضا فى ضوء وزير دفاع أمريكى معروف بانتمائه إلى مدرسة "الواقعية السياسية" التى لا تهتم بالسياسات الداخلية للدول الحليفة، بقدر اهتمامها بالنتائج التى تؤول إليها هذه السياسات؛ فما يهم هيجل وغيره من الواقعيين هو وجود نظام يرتبط بعلاقة استراتيجية بالولايات المتحدة تجعله لا يخل بالمصالح الأمريكية بالمنطقة، بما فى ذلك توازنات الصراع العربى - الإسرائيلي.

 

إن شكوكا مبررة باتت محركا أساسيا للشارع الثورى المصرى لإجهاض سياسات أمريكية بالأساس تسعى لاستكمال صورة "شرق أوسط جديد" تهيمن عليه استراتيجيات "الفوضى الخلاقة" التى تحدثت عنها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية مطلع هذا القرن.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان