رئيس التحرير: عادل صبري 01:37 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

"إيران ـ أمريكا".. وإعادة ترتيب الشرق الأوسط

إيران ـ أمريكا.. وإعادة ترتيب الشرق الأوسط

ملفات

روحانى واوباما

"إيران ـ أمريكا".. وإعادة ترتيب الشرق الأوسط

محمد أمين المصري ـ محمد جمعة 29 ديسمبر 2013 16:33

 بعد عقد من التوتر الدولي حول الملف النووي الإيراني.. جاء فجر يوم الأحد الموافق 24 نوفمبر الماضي، ليستيقظ العالم على يوم سيكون مشهودًا في عمر العلاقات "الإيرانية – الأمريكية" بل وفي التاريخ الحديث. فقد أنجزت الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وألمانيا اتفاقًا هامًا مع إيران لمعالجة الملف النووي الشائك والذي أرهق كثيرًا القوى الغربية والولايات المتحدة وإسرائيل على مدى أكثر من عشر سنوات تقريبًا.

 

وربما يماثل توقيع "اتفاق جنيف" في فجر هذا اليوم، ذكرى  الاستيلاء على مقر السفارة الأمريكية في طهران، ويوم توقيع اتفاق فك أسر الرهائن الأمريكيين في أول عهد الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان والذي فاز بصفقة الرهائن على حساب منافسه الديمقراطي آنذاك جيمي كارتر.

 

وقد تمادت تحليلات سياسية، ووصفت حدث توقيع الاتفاق، بأنه يماثل في أهميته لواشنطن، حدث توقيع معاهدة كامب ديفيد بين المصريين والإسرائيليين في عام 1979، والذي غير تاريخ المنطقة على مدى السنوات التي أعقبته.

 

"جنيف".. المعجزة

 

لقد جاء هذا الإنجاز لينقذ الرئيس الأمريكي باراك أوباما من حملة انتقادات عنيفة، تعرض لها، عندما تحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، عن فتوى إيرانية لتحريم تصنيع الأسلحة النووية، وتحديدًا عندما تطرق في كلمته إلى الملف النووي الإيراني وقال " المرشد الأعلى في إيران على خامنئي اصدر فتوي ضد تصنيع هذا السلاح".. منتقدو أوباما اقتصرت رؤاهم على ما هو ظاهر ولم ينظروا إلى أبعد من أنوفهم. وكان هؤلاء على حق حينئذ، لأنه في حقيقة الأمر، تمسك أوباما بنص فتوى غير مؤكدة، وعليه، فقد اعتبر معارضو أوباما أن الرئيس الأمريكي واهم.. لماذا؟.. لأن خامنئي لم يصدر أي فتوى بهذا المعنى، ولكن نقل عنه مسؤولون في بلاده انه قال تصريحات تقترب من معنى الفتوى المذكورة.

 

بموجب الاتفاق الذي سمى "اتفاق جنيف"، توقف إيران تخصيب اليورانيوم عند 5% وتسمح للمفتشين الدوليين لتفتيش مواقع نووية بشكل يومي، وفي المقابل، تتعهد الدول الست بعدم فرض عقوبات جديدة على إيران خلال الأشهر الست المقبلة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل حول ملف إيران النووي خلال هذه الفترة.

 

وسيتم إلغاء حظر دولي وأمريكي على عقوبات فرضت على الذهب ومعادن نفيسة وعقوبات مصرفية وصادرات بتروكيماوية بمبلغ 1.5 مليار دولار كما يسمح لإيران بإجراء إصلاحات تتعلق بسلامة الخطوط الجوية الإيرانية وتحويل 400 مليون دولار لمؤسسات تعليمية وتسهيل تحويلات لشراء أغذية ومواد طبية ومساعدات إنسانية.

 

وبقدر وضوح لغة الاتفاق، فمن الطبيعي أن تتباين التصريحات الإيرانية من جهة والغربية والأمريكية من ناحية أخرى في وصفه، فوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قال في مؤتمر صحفي في جنيف عقب التوقيع، أن الاتفاق يقر بحق بلاده في التخصيب بأراضيها. ثم يأتي نظيره الأمريكي جون كيري بعده بدقائق معدودة، ليتحدث لنفس الصحفيين وبذات القاعة، ليقول إن الاتفاق لا يعترف بحق إيران في التخصيب، وأنه لا يستبعد القوة كخيار في حال عدم التزام إيران ببنوده.

 

هذا التباين وتفسير كل طرف للاتفاق حسب وجهة نظره، لم يقتصر على مجرد التعليقات، بل شمل حتى تفسير نقاطه نقطة تلو الأخرى خاصة من قبل وجهتي النظر الإيرانية مقابل الأمريكية. وعلى سبيل المثال أعلنت إيران، أن الاتفاق ألغى الحظر على قطاع النفط، بينما قال كيري: "إن رفع الحظر جزئي ويبقيه عند مستوياته الحالية المنخفضة، وسيتم السماح بنقل سبعة مليارات دولار من حصيلة المبيعات على دفعات بشرط التزام إيران بتنفيذ شروط الاتفاق كافة".

 

صدمة للشرق الأوسط

 

بالنسبة للتقييم الأمريكي، فإن الاتفاق يعد إنجازًا كبيرًا، لأن عدمه يعني تطور الأمور إلى اندلاع حرب، وتحقيق طفرة في الوقت نفسه في المشروع النووي الإيراني، وهو الأمر الذي قاله عنه الرئيس الأمريكي إنه لن يسمح به. والحرب يعلم تداعياتها الخطيرة الأمريكيون، على المستويات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، خاصة وان شبح إفلاس الحكومة المركزية لا يزال ماثلاً أمامهم، وبالتالي، ليس بالضرورة الرضوخ للمطلب الإسرائيلي بضرب إيران، وليس بمقدور الولايات المتحدة في الوقت الراهن خوض أي حرب جديدة، فما بالنا إذا كانت هذه الحرب بالوكالة عن إسرائيل!!.

 

كما يحمل الاتفاق احتمال إعادة تشكيل المنطقة بأكملها، بما يؤدي إلى الإضرار بمصالح المستفيدين من استمرار الوضع الراهن. وبالإضافة إلى ما سبق، فقد حققت واشنطن مكاسب عدة، لأنها ربحت اتفاقًا لم يحقق تجميد برنامج إيران النووي لتخصيب اليورانيوم لمدة ستة أشهر فحسب، بل أدى في الحقيقة إلى تراجع البرنامج نهائيًا، ويمنع كذلك دخول منشآت نووية جديدة إلى المشروع الإيراني، مع توفير آلية للتفتيش اليومي غير المسبوق مما يضمن إيفاء إيران بتعهداتها.

 

وترد واشنطن على منتقدي الاتفاق بأنه منح الخزانة الإيرانية سبعة مليارات دولار بصورة فورية، بأن هذا المبلغ "الزهيد" هو صفقة رابحة لستة أشهر من السلام. ولهذا.. يجب الانحياز لخيار دعم الرئيس الجديد حسن روحاني "المعتدل" في سياق نظام متشدد، ومساندته آمال في تغيير علاقات بلاده مع الغرب من "المواجهة إلى التعايش السلمي"، في تكرار مماثل لصنيع (نيكسون – كيسنجر) مع الصين، مع عدم وضع أي اعتبار لغضب حلفاء أمريكا في منطقة الشرق الأوسط، كما فعلت واشنطن عندما لم تكترث لغضب حلفائها الآسيويين عندما مدت الجسور مع بكين .

 

الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي توماس فريدمان، كان له رأي طائفي في وصفه للاتفاق النووي بين الغرب وإيران، لأنه اختص مسلمي المنطقة السنة ومعهم إسرائيل اليهودية وكأن الاتفاق له أثار دينية، وذلك قبل أن يصفه بأنه "صدمة لمنطقة الشرق الأوسط".

 

 ومع قوله، إن الاتفاق "له وقع الزلزال الجيوسياسي على كل من العالم العربي السني وإسرائيل"، إلا أن فريدمان استطرد "يبدو وكأن له الأثر الأكبر في المنطقة منذ معاهدة (كامب ديفيد) للسلام والثورة في إيران في سبعينيات القرن الماضي، ما قد يؤدي إلى إعادة ترتيب القوى في المنطقة". فريدمان لم يكن بعيدا عن أجواء الاتفاق حتى قبل توقيعه؛ لأنه هو الذي دافع عن موقف الولايات المتحدة ووجهة نظر (أوباما – كيري) أثناء المفاوضات الصعبة على مدى جولتين في جنيف، والتي تعرضت للفشل في أجواء كثيرة، بل وطالب المفاوضون الأمريكيون بالتوصل إلى صيغة أي اتفاق مع إيران وتجاهل أي تحذيرات للمتشددين في الكونجرس أو اللوبي اليهودي في أمريكا.

 

ويستغل فريدمان وتر اللعب على حرب المذاهب ،ليخفف العبء عن بلاده، حيث يرى أن الذي يهدد مستقبل الشرق الأوسط في الوقت الحالي هو حالة التصدع والشرخ الطائفي بين السنة والشيعة، وليس كما يرى زعماء المنطقة الطموحات النووية الإيرانية "ليس من مصلحتنا إبقاء إيران معزولة وعاجزة عن الاستغلال الكامل لاحتياطاتها الهائلة من النفط والغاز، ولكن عن إجراء يؤدي إلى إخماد المشاعر الطائفية، وليس الوقوف إلى جانب أحد الأطراف".

 

 

 

ألاعيب المتشددين

 

لقد وفَّر الجانبان الإيراني والأمريكي الأجواء الدافئة اللازمة للتوصل للاتفاق، فالرئيس الأمريكي أعلن أكثر من مرة حق الإيرانيين في التخصيب، من أجل الأهداف السلمية، وكذلك إصرار الجانب الإيراني على أن يتولى وزير الخارجية محمد جواد ظريف فريق التفاوض في إبداء للجدية المطلوبة، وكل هذا وفر الأسباب والقرائن التي تبين نية واشنطن وطهران الوصول إلى نوع من التفاهم والاتفاق في جولة المفاوضات الأخيرة.

 

منذ انتخاب حسن روحاني، ساهم الرئيس الإيراني بقدر كبير في عملية تقريب وجهات النظر وإذابة الجليد بين بلاده وأمريكا، فهو على يقين بأن أي صفقة يتم التوصل إليها هي في مصلحة الإيرانيين، في ظل نتائجه الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية.

 

 فنحو 18 مليون ناخب اختاروه من أجل تغيير الأوضاع السياسية القائمة في البلاد، وإيجاد انفتاح أكثر بالنسبة إلى ما مضى، وتهدئة الوضع الأمني في البلاد.. وقد أدى هذا إلى بث الآمال في نفوس الإيرانيين.

 

وتبقى تصرفات وأفعال المتشددين في الداخل والخارج، وهم جناح يفكر مثل إسرائيل والمتشددين في البيت الأبيض ومجلس الشيوخ الذين يصرون على تشديد الحصار، وكذلك المتشددين في إيران، الذين يفتقدون للنظرة الشمولية العالمية.


وهناك مخاوف من عرقلة الكونجرس الأمريكي مسار العمل على اتفاق نهائي مع إيران، بعدما أعلن عدد من نوابه ضرورة إبقاء الكونجرس موقفه بتشديد العقوبات الحالية المفروضة على إيران.

 

ويؤكد مثل هذه التطورات ما كشفت عنه وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية بأن كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي يتوقعون المضي قدما نحو فرض حزمة جديدة من العقوبات على إيران، ويمكن فرضها سريعا في حالة فشل الاتفاق النووي في التوصل إلى اتفاق آخر طويل المدى بشأن الملف النووي الإيراني.

 

وقالت الوكالة إن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ السناتور روبرت مينينديز، اقترح مع آخرين فرض عقوبات إضافية على إيران تكون بمثابة (ضمان سياسي) خلال الأشهر الستة المقبلة وهي فترة "اتفاق جنيف".. هذا بعكس الرسالة التي صدرت من العاصمة الأمريكية عقب فوز الرئيس الإيراني حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية و التي أشرنا إليها في الجزء الأول، عندما  وقَّع 131 من أعضاء الكونجرس على رسالة موجهة إلى البيت الأبيض تدعو إدارة الرئيس باراك أوباما إلى تعزيز الدبلوماسية في التعامل مع إيران في عهد الرئيس الجديد.

 

التشدد لم يكن أمريكيا فقط، فهو تصرف أصيل لدي الإيرانيين.. فقد أبدى بعض النواب البرلمان من المتشددين اعتراضات شديدة على نتائج المفاوضات وطالبوا الرئيس بالامتثال للمادة 125 من الدستور الإيراني التي تتطلب موافقة البرلمان على جميع المعاهدات الدولية التي وقعتها الحكومة.

 

وقال حميد راسائي، النائب الذي تقدم بشكواه إلى القائم بأعمال رئيس البرلمان علي أكبر تورابي رافضًا التصريحات المبتهجة بعد الأنبا عن توقيع الاتفاق النووي: "عندما لا يطلع البرلمان بشكل صحيح ولا يعرف تفاصيل الاتفاق وكذلك يسمع تصريحات متناقضة من الدبلوماسيين الإيرانيين والأمريكيين بشأن حق إيران في تخصيب اليورانيوم، فما هي أهمية التهنئة؟".

 

 وردًا على مثل هذه الشكوك، أوضحت مصادر حكومية، أن الصفقة التي تم التوصل إليها مع مجموعة 5 +1 هي اتفاق وليست معاهدة، ولذا فهي معفية من موافقة البرلمان.. وهنا يعلق رئيس تحرير وكالة "مهر" الإيرانية، حسن هاني زادة برأيه، ويقلل من أهمية موقف هؤلاء قائلا: "هناك تيارات متشددة في إيران ترفض هذا الاتفاق، إلا أن الشارع الإيراني يرحب به لأنه سيفتح المجال نحو رفع العقوبات الاقتصادية الأخيرة التي أثرت على حياة المواطن الإيراني بشكل كبير".

 

" التعامل الناعم"

ولم يكن بالأمر الغريب أن يعيد توقيع الاتفاق الحديث عن ( صفقة أمريكية – إيرانية)، فواشنطن وطهران في أمس الحاجة لتلك الصفقة بأقل قدر من التنازلات، فإيران من جانبها ولأسباب استراتيجية واقتصادية عديدة، ترغب في رفع الحصار عنها من جهة، والاعتراف النهائي بنظامها من جهة أخرى.. وهذا ما يقال عنه، أن الطرفين طبقا وسيلة "التعامل الناعم " بعد وصول حسن روحاني لسدة الحكم، بدأ تعامل الطرفين بنعومة المضطر لا المقتنع.

 

 

غير أن المتشددين جذبهم في الاتفاق (الصفقة) مزية مهمة جدًا بخلاف تخفيف الحصار الاقتصادي وإطلاق ما تجمد من الأرصدة الإيرانية، فقد أدركوا أنه يتعهد بصورة مبطنة بعدم محاولة الانقلاب أو المساعدة على انقلاب داخلي إيراني، بما يضمن استمرار نظام حكم الملالي في إيران والإبقاء على "دولة الفقيه".

 

ولم يكن نحو 18 مليون ناخب اختاروا حسن روحاني رئيسًا لبلادهم، بعيدون عن أجواء الاحتفال بفوزه عندما هتفوا في أماكن عديدة داخل المدن الإيرانية "عزة إيران أهم من غزة ولبنان".. والإشارة واضحة تمامًا، فالذي يحتاجه الإيراني يجب أن يحصل عليه أولاً وليس بعد تمويل كافة أنشطة حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة.

 

فالإيرانيون أظهروا رغبتهم العيش في سلام وليس تحديد التهديد اليومي من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ولهذا رحَّب الإيرانيون – الشعب – باتفاق جنيف، وهم الذين طالما انتظروه طويلا، وجاء على طبق من ذهب يحمله لهم وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي استقبله المئات من الطلاب عقب عودته من جنيف إلى طهران، ليلتفوا حول سيارته، لدى خروجه من مطار طهران، لتحيته على إنجازه الاتفاق المعجزة حسب وصفهم له، ناهيك عن وصفهم لظريف نفسه بأنه "بطل السلام".

إذا كان هذا هو موقف الشعب الإيراني من "الاحتواء الأمريكي"، فإن إدارة باراك أوباما لم تكن لترغب في ضخ "قبلة الحياة" لنظام الملالي، إلا تحقيقًا لمصالحها، حيث نجحت في وضع يدها على الجرح الإيراني الداخلي، وكشفت عجز النظام عن الاستمرار، وفقدان الشعب قدرته على التحمل لو استمر نظامه في هذه المواجهة. فقد أسقط "اتفاق جنيف " تشدق المسؤولين الإيرانيين بمقاطعة القوى العالمية  مع العالم، فيما أكد أن الدولة نفسها قبل الشعب عازمة على التطبيع الكامل والشامل مع الغرب. حتى وإن كان الشعب الإيراني نفسه، قد كشف مراوغة نظامه في الاحتفال بهذا التطبيع خشية الحرج ليس إلا. كما أن واشنطن على يقين بأن الشعب الإيراني ربما يكون في عهد رئيسهم الجديد، قد حسم خياراته، ليفرض على نظامه سياسات إيران الخارجية، لتكون تحقيق المصلحة هي الهدف أولاً وأخيرًا.

 

كما أن الرغبة الشعبية في التطبيع مع الغرب، أفقدت المتشددين الإيرانيين جزءًا كبيرًا من قوتهم، فمواقفهم نتج عنها العقوبات والعزلة، التي استنزفت إيران.

 

والأمل هنا، أن ينجح الرئيس الإيراني الجديد في إحراز مكاسب اقتصادية وسياسية ودبلوماسية لبلاده ، تدفعها إلى الوصول إلى المجتمع الدولي.

 

وهنا، سينحصر نفوذ وموارد هؤلاء المتشددين، ثم تتراجع مشاركتهم في الأحداث السياسية في مرحلة تالية، حتى وإن لم تنته قوتهم بصورة نهائية.

 

وبذلك تكون إدارة أوباما قد نجحت في تخفيف مخاوف دول المنطقة من تداعيات الاتفاق مع إيران، بعد أن تثبت لهم أن "اتفاق جنيف" حد من هيمنة وسيطرة المتشددين على مقاليد الحكم داخل الدولة الفارسية، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى تلاشي تهديد إيران للأمن الخليجي والإقليمي والعالمي.

 

 

قلق إسرائيلي

 

إسرائيليًا.. فقد جاء الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية وكأنه مس إسرائيل مسًا من الشيطان. وإذا كان رأيها في كلمات وتصرفات الرئيس الإيراني، بانه رجل كاذب ومخادع لأنه يتبنى لهجة ناعمة ويغطي كلماته مغطاة بالسكر، مع محاولة الوقيعة بين الرئيسين الإيراني والأمريكي بعد المحادثة الهاتفية والشهير والتشكيك في جدواها.. فلم يكن مستغربًا ردود فعل إسرائيل بعد إعلان "اتفاق جنيف" الصادم لها.

 

فقد بدت تل أبيب في حيرة من أمرها أمام الاتفاق، فبينما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"الخطأ التاريخي وليس الاتفاق التاريخي، فقد أصبح العالم اليوم مكانًا أكثر خطورة؛ لأن النظام الأخطر في هذا العالم تقدم خطوة أخرى ملموسة نحو امتلاك أخطر الأسلحة في العالم "ملمِّحة إلى إمكانية تحرك عسكري ضد طهران عاجلاً أو آجلاً.

 

بيد أن وزراء ومسؤولين إسرائيليين، قد أقروا لاحقًا بصراحة مطلقة لاحقًا، بصعوبة مثل هذا التحرك الذي دعا إليه نتنياهو، داعين إلى تكثيف الضغط الدبلوماسي على العالم خلال الأشهر المقبلة لتعديل الاتفاق، فيما غرد الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز خارج السرب، داعيًا إيران إلى الالتزام به.

 

الموقف الإسرائيلي غير الرسمي كان مصدومًا من مجرد المفاوضات وحتى قبل التوصل إلى اتفاق، وأسهب المحللون الإسرائيليون في سرد مخاطر أي اتفاق مرتقب، وكتب بعضهم عن ضرورة تذكير المفاوضين بانه يجب على إيران أن تبدأ بتنفيذها قرارات مجلس الأمن ذات الصلة خلال أعوام (2006 ــ 2010)، مع بث رسائل متعددة بأن الدولة الفارسية، ضاعفت عدد أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم من 164 جهازًا من عام 2006، إلى نحو 18.000 جهاز حاليًا، وجميع هذه الأجهزة تعمل خلافا للتعهدات الدولية التي قطعها نظام طهران على نفسه.

 

تحذيرات المراقبين الإسرائيليين تجاوزت حدود الدول الست المتفاوضة مع إيران، إلى القول بأن أي اتفاق يتم التوصل إليه، سيثبت أن مجلس الأمن هو مجرد هيئة هشة، وأن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لم تعد سارية المفعول، وأن تقويض سلطة مجلس الأمن يعنى تقويض سلطة الأمم المتحدة برمتها!! لقد شبه الإسرائيليون عملية المفاوضات – حتى قبل توقيع "اتفاق جنيف" - بانها " دبلوماسية سيئة"، حتى وإن كانت الدبلوماسية أفضل من الحرب، لأن وحسب ما يرون، فان الدبلوماسية السيئة يمكن أن تتسبب في إشعال الحروب.

 

الإسرائيليون ربطوا أيضًا بين "اتفاق جنيف" واحتمال تكرار التجربة الفاشلة في منع كوريا الشمالية من الحصول على السلاح النووي، لكن هذه المرة في منطقة أكثر اشتعالاً وخطورة بكثير، حيث يعتقدون أن إيران تستغل الصفقة من أجل كسب الوقت والوصول إلى وضع يصبح فيه من الصعب القيام بهجوم وقائي ضدها. والنتيجة النهائية حينئذ، ستكون لمصلحة إيران، التي ستزداد قوة وقدرة على صنع السلاح النووي، بما يهدد المنطقة بالكامل.

 

لقد تكوَّن انطباع (انتقامي وغريب) داخل إسرائيل، بأنه إذا كانت القوة العسكرية الإسرائيلية غير قادرة على قصف إيران، فليتم قصف مواقع أمريكية بالمنطقة، ولتكون هذه هي الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة ضد التهديد الإيراني!!.

 

وحاول الإسرائيليون التقرب من العرب نوعًا ما وتصوير الولايات المتحدة على أنها العدو الحقيقي لكل دول المنطقة.. فمصر تهاجم الإدارة الأمريكية بسبب العقوبات التي فرضتها عليها بعد أحداث 30 يونيو وعزل الرئيس الإخواني محمد مرسي. والسعودية غيرت سياستها حيال الولايات المتحدة بسبب ما تعتبره تقرُّبًا استراتيجيًا من إيران. وها هي إسرائيل أيضًا تتبنى سياسة مجنونة، وتتحول فجأة إلى شريكة في الحلف المعادي لأمريكا!!

 

سلاح النفط

 

تمثل إيران رابع أكبر احتياطيات للنفط في العالم وأكبر وقف في العالم من الغاز الطبيعي. ويعتبر حقل بارس الجنوبي للغاز الطبيعي الأكبر في العالم، وكان في السابق الأبرز في صناعة النفط العالمية.

 

وقد أثارت إيران لعاب شركات النفط برغبتها في تحقيق أرباح خيالية، إذ وعدت بأنها يمكن أن تقدم عقودًا أكثر ربحية لشركات أجنبية مستعدة للاستثمار في حقولها النفطية.

 

ونجح الرئيس الإيراني حسن روحاني في اختيار بيجان نمدار- زانجانه وزيرًا للطاقة في حكومته، وهو الذي تبنى حملة لجذب مائة مليار دولار على الأقل من الاستثمارات إلى إيران على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

 

يعتقد خبراء طاقة غربيون أن روحاني بث شعاعًا من الأمل لدى الشركات العالمية وأثلج صدور خبراء صناعة النفط بتعيينه بيجان نمدار- زانجانه، الذي سبق وشغل نفس المنصب بين عامي 1997 و 2005، في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، وكان له دور فعَّال في جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع النفط في بلاده.

 

ومن هنا، لعبت تلك الشركات دورًا لا بأس به في اتفاق جنيف، حيث استقبلت بجدية مواقف روحاني في التقارب بين طهران وواشنطن، بما ينتج عنه تخفيف العقوبات. حتى مع زيادة الفرص الاستثمارية لشركات النفط الكبرى في العالم، فإن فرص إيران ليست قليلة رغم تغيرها عما كانت عليه قبل 10 سنوات، إذ اتسعت خريطة العالم الجيولوجية وتضمنت مؤخرًا مناطق جذب جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مما سيُلزم إيران بتقديم شروط أكثر تنافسية بكثير إذا أرادت جذب الشركات العالمية.

 

وإذا كان سلاح النفط كفيل بدفع إيران نحو تجاوز جزء كبير من أزماتها.. فلا ينكر أي مراقب للأوضاع الاقتصادية داخل إيران، أن حكومة حسن روحاني ورثت مشاكل اقتصادية عديدة حيث ركود وتضخم في الوقت نفسه.

 

واستغل روحاني مناسبة مرور مائة يوم على توليه منصبه الرئاسي، ليعقد لقاء مع رجال الأعمال، وأبلغهم في بدايته عن تفاؤله بالوضع الاقتصادي، وليطلب منهم سرعة المشاركة في المشهد الاقتصادي " لقد حان وقت مشاركتكم بقوة وأنتم مرتاحو البال".

 

 

اقرأ أيضًا:

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان