رئيس التحرير: عادل صبري 09:12 مساءً | الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م | 07 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

جيش جنوب السودان.. القبلية تكسب

جيش جنوب السودان.. القبلية تكسب

أسامة إبراهيم 23 ديسمبر 2013 08:38

منذ أن أصبح جنوب السودان دولة مستقلة، وهو يعانى ترديا حادا فى الحالة الاقتصادية، وانعدام الأمن، وتناحرات سياسية طاحنة، واقتتالا طائفيا داخليا عرقيا حادا، أذكته الأسلحة التى خلفتها عقود من الحرب مع السودان.

 

ويدل الصراع الدموى الذى يشهده جنوب السودان هذه الأيام على خطورة الانقسامات الطائفية والعرقية فى هذه البلاد والتى ترجع إلى سنوات طويلة مضت، نحاول تسليط الضوء عليها فى هذا التقرير.

 

* غارات جلب الرقيق.. خلال فترة الحكم التركى قبل عام 1885عيّن الخديوى «حاكم مصر» بعض الأوروبيين كمديرين للاستوائية لخدمة أغراضه ومد نفوذه. وقد اشتهرت فترة الحكم التركى وفترة حكم المهدية 1885 - 1899 بغارات جلب الرقيق التى قام بها بعض الأوروبيين والمصريين وأهل شمال السودان مما نجم عنه شعور زائد بالكراهية وولّد خوفا شديدا تجاه الشماليين.. لكن تم تحريم تجارة الرقيق بعد الفتح المصرى الإنجليزى عام 1899.

 

 من ناحية الدين والمعتقدات، كانت أغلبية سكان الجنوب لا دينيين حتى بدأت الإرساليات المسيحية عملها فى الجنوب منذ عام 1848وتم زيادة نشاطها وتنظيمه فى عام 1899 وقد سمح لكل من الإرسالية الكاثوليكية والإرسالية البروتستانية بالعمل التبشيرى فى جنوب السودان وقدّمت لها إعانات مالية من الحكومة بدءا من عام 1927.

 

يعد التاريخ السياسى لجنوب السودان من الملفات المهمة لفهم طبيعة السودان الخاصة، حيث تضافرت مجموعة من العوامل على تقسيم السودان معنويا قبل أن تصبح حدوديا فى القرن التاسع عشر عندما استعمرت بريطانيا السودان مع مصر. قامت السياسات الاستعمارية على إظهار الاختلافات الإثنية واللغوية والعرقية والدينية.

 

 وفرق الاستعمار البريطانى فى التعامل بين الجنوب والشمال فى قضايا أهمها التعليم، فساد اعتقاد لدى الأوساط المسيحية فى الجنوب أن الشماليين هم تجار رقيق.

 

وبعد جلاء القوات بريطانيا وانفصال السودان عن مصر طالب الجنوبيون أن يكون لهم نظام خاص داخل الدولة السودانية الموحدة، وهو الأخذ بنظام الفيدرالية، ولكن الحكومة رفضت الاقتراح معللة أنه يؤدى إلى انفصال الجنوب كتطور طبيعي.

 

وفى أغسطس 1955 تمرد بعض أعضاء الفرقة الجنوبية من الجيش السوداني بإيعاز من بريطانيا ضد الشمال. وفى عام 1958 وبعد أن اتبعت حكومة إبراهيم عبود العسكرية سياسة التذويب بالقوة مع الجنوبيين، وأدى ذلك إلى مطالبة الأحزاب الجنوبية بالاستقلال، كما تم تشكيل حركة أنانيا التى بدأت عملياتها العسكرية فى عام 1963.

 

* جيش الرب.. فى عام 1972 تم توقيع اتفاقية أديس أبابا والتى أعطت للإقليم الحكم الذاتي فى إطارالسودان الموحد، إلا أنه فى يوليو وسبتمبر من عام 1983 أصدر الرئيس جعفر نميري عدة قرارات أطاحت بالاتفاق منها تقسيم الإقليم إلى ثلاثة أقاليم ونقل الكتيبة (105) وبعض الجنود إلى الشمال، فأدى ذلك إلى هروبها إلى الأدغال الاستوائية لتصبح فيما بعد نواة لجيش الرب. فكلفت الحكومة العقيد جون قرنق بتأديب الكتيبة، إلا أنه أعلن انضمامه إلى المتمردين مؤسسا الحركة الشعبية لتحرير السودان ولها جناح عسكري، وأعلن أن هدف الحركة هو "تأسيس سودان علماني جديد".

 

* حروب أهلية طويلة.. شهد السودان الحديث حربا أهلية طويلة ومتقطعة بدأت قبيل العام 1956، على خلفية تأسيس هوية وطنية تقوم على العروبة والإسلام، مما أدى إلى تمرد القوات الجنوبية فى مدينة «توريت» عام 1955. بقيادة حركة «أنانيا» (سمّ الثعبان)، حيث بدأت تطالب بالاستقلال عن الشمال.

 

رفضت الحكومات السودانية المتعاقبة منح الجنوب الاستقلال أو الحكم الذاتي. وفى عام 1972 تم توقيع اتفاقية أديس أبابا التى منح الجنوب بموجبها حكما إقليميا واسعا، وفى عام 1983حاول الرئيس جعفر النميرى إقامة نظام إسلامى جديد فى السودان، وهذا ما دفع الأمور إلى التدهور من جديد مع الجنوب، الذى كان قد أصبح تحت سيطرة «أنانيا2» (الجيش الشعبى لتحرير السودان) بقيادة العقيد جون قرنق، وهكذا اندلع الصراع من جديد مع ما يختزنه من تراكم صراعات قبلية ودينية واقتصادية وسياسية بين الحكومة المركزية فى الشمال وحركات التمرد فى الجنوب، الأمر الذى أدى إلى اشتعال حرب أهلية ثانية العام 1983. 

 

* انتهاء أطول الحروب.. فى عام 2005، تم إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة عمر البشير ورئيس الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان د.جون قرنق فى نيفاشا (كينيا)، التى وضعت حدا للحرب الأهلية.

 

وفى التاسع من يناير 2005 انتهت اطول حرب شهدتها القارة الافريقية بتوقيع جون قرنق اتفاق سلام مع الخرطوم، ودخل المتمردون الجنوبيون السابقون من الجيش الشعبى لتحرير السودان فى شراكة مع خصوم الأمس فى الخرطوم لتشكيل حكومة وحدة وطنية تدير البلاد وفق دستور جديد، ومددت الانتخابات التى جرت فى أبريل 2010 التفويض الممنوح لسلفا كير الذى خلف قرنق فى رئاسة حكومة الجنوب وفى منصب نائب لرئيس الجمهورية السودانية بعد مقتل قرنق فى حادث مروحية فى يوليو 2005، كما تم إنشاء برلمان منفصل للجنوب يرأسه كير.

 

 وفى 9 يناير 2011 صوّت جنوب السودان بأغلبية 98،83% لمصلحة الاستقلال والانفصال عن الشمال. وهكذا أصبح جنوب السودان «دولة جنوب السودان» وهى الدولة الرقم 193 فى الأمم المتحدة، والرقم 45 فى إفريقيا.

 

* صراع طائفي.. أما الصراع الدائر بين رئيس جنوب السودان ونائبه المقال فيرى بعض المراقبين أنه صراع طائفي. إذ ينتمى سلفا كير إلى قبيلة الدينكا فيما ينتمى مشار إلى قبيلة النوير.

 

ولا يزال جنوب السودان يعانى من قتال عرقى أذكته الأسلحة التى خلفتها عقود من الحرب مع السودان. حيث تسلط الأحداث الجارية فى جنوب السودان الضوء على حجم الانقسامات فى هذه البلاد التى انفصلت حديثا عن السودان فى استفتاء جرى أوائل عام 2011.

 

والأسوأ هو أن القتال الدائر الآن يزيد من التوترات العرقية فى دولة قائمة فى الأساس على تقسيم عرقى وذلك على الرغم من أن الشرارة الأولى لأعمال العنف ذات أهداف سياسية، وتمثلت فى طموحات نائب الرئيس السابق رياك مشار، وإصرار الرئيس سلفا كير على إحكام السيطرة على مقاليد الحكم.

 

كما يرجع بعض المحللين نشوب الأزمة الحالية إلى أمرين مختلفين، الأول وجود حالة من السخط وسط صفوف حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكم فى الجنوب، والثانى هو إعادة إدماج العناصر المسلحة التى كانت لها علاقة بالعدو القديم فى الخرطوم فى صفوف الجيش. وهؤلاء الجنود لا يشعرون بـ "الأمان".

 

ويمثل البعد العرقى عامل قلق كبير فى جنوب السودان. حيث ذكرت هيومن رايتس ووتش أن منتمين لقبيلتى النوير ودينكا، القبيلة التى ينتمى إليها سيلفا كير، قتلوا جراء الاشتباكات العرقية فى جوبا.

 

ويرى الكثيرون من قبيلة دينكا أن أحداث مدينة بور من شأنها أن تعيد إلى الذاكرة تلك الأحداث المؤلمة التى اندلعت فى عام 1991، عندما انشق رياك مشار لتشكيل حركته المتمردة، ارتكب مسلحون ومدنيون من قبيلة النوير مجزرة مدينة بور.

 

رغم ذلك، يصر رئيس جنوب السودان على أن الاحتراب الأهلى الواقع الآن لا علاقة له بالمسائل العرقية وأنه ناتج عن محاولة انقلاب عسكرى مدللا على ذلك بأن معظم من تم اعتقالهم من قبيلة الدينكا، التى ينتمى إليها، وليسوا من النوير.

المراجع:

• مجلة السياسة الدولية - العدد 184- ابريل 2011 - لماذا تتفكك الدول؟
• مجلة السياسة الدولية - العدد 185 - يوليو 2011 - حسابات الدول الوليدة.
• www.wikipedia.org

موضوعات ذات صلة:

الجيش الجزائري.. المجاهدون سابقًا

الجيش الأردني.. الاسم عربي والنشأة بريطاني

الجيش السوداني.. حروب دائمة وانقلابات متوالية

الجيش السوري.. طائفية وفساد وانقلابات

الجيش العراقي.. ماض عريق وحاضر غامض

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان