رئيس التحرير: عادل صبري 01:31 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

سياسة "عضّ الأصابع" بين واشنطن وطهران

سياسة عضّ الأصابع بين واشنطن وطهران

ملفات

اوباما وروحانى

سياسة "عضّ الأصابع" بين واشنطن وطهران

محمد أمين المصري ـ محمد جمعة 25 ديسمبر 2013 16:37

اعتاد المحافظون الإيرانيون أن يغامروا أحيانًا ويصعِّدوا خطابهم التعبوي والديني ضد أمريكا، ولكن إذا ما اكتشفوا أن التصعيد سيضرهم، سرعان ما يتراجعون خطوة أو خطوات للخلف، خاصة إذا كان الاستمرار أو التصعيد سيضعهم أمام خيارين: إما البقاء على نظام الملالي أو سقوط النظام الديني برمته.

 

فأيديولوجية المحافظين تعتمد على مبدأ التقدم ثم التقهقر أو العكس، حسب وجهة المصلحة والنتيجة المرجو تحقيقها. ويعلم الأمريكيون واقعة إسقاط البحرية الأمريكية في الخليج طائرة إيرانية في أحد أيام صيف 1988، ورغم أن الحادثة أثارت شعورًا بالغضب لدى الإيرانيين المتعطشين للثأر من "الشيطان الأكبر"، فإن قائد الثورة الإسلامية ومفجرها آية الله الخميني وجه تعليمات بألا تستعجل القوات المسلحة الرد على التصرف الأمريكي، مع ضرورة توخي الحذر.

 

واعتمد الخميني هنا، على معطيات كثيرة، منها أن إيران لا تزال في حالة حرب مع العراق وقدراتها العسكرية والاقتصادية في حالة متدنية، وكان البديل إصدار توجيهات لعناصر "الباسيج" لتنظيم مظاهرات لاحتواء الغضب الشعبي. واقتصر رد الفعل على تنظيم مظاهرة مرتَّبة وتكون تحت السيطرة، تنفيذًا لتعليمات الخميني بإعمال الحكمة والمصلحة وإعطاء فرصة للحل الدبلوماسي، رغم أن "الشيطان الأكبر" كان سبب الواقعة.

 

وسطية روحاني

 

وبعكس المحافظين في بلاده وبرغم أنه كان أحدهم، فإن الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، يعتمد مبدأ "الوسطية مع الصبر".. ففي عام 1986، وتحديدًا في شهر مايو،  ترأس روحاني بصفته موظفًا كبيرًا في الخارجية، الجانب الإيراني الذي فاوض الأمريكيين الذين وصلوا سرًا إلى طهران وكان بينهم أوليفر نورث، بهدف إطلاق الرهائن الأمريكيين في لبنان.

 

وحمل روحاني شرطًا عرَضَه على الجانب الأمريكي لمبادلة الرهائن، وهو أن توافق واشنطن على بيع طهران صواريخ وأنظمة عسكرية تساعد بلاده في حربها ضد العراق.

 

وتتضح معالم شخصية روحاني أكثر من هذه العملية التفاوضية، فحينما أصر الأمريكيون على رفض إرسال الصواريخ قبل تسلم الرهائن، اقترح رئيس الوفد الإيراني  إطلاق سراح رهينتين على أملٍ أن يعمل الطرفان بشكل أوسع.

 

 مبادرة روحاني لم تنتهِ بعد، فقد قدم نصيحة للوفد الأمريكي، وقال لهم: "هناك مثلاً فارسيًا يقول: "الصبر يأتي لك بالنصر، ومن دون الصبر لا يمكن أن نصل لشيء".. وخلص روحاني إلى أنه يجب على  السياسيين أن يفهموا مضمون نصيحته.

 

 ولم يزل روحاني يتمسك بنصيحته بعد 27 عامًا إلى أن جاء رئيسًا، معتمدًا على هذا المثل الفارسي، ليحقق إنجازًا تاريخيًا لبلاده بتوقيع "اتفاق جنيف" النووي، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في الجزء المقبل.

 

مشكلة روحاني تتمثل في أولئك الذين يخافون على مكانتهم في النظام الإيراني إذا ما تم تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، فمنذ أزمة الرهائن التي مضى عليها 34 عامًا، جعل النظام الإيراني (الولايات المتحدة) جزءًا محوريًا من سياسته الداخلية والدولية.

 

ومسألة تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة تعني أنه سيتعين على النظام حرمان نفسه من هذا الجزء المحوري، وبالنسبة للفصيل - الذي لا يزال يحتفظ بقوته داخل المؤسسة الحاكمة وتحديدًا الدينية - فإن تطبيع العلاقات سيكتب نهاية النظام، ومن ثم، فإنهم يحاولون معارضة ذلك بشتى الوسائل التي يمتلكونها. وربما أوضح المرشد الأعلى هذا في خطابه الذي أعقب كلمات روحاني في الأمم المتحدة، حينما كشف صراحة عن المخاوف المتأصلة بشدة داخل النظام. حتى وإن كانت محاولة روحاني لتغيير السياسة النووية لإيران، هي آخر تحرك يائس من قبل نظام يسعى لضمان أن يكون أي طريق نحو التطبيع مع الأمريكيين، مصحوبًا بضمان عدم اتباع الولايات المتحدة لسياسة تغيير النظام نفسه.

 

المتشددون في الكونجرس

 

مشكلة المتشددين لا توجد داخل النظام الإيراني فقط، لأن الخطر يأتي أيضًا من الطرف الآخر الذي يضم متشددين يخشون التطبيع باعتباره سيفقدهم قبضتهم على مقاليد السلطة؛ فهناك جماعات الجناح اليميني في إسرائيل والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذين يعملون معًا سرًا ويغذون بعضهم البعض، بما يؤدي إلى استمرار الأزمة.

 

وربما هذا يؤكد سر تنصل كلٍ من روحاني وأوباما من عملية المبادرة بالاتصال الهاتفي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.. فقد حاول روحاني التملص من التناقضات الداخلية التي صاحبت تغيير سياسة بلاده، وعندما أراد أوباما مصافحة روحاني كعرض سلام، رفض الرئيس الإيراني ذلك. وبعد عودته إلى طهران، ذكر أن اقتراح المحادثة الهاتفية كان مبادرة من مكتب أوباما، في حين ذكر البيت الأبيض عكس ذلك، وهو الأمر الذي جعل روحاني في موقف صعب أمام شعبه.

وتعليقًا على هذا التناقض، كتبت صحيفة كيهان لسان حال المرشد الأعلى: إذا كان ذلك الاتصال عملاً لائقًا، فلماذا يرفض كل طرف تحمل مسؤوليته؟

 

هذه اللهجة المتضاربة لروحاني، توضح مدى صعوبة تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، خشية إثارة غضب الحرس الثوري. ومن هنا، يحاول روحاني اتباع تعبير المرشد الأعلى "المرونة البطولية"، وإعمال الحكمة التي سبق ونادى بها الخميني وقت ضرب الطائرة الإيرانية، وهو ما أشرنا إليه في الجزء الأول. وهي الحكمة الهادفة إلى تحقيق أو على الأقل الحفاظ على الاستقرار عن طريق إبقاء الفصائل المختلفة داخل النظام تحت السيطرة.

 

 

فوائد التقارب

والسؤال الأهم هنا: هل تنجح واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق بعد كل هذه الخصومة؟ فمن جانبها، فإن أمريكا – مسؤولين وإدارة – ومعها حكومات غربية وإسرائيل تتشكك في التوصُّل إلى حلول نهائية للنزاع. حتى وإن كانت واشنطن تمنت أن تصل لاتفاق ولو مؤقت، يكون من شأنه أن يقلل من احتمالات توصل إيران إلى صنع قنبلة نووية في الوقت الراهن، ويجنب أمريكا خوض حرب مكلفة عسكريًا وبشريًا واقتصاديًا.

 

 فالأمريكيون يدركون الفوائد الهائلة للتقارب مع الإيرانيين، فقد يقلل التوصل لأي اتفاق نووي محتمل، خطر دخول أمريكا في حرب مع الدولة الفارسية، وهي المغامرة التي تتجنبها واشنطن بقدر الإمكان، لأنه لا يمكن توقع نتائجها.

 

 بعض القيادات العسكرية الأمريكية تخشى أن تمتد هذه الحرب لسنوات عديدة وتتسبب في الحاق الضرر البالغ ليس للاقتصاد الأمريكي فحسب، وإنما للعالمي أيضًا، بما يصب غضب المجتمع الدولي على واشنطن ويوقعها في مشكلات صعبة مع حلفائها بعد إعلان الشعوب رفضها لمثل هذه الحروب التي تأتي عليهم بالويلات والخراب.

 

ولكن مقابل هذه المكاسب المرتقبة من تلاشي احتمال المواجهة العسكرية، فإن أمريكا تتحسب إثارة غضب السعودية باعتبار أن إيران منافسة لها على الهيمنة الإقليمية، وكذلك إسرائيل التي لا تريد اتفاقًا بل حربًا تدمر بها كل قدرات إيران النووية، حتى وإن كانت واشنطن ترى في الاتفاق بداية للدفع بتسوية سلمية للحرب الأهلية في سوريا.

 

أما إيران فترى الاتفاق مع أمريكا والقوى الكبرى، على أنه نهاية للكثير من العقوبات الاقتصادية وينهي عزلتها الدولية، حتى لو كان الثمن هو التفاوض المباشر مع "الشيطان الأكبر" الذي أطاح بمساعدة بريطانيا برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق عام 1953 بعد سعيه لتأميم صناعة النفط، فيما لم تنسَ واشنطن فضيحة أزمة رهائن السفارة الأمريكية (1979-1981) وكذلك صلة النظام الخميني في تفجير الثكنات العسكرية في بيروت عام 1983.

 

موقف الحرس الثوري

 

مشكلة النظامين – الإيراني والأمريكي – ليس الرؤساء، وإنما كما أسلفنا، في الجماعات المتشددة بالداخل، فالكونجرس الأمريكي هو الذي يقف وراء كل العقوبات ضد إيران داعمًا لإسرائيل ومدعومًا من اللوبي اليهودي.

 وهناك المحافظين في إيران ومنهم الحرس الثوري والمقربين من المرشد الأعلى، خاصة بعد هزيمتهم في انتخابات الرئاسة لمصلحة روحاني. ففي نفس يوم خطاب روحاني أمام الجمعية العامة، خرج قادة الحرس الثوري يتفاخرون في طهران بالتزامهم بالشهادة، باعتبارها كافية لهزيمة الولايات المتحدة.

 

وقال الجنرال علي فدوي قائد القوات البحرية التابعة للحرس الثوري: "عندما تكون مسألة حياة تتغير كل الحسابات، ما لم تكن الشهادة نعمة أكبر من الحياة".
 

وهذا يدل على أن السياسة الداخلية هي التي تقيد روحاني وأوباما، لأن المفاوضات الأصعب ليست بين الرؤساء، بل يقودها من الخلف الكونجرس الأمريكي والحرس الثوري والمتشددين الإيرانيين.

 

استراحة محارب

 

هنا يبرز تساؤل آخر: "هل إيران التي غدت تعاني معاناة حقيقية من العقوبات الدولية، أرادت "استراحة محارب" والحصول على فرصة وإن كانت قصيرة ومحدودة لاستكمال برنامجها النووي ووضع العالم كله أمام الأمر الواقع؟". وبعيدًا عن توجسات وتخوفات بعض الدول العربية وإسرائيل من حملة "العلاقات العامة" بين روحاني وأوباما، أو لهجة "الغزل" التي أحدثت طفرة بلا شك في العلاقات بين البلدين، فيبدو أن روحاني بما قام به خلال اجتماعات الجمعية العامة، قد تجاوز الخطوط الحمراء التي كان رسمها المرشد الأعلى مسبقًا؛ لأن المحافظين في بلاده وجدوا أنه ذهب بعيدًا في التودد للأمريكيين وفي تملقهم مما أثار عليه سخطهم وغضب قادة الحرس الثوري وبعض المنافسين، الذين بقوا يلعبون أدوارًا رئيسية في انكماش إيران على نفسها وإدارة ظهرها للعالم بأسره واقتصار علاقاتها على نظام بشار الأسد، الذي غدا يشكل عبئا ثقيلا عليها والذي ساهم بتفاقم أعبائها الاقتصادية.

 

وحتى إذا كان روحاني صادقًا في توجهاته المنفتحة على أمريكا والغرب، أو إذا كان جادًا في إلغاء شعار "الموت لأمريكا" والذي غاب متعمدًا عن احتفالات الإيرانيين هذا العام بمناسبة الذكرى الـ 34 للاستيلاء على مقر السفارة الأمريكية في طهران لعدم ترديد الشعار مع جموع المحتفلين بالذكرى، فثمة إرث ثقيل تركه الإمام الخميني يمنح الحرس الثوري اليد الطولي في إدارة موازين القوة في دولة مثل إيران وليكون الرقم الرئيسي في معادلة الحكم، و هو ما سبب إحباطًا للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي للخروج ببلاده من عنق الأزمة. وقد يفشل روحاني في كسر شوكة الحرس الثوري وقبضة المحافظين، حتى ولو كان لدى خامنئي الرغبة الحقيقية في تأييد توجهه بالانفتاح على العالم.

 

 

جبال من الشكوك

 

من الصعب التركيز على رؤية واحدة بشأن مستقبل العلاقات، فالكلام المعسول لا ينهي جبال الجليد المتراكمة من الشكوك، وعلى سبيل المثال، بمجرد أن عاد روحاني لبلاده من نيويورك وفي منتصف أكتوبر الماضي، تبادل أوباما والمرشد الأعلى علي خامنئي الشكوك - عن بعد - في جولة روحاني، كلٌ لأسبابه الخاصة.. أوباما لطمأنة إسرائيل وإقناعها حتى ولو بأن الخيار العسكري ضد إيران لا يزال على الطاولة، إنما الأفضل إعطاء الوقت والمزيد من الوقت للرئيس روحاني. أما خامنئي، فقد أطلق شكوكه لطمأنة الحرس الثوري، وفي الوقت نفسه إعطاء حكومة روحاني مجالا للمناورة في المساومة مع الغرب مع تذكيرها بانه يسمح لها بالتحرك إلى الأمام إنما ليس في كل شيء. خامنئي كان صريحا بما يكفي وهو يخاطب خريجي الكليات العسكرية، عندما قال: "بعض ما حدث في رحلة نيويورك لم يكن لائقًا، فالإدارة الأمريكية استولت عليها الشبكة الصهيونية الدولية "، ومع ذلك لم يمتنع خامنئي عن تأييده الصريح للتحركات الدبلوماسية للحكومة.

 

أزمة أوباما

 

ويبدو أن الرئيس الأمريكي ينتابه شعور بالاعتراف بواقع أزمة تعدد مصادر السلطة في إيران، حينما ابلغ وكالة أسوشييتد برس "أن الأسلوب الذي يعمل به النظام الإيراني يفيد بأن روحاني ليس بصانع القرار الوحيد، وأنه ليس حتى صانع القرار في نهاية المطاف". وينطبق وصف أوباما لـ روحاني على الرئيس الأمريكي ذاته، فهو أيضًا ليس صاحب القرار الأخير لمسألة الانفتاح على إيران، فنواب الكونجرس يمضون قدما في التشريع لفرض عقوبات جديدة على إيران مع خطط لوضعها أمام الرئيس أوباما بحيث يمكنه استخدام العقوبات المعززة جزءًا من قوة تفاوضية مع إيران.

 

 في النهاية، إذا كان خامنئي والحرس الثوري هما من يقرر الموقف في إيران، فإن الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، هو الذي يتخذ القرار النهائي في الولايات المتحدة.

 فمجلس النواب وافق في يوليو الماضي، بعد شهر من فوز روحاني كرئيس للجمهورية الإيرانية، على عقوبات جديدة صارمة شملت قطاعات النفط والتعدين والبناء في إيران، وإلزام الحكومة بالعمل على إنهاء جميع مبيعات النفط الإيراني في جميع أنحاء العالم بحلول عام 2015. وأدى هذا القانون إلى تكثيف المقاطعة التي بدأ تفعيلها العام الماضي، وخفض صادرات إيران النفطية إلى النصف، وترك اقتصادها في حالة يرثى لها.

 

 

 

محادثات (5+1)

 

تفاصيل الأزمة كانت معقدة حقًا، واتسمت بصعوبة التكهن بنتائجها حتى توقيع "اتفاق جنيف"، حتى وإن لم تعترض إدارة أوباما على تمرير الكونجرس عقوبات جديدة على إيران ما دامت ليست في وقت قريب، وهذا لأن البيت الأبيض سيرى أنه من الأفضل أن يتخذ الكونجرس قرارًا بفرض عقوبات جديدة في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة إشراك إيران دبلوماسيًا. فأوباما يريد من نظيره الإيراني حسن روحاني أن يثبت له قدرته على تقليص نشاط تخصيب اليورانيوم.

 

 وجاء الرد سريعًا من طهران وكان مفاجئًا، عندما رد روحاني في أول أكتوبر الماضي، بأن بلاده مستعدة لمناقشة تفاصيل أنشطتها النووية من أجل التوصل إلى اتفاق مع مجموعة (5+1)، لكن حقها في تخصيب اليورانيوم "غير قابل للتفاوض"، وكان هذا قبل إنجاز "اتفاق جنيف" في نهاية الجولة الثانية من المفاوضات الدولية في 24 نوفمبر الماضي.

 

وإذا كان روحاني نجح في عام 1986 عندما كان موظفا بالخارجية في إقناع الوفد الأمريكي برئاسة أوليفر نورث بإتمام صفقة الرهائن الأمريكيين في لبنان، بتطبيق المثل الفارسي "الصبر يأتي لك بالنصر، ومن دون الصبر لا يمكن أن نصل لشيء" ومن ثم موافقة واشنطن على بيع طهران صواريخ وأنظمة عسكرية بملايين الدولارات لبلاده.. فإن الأمريكيين قد يستلهمون من قصة أخرى، مدى قدرته على إقناع المرشد الأعلى بتوجهاته الجديدة نحو الغرب والولايات المتحدة، مستفيدًا من علاقته الوثيقة بخامنئي، الأمر الذي قد يتيح له التدخل في تغيير بعض السياسات الإيرانية وتحديدًا ما يتعلق بالملف النووي الإيراني.. ووفقًا لروايات دبلوماسيين فرنسيين شاركوا في لقاء ضمهم مع روحاني عام 2003، فقد أخرج هاتفه الجوال واتصل بصديقه وزميل دراسته، علي خامنئي، وأقنعه بضرورة وقف إيران تخصيب اليورانيوم.

 

وأسفرت مكالمة روحاني، في التوصل إلى اتفاق في أكتوبر 2003، وكان الاتفاق النووي الوحيد بين إيران والغرب على مدى السنوات الإحدى عشرة الماضية قبل إنجاز "اتفاق جنيف" الأخير.

 

وننقل عن ستانيسلاس دي لابولاي، المدير العام المتقاعد لوزارة الخارجية الفرنسية، الذي كان عضوًا في الوفد الأوروبي خلال محادثات بين عامي 2003 و2005، قوله: "أظهر روحاني آنذاك أنه لاعب محوري في المؤسسة السياسية في إيران، وكان الوحيد القادر على تسويق شيء لا يحظى بشعبية لدى القادة الآخرين".

 

 

إسرائيل على الخط

 

بيد أن ما سبق، قد لا يرسم الملامح جميعها الخاصة بتحسن العلاقات مستقبلاً بين إيران وأمريكا، فثمة مكون مهم يتدخل وبقوة في تحديد هذه العلاقات وتشابكاتها، لا سيما وأن إسرائيل تقف لأي توجه جديد في العلاقات بالمرصاد، فالدولة العبرية تساهم بقدر كبير في صياغة الخطوط العريضة للعلاقات بين طهران وواشنطن.

 

وحتى إذا تحمست واشنطن لعدم إدماج إيران في النادي النووي العالمي، فهي تعمل لمصلحة إسرائيل في المقام الأول، رغم أن الولايات المتحدة سبق ووافقت بل ودعمت المشروعات النووية الباكستانية والهندية، ولم تكترث آنذاك بوصف إسرائيل لتلك المشروعات قبل إطلاق صواريخهما النووية، بأنهما خطرًا على كيانها وأراضيها.

 

لقد اجتهدت مراكز البحث الأمريكية لتخرج بسيناريوهات كثيرة بعد أن أجهدها روحاني بأفكاره، وظهرت احتمالات متعددة لكيفية التعامل مع إيران الجديدة، وهل تكون مثلما تتعامل أمريكا مع كوريا الشمالية كعدو واضح يعيش نظامه في ظل قبضة حديدية نووية تبقي العالم متيقظًا حيال تصرفاته من ناحية، ويبقي شعبه منعزلاً وضعيفًا من ناحية أخرى؟.. أم كدولة مثل الصين، نصف صديقة ونصف عدو مستتر، وهنا يتعين على إيران التخلي عن مقدار " التأمين النووي" الذي يجعلهم دولة قوية، ليتحولوا بعدها إلى دولة ذات قوة إقليمية بعلاقات دبلوماسية متعددة.. أم كدولة تنظر إلى  السلاح النووي بوصفه ضمانًا محتملاً ضد تغيير النظام من الخارج، وبالتأكيد يستفيد البعض داخل القيادة الإيرانية، وتحديدا الحرس الثوري، من العقوبات في أرض الوطن. وكلما زادت عزلة إيران، قل التنافس الاقتصادي الذي تحظى به قوات الحرس لشبكتها الضخمة من الشركات الصناعية، وارتفعت قيمة موانئ التهريب. ولكن في النهاية، تريد الولايات المتحدة - حسبما تعتقد بعض المراكز البحثية - أن تكون إيران شبيهة بما تم مع الصين، حيث حققت تحولاً اقتصاديًا وانفراجة على الغرب، بما يحرم نظام إيران من مبرر خلق الأعداء الخارجيين، وحتي يكون الإصلاح هو العنوان الرئيسي لعهد روحاني.

 

المقارنة في أمريكا الآن بين روحاني وأحمدي نجاد، تأتي في صورة حيوانات، فإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف نجاد كثيرًا بأنه "ذئب في ثوب ذئب"، فثمة أمريكيين يصفون روحاني بأنه "ذئب في ثوب حمل".. والغريب أن الوصف لم ينتهِ بعد، لآن هناك وصفًا آخر، وهو "حمل في ثوب ذئب"، وإن دل هذا على شيء فهو يدل بالقطع على صعوبة تكوين انطباع أمريكي واحد عن روحاني الذي باغت العالم والأمريكيين بتصرفاته وطموحاته المتعلقة بإخراج بلاده من نكسات الحصار الاقتصادي الخانق.

 

أما معضلة إيران وروحاني الحقيقية فهي إسرائيل، التي لم تتوانَ لحظة في مهاجمة وانتقاد مبادرة الرئيس الإيراني الجديد بالتقارب مع الولايات المتحدة، فهي لم تخفِ قلقها وانزعاجها من التقارب الأمريكي - الإيراني حتى وإن كانت واشنطن تحاول تهدئة مخاوفها.

 

فإسرائيل بالطبع تتخوف من إمكانية أن تؤدي مقاربات وانفتاح الرئيس الإيراني إلى إضعاف الموقفين الأمريكي والأوروبي فيما يخص ضرورة وقف البرنامج النووي الإيراني.

 

أقرأ أيضا: 

"إيران- أمريكا".. من التآمر إلى التحالف 

مقاربات "روحاني" بوابة إيران لابتلاع الخليج 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان