رئيس التحرير: عادل صبري 12:51 صباحاً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

تفجير مصر.. المنصورة وما بعدها

الانقسام المجتمعى أخطر من العنف..

تفجير مصر.. المنصورة وما بعدها

سامح راشد 29 ديسمبر 2013 11:02

تصعيد رسمى متسرع بالتوازى مع شحن إعلامى تحريضى أديا إلى اتساع نطاق التظاهرات ومن ثم تفاقم حدة المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين، فضلا عن اندلاع عمليات اعتداء واشتباكات شعبية (عنف مجتمعى بعضه غير منظم).

 

تلك هى ملامح الوضع فى مصر على خلفية التفجيرات التى وقعت الأسبوع الماضى فى المنصورة والقاهرة. وهى ليست المرة الأولى التى تشهد فيها مصر أعمال عنف فى الأشهر القليلة الماضية، خصوصا تلك العمليات التى تستهدف مقار أمنية، إلا أنها المرة الأولى منذ ست سنوات، أن يستهدف العنف المدنيين، وذلك منذ تفجيرات الحسين عام 2009.

 

ورغم الدلالة المهمة لهذا التحول فى اتجاه وطبيعة عمليات العنف التى وقعت فى مصر خلال الأشهر الماضية، يظل الأمر برمته حلقة فى سلسلة أحداث وعمليات عنف تشهدها مصر منذ 3 يوليو الماضى التى تتفاوت تقديرات ضحاياها من ألف إلى عدة آلاف.

 

من هنا يجب النظر إلى الحوادث الأخيرة بمنظور شامل يأخذ فى الاعتبار السوابق القريبة والبعيدة، ويضع العنف المستجد فى مصر مؤخرا ضمن سياقاته الموضوعية التى تشكل وتصوغ المشهد المصرى سواء على مستوى السلطة التى تعانى اختناقا داخليا وخارجيا، أو على مستوى المجتمع الذى تتفاقم لديه حالة الاستياء والغضب من سوء الأحوال المعيشية وغياب الأمن، وأيضا على مستوى النخب التى كشفت توجهاتها الحقيقية وانكشفت قدراتها المحدودة على قيادة وتوجيه المجتمع وفق بوصلة وطنية أولا وعقلانية ثانيا.

 

تأليب المجتمع

أيا ما كانت الأطراف التى تقف وراء تفجيرى المنصورة ومدينة نصر، الثابت أن أى عنف خارج نطاق مقاومة احتلال أو الدفاع عن النفس، يستهدف بالضرورة إجبار الطرف المستهدف بالعنف على اتخاذ - أو الامتناع عن- مواقف وخطوات معينة.

ومن اللافت أن التوجه الغالب فى مصر حاليا يتجاوز البحث عن أسباب العنف ويقفز سريعا إلى تقييمات تبدو – على الأقل - مبالغا فيها، دون تفكير فى الدوافع الكامنة وراء الإقدام على تلك العمليات والمستفيد منها، خصوصا تلك التى تستهدف مدنيين.

ومن ثم تتصاعد سريعا حالة الغضب الشعبى وتتبلور تصورات وتقييمات خاطئة لدى المواطن العادي، حيث تتسم أحكامه بالعمومية فتخلط بين كل أعمال العنف سواء التى تستهدف المدنيين أو الموجهة ضد مؤسسات أمنية خاصة الشرطة (التى كانت ممارساتها سببا مباشرا فى إطلاق شرارة ثورة يناير). كما تفتقد الدقة سواء باتهام أطراف بعينها أو بإغفال ملابسات وحقائق كفيلة بتغيير أو على الأقل التشكيك فى تلك التصورات والتقييمات. تلك الصورة الذهنية النمطية، تمثل بذاتها هدفا ودافعا قويا لمن يقف وراء تلك التفجيرات التى شهدتها مصر فى المنصورة والقاهرة وربما أيضا فى أماكن أخرى لاحقا. وهو ما يفسر جزئيا المسارعة فى الإعلام ولدى بعض المواطنين باتهام جماعة "الإخوان المسلمون" بالمسؤولية عن هذين التفجيرين.

لذا لم يكن مستغربا قيام مجهولين بمهاجمة منشآت وممتلكات بل ومنازل لأعضاء فى جماعة الإخوان أو يشتبه فى كونهم إسلاميين، وذلك فى المنصورة ومناطق أخرى. أما ما يستحق الانتباه وربما الدهشة، فهو مبادرة السلطة الحاكمة إلى إعلان الجماعة منظمة إرهابية، على الرغم من أن منظمة أخرى هى "بيت المقدس" أعلنت مسؤوليتها عن تفجير المنصورة. ولم يتم إدراجها رسميا ضمن المنظمات الإرهابية.

وتكشف تلك الخطوة التى أعلن عنها بعد تفجير المنصورة بساعات قليلة، عن جانب آخر من دوافع وأبعاد العنف المستجد فى مصر؛ فقد تم الإعلان عنها بشكل سريع قبل مناقشتها رسميا، ثم كشفت التسريبات من اجتماع مجلس الوزراء بشأنها أن اختلافا كبيرا أثير حولها خصوصا فيما يتعلق بمدى حجيتها من الناحية القانونية فضلا عن المردود السلبى المتوقع لها خارجيا. وهو الأمر الذى يثير التساؤل ويثير احتمالات متعددة من بينها الرغبة المسبقة رسميا فى دمغ الإخوان بوصف "جماعة إرهابية". وبالتالى يمكن النظر إلى المسارعة إلى تلك الخطوة والإصرار عليها دون حكم قضائى كأحد الأبعاد غير المرئية لعملية تفجير مديرية أمن المنصورة.

ويلقى هذا البعد بدوره بعض الضوء على جانب آخر خفى فى المشهد المصرى الراهن، وهو كيفية اتخاذ القرارات وموقع مجلس الوزراء ككل ورئيسه تحديدا من هيكل السلطة الفعلية. إذ لم يصدر إعلان الإخوان جماعة إرهابية عن رئيس الوزراء، وتناقلت الأنباء أن بعض الوزراء تحفظوا بشدة على هذه الخطوة. الأمر الذى يطرح مجددا تساؤلات ويضع علامات استفهام كبيرة على الأداء الحكومى بشكل عام، وفيما يتعلق بالقضايا الأمنية والتطورات السياسية على وجه التحديد.

خطر انهيار الدولة

من السهولة بمكان توقع التبعات السياسية والأمنية المترتبة على تفجيرى المنصورة ومدينة نصر، سواء من ناحية السلطة التى وجدت فيهما ذريعة لاستخدام أقصى درجات البطش والتنكيل بالمعارضين بغض النظر عن انتمائهم.

وليس من العسير أيضا ملاحظة تطور السلوك الفردى والجماعى المصرى نحو الاندفاع والتسرع خصوصا فى ظل غلبة الشريحة العمرية الشبابية على التركيبة السكانية، أن يتوقع ما وقع بالفعل فى الأيام الماضية من تظاهرات حاشدة ومواجهات دامية بين الشرطة ومتظاهرين فى مناطق متعددة من مصر.

المغزى الكامن هنا، أن الدافع الرئيس المشار إليه سابقا وهو تخريب مصر بل ربما تفجيرها، يتجسد عمليا فى ردود أفعال الأطراف المختلفة وتحركاتها كل فى مواجهة الآخر، فتفجير المنصورة لم يدفع الشرطة إلى التراجع عن أسلوب القمع الذى عادت إليه بعد 3 يوليو الماضي. ولم تنجح تهديدات وزارة الداخلية فى منع المتظاهرين من نزول الشارع أو تخويف لمعارضين بشبهة "الأخونة". أما تفجير مدينة نصر فقد زاد المواطن المصرى غضبا وحمقا على الطرفين معا، الإخوان الذين ينساق كثير من المصريين وراء الاتهامات الرسمية لهم بالإرهاب، والشرطة التى يحار المصريون فيها، بين عدم القدرة وانتفاء الرغبة فى حفظ الأمن.

فأصبح المشهد بعد التفجيرات والقرارات صداميا بامتياز ليس فقط بين الشرطة والمتظاهرين، لكن أيضا بدخول طرف ثالث على خط المواجهة هو بعض المواطنين الغاضبين من غياب الأمن والمعبئين إعلاميا ورسميا ضد الإخوان. وهنا مكمن الخطورة الأكبر، فتصدى المواطنين بأنفسهم لتحقيق العدالة (أو الانتقام) وحفظ الأمن (أو تعميق الفوضى) إنما يعنى مباشرة تنحى الدولة عن مهامها، إن طوعا أو قسرا. وكلاهما يعنى ببساطة أن الدولة غير موجودة أو فى سبيلها إلى ذلك، سواء كان ذلك رغما عنها أو برغبة القائمين عليها أو بعضهم.

وحتى إن كان الظن لدى أولئك البعض أن الأمور قابلة للسيطرة وأن اتساع نطاق الفوضى والعنف سيوجد الذرائع الكافية للتشديد الأمنى وربما تعطيل أية حلول أو خطوات سياسية لداعى خطورة الموقف الأمني؛ إلا أن السلوك المجتمعى لم يكن يوما قابلا للإخضاع والتحكم فيه بدقة، خاصة فى مجتمع يمر بمرحلة حراك ثورى وتحولات سياسية درامية وصعود دور وحضور فئات ومجموعات اجتماعية جديدة أو عائدة من جديد. ومن ثم يُخشى أن تخرج التطورات عن السيطرة خصوصا مع الاقتصار فى معالجتها على الأسلوب الأمنى العتيق الذى أثبت فشله فى 25 يناير ثم ها هو يثبت فشله ثانية مع العودة إليه ثانية.

وبالتالى فأيا ما كان الطرف أو الأطراف التى تتحمل مسؤولية تفجيرات الأسبوع الماضي، إلا أن سياقها السياسى والاجتماعى والأمنى كان يفترض معالجته بحكمة وموضوعية وشمول، وليس بمنطق أحادى أمني، يعد هو ذاته (بواسطة تبعاته الخطيرة التى تبلورت وتلك الأخطر التى قد تنشأ) عاملا مساعدا، إن لم يكن مباشرا، فى تفجير مصر.

 

 

من فجَّر مديرية أمن الدقهلية | تقرير مصور

شاهد التقرير

http://www.youtube.com/watch?v=LutLLhUsqc8

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان