رئيس التحرير: عادل صبري 12:56 مساءً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الطموح الأمريكي و«المعضلة» الإخوانية

الطموح الأمريكي و«المعضلة» الإخوانية

ملفات

جورج بوش الابن ومحمد مرسي

الطموح الأمريكي و«المعضلة» الإخوانية

أحمد بركات: 15 يناير 2014 00:31

بعد هيمنة أمريكية على المشهد المصري دامت لأكثر من ثلاثين عاما جاءت الثورة الشعبية في يناير 2011 لتغير ملامح الخارطة السياسية المصرية، ولتقلب كل موازين المعادلة ولتطيح، أو على الأقل تسعى للإطاحة بالنظام الاستبدادي وبناء دولة مدنية ديمقراطية يكون فيها الشعب الحاكم الفعلي ومصدر السلطات، واضعة بذلك صانع القرار الأمريكي أمام خيارات جديدة.

 

منذ ذلك الحين والسؤال يتردد بقوة: ما هو الدور الأمريكي في المشهد المصري؟ وهل تسعى الولايات المتحدة فعلاً لدعم نظام ديمقراطي في مصر؟ أم أنها لا تزال ترى أن الديمقراطية وحقوق الإنسان حكرًا على الرجل الأبيض، وأن استقلال الإرادة الوطنية العربية عامة والمصرية خاصة يمثل خطرًا على مصالح الولايات المتحدة في أهم مناطق نفوذها بالعالم؟

 

الدولة الديمقراطية الليبرالية

 

منذ اتفاقية كامب ديفيد 1979 والسياسة الأمريكية تتعامل مع الدولة المصرية على ثلاث مستويات: الشعب والنظام، والمؤسسة العسكرية.

 

كان الشعب هو أضعف حلقات هذه المعادلة حيث ساعدت الولايات المتحدة على تهميشه والقضاء عليه سياسيا من خلال دعم نظام مبارك الاستبدادي الذي أدى إلى التجريف الاقتصادي والسياسي والتعليمي والصحي لهذه القوة.

 

ففي مقابل انقياد النظام أمام الهيمنة والمصالح الأمريكية، وفي مقابل توافق المؤسسة العسكرية على البقاء في خلفية المشهد السياسي مقابل التغول الاقتصادي، لم يتجاوز مؤشر القبول الشعبي للسياسات الأمريكية في أوج صعوده بحسب إحصائيات أجرتها العديد من المراكز البحثية الأمريكية في فترات مختلفة على مدى ما يزيد على عشرين عاما نسبة 15%.

 

بل نستطيع القول أن هذه النسبة جاءت في ظرف استثنائي هو إلقاء الرئيس أوباما خطابه من جامعة القاهرة بعد تنصيبه الأول بأسابيع في 20 يناير 2009. ولعل ذلك لا يرجع إلى إيمان شعبي بتغيير جذري في سياسات الولايات المتحدة تجاه العالم العربي عامة؛ ومصر خاصة؛ بقدر ما يعبر عن شكل من أشكال التعاطف مع الرئيس الأمريكي الجديد الذي جاء لأول مرة - بعد ثلاثة وأربعين رئيس أمريكي سبقوه على عرش البيت الأبيض - من خلفية إفريقية وإسلامية.

 

من هنا نستطيع القول بأن ثورة يناير جاءت بما لم تشته السفن الأمريكية؛ حيث كانت مؤشرا لصعود المتغير الشعبي إلى قمة الهرم السياسي المصري وتراجع النظام السياسي الذي مثل المصالح الأمريكية بالوكالة إلى قاعه؛ ومن ثم كان لا بد من إعادة رسم الخارطة السياسية المصرية من جديد لتفريغ الثورة من محتواها، والحيلولة دون تحقيق أهدافها في بناء مؤسسات ديمقراطية تحقق سيادة الشعب. 

 

الدولة الأيديولوجية

 

في بداية تسعينيات القرن الماضي وعلى إثر انفراط عقد الاتحاد السوفيتي وانهيار الإمبراطورية الشيوعية تحولت الولايات المتحدة إلى القيام بدور القطب الأوحد. تمثل ذلك بوضوح في التنظير السياسي لهذه المرحلة حيث نشر عالم السياسة الأمريكي السيناتور صمويل هنتنجتون مقالاً "ثوريا" عام 1993 بمجلة Foreign Affairs تحت عنوان Clash of civilizations "صدام الحضارات"، والذي تحول إلى نظرية سياسية ترتكز عليها صناعة القرار في الولايات المتحدة قبل أن يتحول عام 1999. ثم تحولت هذه الرؤية إلى كتاب حمل نفس الاسم.

 

ويؤكد "هنتنجتون" (الذي تعرفه الموسوعة البريطانية على صفحتها الإلكترونية بأنه: "أستاذ علوم سياسية اشتهر بتحليله للعلاقة بين العسكر والحكومة المدنية، وبحوثه في انقلابات الدول) من خلال هذه النظرية على أن صراعات القرن الحادي والعشرين لن تكون صراعات هيمنة عسكرية على غرار ما كانت عليه في النصف الأول من القرن الماضي، أو صراعات هيمنة سياسية على غرار ما حدث في نصفه الثاني، وإنما صراعات هيمنة أيديولوجية بين الحضارات، محددا خمس حضارات في مصاف الحضارات الضاغطة على الحضارة الغربية، وفي مقدمتها الحضارة الإسلامية، أو ما اعتبره هنتنجتون "الزحف الأخضر" (الإسلامي) الذي حل محل "الزحف الأحمر" (الشيوعي).

 

في الوقت ذاته، واتساقا مع النظرة الأمريكية الجديدة للسياسة الدولية نشر المفكر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما مقالا "ثوريا" آخر بمجلة National Interest حمل عنوان The End of History "نهاية التاريخ"، عام 1989، والذي تحول أيضا إلى كتاب صدرت طبعته الأولى عام 1992 بعنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، أكد فيه أن المذهب الرأسمالي هو الذي سيحكم العالم حتى نهاية التاريخ، وأن المذاهب السياسية الأخرى قد نفذت صلاحيتها واصبحت عاجزة عن توجيه الدفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ببلدانها.

 

النظام «الإخواني» مصدر إشكال

 

جاء النظام الإخواني في يونيو 2012 ليجمع بين إشكاليتين للسياسة الأمريكية؛ الأولى أنه أول نظام مدني ديمقراطي يعبر عن إرادة شعبية وطنية، والثاني أنه يعبر بالأساس عن جماعة أيديولوجية ذات مرجعية حضارية إسلامية.

 

إلا أن سيف نظريات "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ"، فضلا عن خبرة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق التي امتدت على مدى قرابة أربعة عقود من الزمان، قد سبق عذل الدولة الأيديولوجية التي لم تعد مقبولة بحال في العقل السياسي الأمريكي، والتي تمثل، بحسب هذا التيار الفكري، تهديدا سافرا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

 ومن ثم، فبرغم كل محاولات النظام الإخواني تقديم نفسه بوصفه تيارًا سياسيًا براجماتيًا متقبلاً لقواعد اللعبة الديمقراطية ولا يشذ عن الخط السياسي لأحزاب يمين الوسط في الغرب، وذلك من خلال تأكيده، على سبيل المثال لا الحصر، على الالتزام بمعاهدة "كامب ديفيد"، والحفاظ على المصالح المشتركة لمصر والولايات المتحدة، إلا أن خطر الدولة الأيديولوجية التي يمكن أن تغير من الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، لا سيما مع النجاح اللافت لتيار الإسلام السياسي في تركيا، وقابلية دخول إيران على هذا المحور الاستراتيجي وامتداده عميقا في أقصى الشرق الأسيوي حيث العملاق الاقتصادي الصيني، الأمر الذي يُمكن هذه الدول على المدى المتوسط من تشكيل إمكانية تحالف قوي يمثل تحديا سافرا للحلف الغربي (الولايات المتحدة وأوربا) كان هو المحرك الأساس لصانع السياسة الأمريكية ومصالحها التي لا يمكن ائتمان مشروع أيديولوجي عليها.

 

كذلك فإن الامتداد الجغرافي للتنظيم الإخواني بطول الخارطة العربية وعرضها (الشام والخليج والمغرب العربي وبعض الدول العربية الإفريقية) كان يشكل تهديدا أعمق للحلف الغربي، الأمر الذي كان لا بد معه من مواجهة هذه الدولة وإسقاطها. وهكذا، وجدنا أنفسنا أمام مشهد خرج بطموح صانعيه عن إطار مصلحي محدد ليعصف بجوهر يناير؛ لكنه لا يزال يلعب على المسرح وفق الرؤية الأمريكية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان