رئيس التحرير: عادل صبري 01:20 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

"إيران- أمريكا".. من التآمر إلى التحالف

إيران- أمريكا.. من التآمر إلى التحالف

ملفات

روحانى واوباما

"إيران- أمريكا".. من التآمر إلى التحالف

محمد أمين المصري – محمد جمعة 22 ديسمبر 2013 17:17

عندما ذهب الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إلى منزله في نهاية ولايته الرئاسية التي امتدت لفترتين، عانت فيها بلاده حصارًا وحظرًا اقتصاديًا عالميًا وأمريكيًا، حاول تذكير شعبه بأن إيران في عهده لم ترضخ للضغوط الدولية، وأنه لم يخضع قيد أنملة للغطرسة الأمريكية التي طالما هددت ومعها الإسرائيلية بتدمير المنشآت النووية الإيرانية.

 

لكن مع ضيق العيش وتراجع معدلات التنمية في إيران نتيجة الحظر الاقتصادي العالمي، لم يأبه المواطنون الإيرانيون بما ذكره نجاد حيث ظنوا أنه جاء لسدة الرئاسة في توقيت خاطئ، مس بحياتهم مباشرة، ولو أنه استمر ليوم واحد في منصبه، لكادت البلاد أن تنهار كلية.

 

وقبيل تسلم الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني مهام منصبه، سبقته حملة علاقات عامة عشية الاحتفال بمراسم تنصيبه رئيسًا، واستغلت وزارة الخارجية الإيرانية هذه المراسم وهذا الحادث لتلطيف الأجواء في مغازلة واضحة للقوى الغربية والولايات المتحدة.

 

 وأصيب المراقبون بالدهشة ليس عندما بعثت مراسم الخارجية الإيرانية دعوات لكل زعماء العالم للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس المنتخب، ولكن عندما علموا بأن الدولة الإيرانية أرسلت دعوات للمرة الأولى لممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لحضور مراسم احتفال تنصيب الرئيس الجديد، في سابقة أولى لم تشهدها إيران منذ الإطاحة بالشاة وبدء الجمهورية الإسلامية على يد الإمام الخميني.

 

 أما الدهشة الثانية، فصدرت من العاصمة الأمريكية، عندما وقع 131 من أعضاء الكونجرس على رسالة موجهة إلى البيت الأبيض تدعو إدارة الرئيس باراك أوباما إلى تعزيز الدبلوماسية في التعامل مع إيران في عهد الرئيس الجديد.

 

مثار الدهشة، هو التحول في تفكير وعقيدة الكونجرس حيال إيران، فهل معنى وجود رئيس جديد في سدة الحكم في طهران يعني أن يغير الكونجرس جلده، ويعلن ولو على لسان بعض نوابه وليس جميعهم أنه يسعى لتحسين العلاقات مع إيران ؟!.. وهل هي مغازلة أمريكية عن طريق الكونجرس حتى لا تكون سابقة للبيت الأبيض في حال فشل المسعى الأمريكي.

 

 لقد اعتمد الأمريكيون ومعهم القوى الأوروبية على كتابات قديمة في حق الرئيس الإيراني الجديد، وأنه مقرب بما فيه الكفاية من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله على خامنئي؛ الأمر الذي قد يتيح له التدخل في تغيير بعض السياسات الإيرانية حيال الغرب وأمريكا وتحديدًا ما يتعلق بالملف النووي الإيراني.

 

رسالة الكونجرس

لقد وفرت رسالة الكونجرس لأوباما الفرصة لالتقاط الأنفاس وهامشا أمامه للمناورة، ولكنها لم توقف تحذيرات الكونجرس للبيت الأبيض بألا يعلق أي أمالٍ أو أوهامٍ على أن تعدل إيران من مسلكها السياسي سواء إقليميًا أو دوليًا. وربما لهذا، لم تتسم هذه الرسالة وقتها بزخمٍ سياسيٍ بعد تولي حسن روحاني الرئاسة في بلاده حتى وإن كان الغرب وصفه آنذاك بالمعتدل.

 

بيدوا أن ما سبق قد لا يرسم الملامح جميعها الخاصة بمستقبل العلاقات بين إيران من جهة وأمريكا وأوروبا من جهة أخرى، فثمة مكون مهم يتدخل وبقوة في تحديد هذه العلاقات وتشابكاتها، وهو الدولة العبرية، التي ترسم الخطوط العريضة للعلاقات بين إيران وأمريكا.

 

وبمناسبة مرور مائة يوم على تسلُّمه منصبه الرئاسي، قال حسن روحاني: "سنتابع الحقوق النووية بقوة أشد، ولن تتوقف مطلقًا نشاطات تخصيب اليورانيوم، لانها بمثابة خط أحمر.

 

وكان من الطبيعي أن يستغل روحاني إنجاز بلاده لـ "اتفاق جنيف" في مفاوضات ماراثونية صعبة مع مجموعة (5+1)، ليخاطب العالم بهجة جديدة قائلا:" نشاطات التخصيب هي حق مؤكد للشعب، وللأسف فان البعض يضع تفاسير مغلوطة للقوانين الدولية".

 

كما تخلى روحاني عن اللغة الناعمة، ليرى العالم في ذكرى مائة يوم على توليه منصبه في الرئاسة، شخصًا آخر غير الذي اعتادوه " أحد أهداف الحكومة يتمثل بإلغاء الحظر وتحطيم بنيته وإزالة تأثيراته من على كاهل البلاد" حتى وإن عاد قليلاً إلى لهجة الأمس "الهدف الآخر للحكومة هو التعاطي البناء مع العالم"، فهو قد تغير فعليًا، وقاب قوسين أو أدني من سلفه أحمدي نجاد.

 

وكان روحاني هو الذي ردد إبان توليه منصبه، أن البرنامج النووي لبلاده هو برنامج سلمي تمامًا، ولا يشكل انتهاكا للقانون الدولي. واتهم إسرائيل بأنها هي التي تدعم الحملة السياسية التي تهدف إلى التضليل والتشكيك في الطابع السلمي لهذا البرنامج، لتحويل الانتباه الدولي، ليس فقط عن برنامجها النووي السري والخطير، ولكن أيضًا عن سياساتها وممارساتها اللاإنسانية والتي تزعزع الاستقرار في فلسطين والشرق الأوسط.

 

وبثقة كبيرة، يؤكد روحاني أنه سيجتهد في تحويل حملة الانتقادات الدولية ضد إيران عبر خطة محكمة. وقد نجح روحاني بالفعل في تحقيق مبتغاه، ولم يمر يومه المائة في الرئاسة حتى كانت بلاده موقعة على " اتفاق جنيف" الذي خفف ضغوط الحظر الاقتصادي العالمي والأمريكي، وليزيح عن كاهل الاقتصاد المترنح عبئًا ثقيلاً من الخسائر بلغت نحو 160 مليار دولار على مدى عشر سنوات هي عمر الأزمة النووية.

 

علاقات عامة

وإذا كانت الخارجية الإيرانية هي التي قادت حملة العلاقات العامة الأولى لتقريب الرئيس الجديد حسن روحاني للعالم وأمريكا، فإن روحاني نفسه هو الذي حملة العلاقات العامة الثانية، وكان ذلك عشية ذهابه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وساعده في ذلك الأمريكيون أنفسهم. وقد بدأت الحملة بمقال نشره الرئيس الإيراني في صحيفة نيويورك تايمز، قبل سفره إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعة العامة للأمم المتحدة .

 

وشملت الحملة مقابلات عديدة في شبكات الأخبار الأمريكية، استغلها الرئيس الإيراني للحديث مصلحة بلاده. ولم يكد روحاني يغادر مطار "جون إف كنيدي" الدولي في نيويورك، إلا وأنجز أهم حلقة في حملة العلاقات العامة، ليعل انفتاحه على الولايات المتحدة والعالم، وليؤكد نية بلاده انتهاج سياسة الحوار لتحقيق المصالح المشتركة.

 

وأتت حملة روحاني ثمارها المرجوة بالمحادثة الهاتفية الشهيرة بينه وبين الرئيس الأمريكي باراك أوباما، هذا بغض النظر عن مدلولاتها وما أحدثته من تداعيات على المستويين الإيراني والأمريكي، ثم رد الفعل الإسرائيلي، وهو ما سنتعرض له بالتفصيل لاحقًا.

 

ثم جاءت الذكرى الـ 34 لاستيلاء الإيرانيين على مقر السفارة الأمريكية، نظم الإيرانيون مظاهرات عديدة في شوارع العاصمة طهران وخارجها في بقية المدن، رفعت جميعها شعار " الموت لأمريكا".. وكتب معلق عربي في تدوينة له مستغربًا هذا الموقف الإيراني من الولايات المتحدة بعد مقاربات روحاني "غريب أمر الإيرانيين، وبدلاً من أن يقدموا الشكر والتقدير لأمريكا نراهم يتمنون لها الموت، فهي قدمت لهم العراق على طبق من ذهب.

 

فإيران من دون البيت الأبيض ومساندته ودعمه لها في تدخلاتها في الشأن العراقي والسوري، كانت ستذوق الأمرين، علاوة على المكتسبات التي حصل عليها الإيرانيون من العراق ونفطه وثرواته التي تصب باتجاه دعم اقتصادهم المحاصر والمنهار.

 

 ناهيك على غض النظر عن برنامجهم النووي الذي سكت عليه الأمريكيون طوال الفترة الماضية وخصوصا منذ بداية مفاوضات (5+1) الدولية، وذلك لارتباط واشنطن بمصالح مع طهران.

 

وإذا استرجعنا تاريخ العلاقات الإيرانية – الأمريكية، وتحديدًا منذ بداية عهد باراك أوباما وتوليه السلطة في 20 يناير 2009، فالرئيس الأمريكي كان يحظى بفرصة وضع حد للتوتر القائم بين الدولتين منذ 30 عامًا، وتحدثت الأوساط الأمريكية وقتها عن "صفقة كبيرة" من شأنها إزالة المخاوف حيال برنامج إيران النووي وفرض الاستقرار في منطقة الخليج، على أن تحظى إيران بدور شرعي.

 

الصفقة الكبيرة أشارت إلى توفير فرصة لفتح النوافذ بين البلدين يكون من شأنها تهدئة التوترات السنية - الشيعية في أنحاء المنطقة التي وصلت إلى نقطة الغليان جراء حرب العراق. وجاء الإخفاق من طرف الولايات المتحدة، لتذهب الآمال أدراج الرياح، إذ فضلت شن حرب غير معلنة على إيران، تتمثل في شل اقتصادها من خلال فرض عقوبات عليها، وانضمت إلى إسرائيل في تقويض تجهيزاتها النووية ومنشآتها النفطية من خلال الهجمات على شبكة الإنترنت.

 

صفقات فاشلة

الصفقة برمتها فشلت، لآن واشنطن رفضت المساومة خلال جولات المحادثات الثلاث التي أُجريت حتى منتصف عام 2012 بين إيران والمجموعة (5+1)، بعد أن تم اقتراح إبرام صفقة تقضي بأن تتخلى إيران عن تخصيب اليورانيوم عند مستوى 20 % مقابل تخفيف حدة العقوبات والإقرار بحقها بإتقان دورة الوقود النووي لأغراض سلمية بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

 

وارتأت الولايات المتحدّة أن تغير موقفها، لتتبنى مطلب إسرائيل بوجوب إرغام إيران على وقف أنشطة التخصيب بالكامل من طريق فرض المزيد من العقوبات والتهديدات العسكرية عليها.

 

ورغم تلك البداية ومحاول الرئيس الأمريكي مغازلة الإيرانيين بتهنئتهم بعيد النيروز، فانه نفس الرئيس تعمد نسف مبادرة أوروبية اطلقتها كاترين آشتون مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، لعقد صفقة في اطار سعي مجموعة (5+1) مع إيران تكون مريحة للطرفين.

 

وتعهدت مبادرة آشتون مع سعيد جليلي كبير المفاوضين الإيرانيين السابق، بأن تكون معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية هي أساس المحادثات، وبحيث يكون من حق إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5% لتوليد الطاقة ولأهداف سلمية أخرى.

 

 بيدوا أن أوباما كان له رأيٌ آخر في هذا الشأن، حيث بدا أصدقاء إسرائيل في الكونجرس الأمريكي في ممارسة الضغوط على البيت الأبيض لتعليق المحادثات مع إيران واللجوء إلى الإجراءات العسكرية لتدمير إيران، مثلما قام نفس الأصدقاء في إدارة جورج بوش الابن بدفع الولايات المتحدّة إلى تدمير العراق.

 

لقد توقفت المباحثات، وتبددت الآمال بسبب تشدد موقف الولايات المتحدة، وعدم الاعتراف بحقوق إيران في تخصيب اليورانيوم عند مستوى متدن، وبالتالي، لم تحظ إيران باي بنود من الصفقة وتخفيف العقوبات. ثم رفضت في وقت لاحق اقتراح يقضي بتقديم قطع غيار لطائرة مدنية إيرانية مقابل تعهدها بوقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%.

 

الحرس الثوري

التحليل الأمريكي لإيران لا يتوقف على الملف النووي، فثمة دراسات وكتب تشرح للمتلقي الأمريكي ما تقوم به إيران لشل الولايات المتحدة، ومن هذه الكتب " الحرس الثوري لإيران.. التهديد يتنامى بينما تغط في سبات عميق" لمؤلفه ستيفن أوهيرن، الذي يصف الحرب الإيرانية ضد بلاده بانها حرب متدنية بهدف حصد أرواح الأمريكيين وتحديدا في أفغانستان والعراق ومن قبل في لبنان.

 

 ويشير الكتاب إلى تاريخ إنشاء الحرس الثوري في عام 1979 والذي تحولت قواته إلى جيش بديل له قوات جوية ووحدات خاصة وأسطول مستقل. ويقول أوهيرن في الكتاب "إذا كان لدى أوباما، إسرائيل وصقوره، فلدى إيران قوات الحرس الثوري وفيلق القدس ويركزان عملياتهم ضد القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان ".

 

ومن الرسائل المهمة التي يريد الكتاب إبلاغها للأمريكيين، أن بلادهم، هي الهدف الأساسي ولكن ليس الوحيد، للحملة الإيرانية، والأمر المهم الذي يذكره الكتاب، أن تظل أمريكا عاجزة عن تقدير حجم التهديد، وليحذر في موقع آخر من التهديد المتنامي لقوات الحرس الثوري بينما تغط بلاده في سبات.

 

 ويلمح المؤلف إلى أن إيران كانت تساعد تنظيم القاعدة في نواحي التدريب والتكتيكات الحربية والإمداد بالأسلحة لعدة سنوات، وربما ضلعت بدور غير مباشر في هجمات 9\11 \2001على نيويورك وواشنطن، وكان حزب الله هو الرابط بين إيران وتنظيم القاعدة، حسب الكتاب.

 

مواجهة الغزاة

ومن الكتاب إلى الواقع، وقبل عامين تقريبًا من الآن، ساد انطباع داخل أروقة الحكم في إيران بأن الحرب ضد أمريكا وإسرائيل أصبحت أمرًا لا مفر منه، ولكن المشكلة كانت كيفية وضع تصور لشكل هذه الحرب.

 

 ونستدل على ذلك بجزء من خطاب للمرشد الأعلى على خامنئي في شهر نوفمبر 2011، قال فيه: "إننا لسنا من نوعية الدول التي تجلس ولا تحرك ساكنا بينما هي ترى قوى ضعيفة مصنوعة من القش وفاسدة حتى النخاع تهدد امتنا الراسخة القوية كالفولاذ، حيث إننا نعرف كيف نهاجم، في حالة إذا ما تم الاعتداء علينا".

 

كلام خامنئي انتهي، ولكن الذي تولى شرح هذه المفردات القليلة كان الجنرال محمد باقري، نائب قائد الحرس الثوري، بإشارته إلى إحداث تغيير في السياسة الدفاعية الإيرانية.

 

 والتصور الذي وضعه باقري للحرب نقلا عن بعض الاستراتيجيين في طهران، يبدأ بسيناريو أن تشن الولايات المتحدة سلسلة من الضربات الجوية ضد إيران قبل بدء عمليات الهجوم البري، وهو ما ستستغله إيران جيدًا، حيث إن حجمها الضخم وتضاريسها الصعبة سيؤديان إلى هزيمة "الغزاة". فالمعركة البرية ستحدد نتيجة الحرب، حيث "تنتمي أرض إيران إلى الشعب الإيراني" حسب وصف باقري.

 

ولن تسكت إيران عند حدود تلقين درس للغزاة، فسوف تثأر من خلال مهاجمة القوات الأمريكية في المنطقة، وستأمر حزب الله وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية بإطلاق صواريخ ضد إسرائيل، ليستمر الصراع لبضعة أسابيع بعد ذلك، وتتزايد الخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية والأمريكية، وستكون مصحوبة بمظاهرات مناهضة للحرب في جميع أنحاء العالم، ستجبر واشنطن لاحقا على وقف العدوان الغاشم على الجمهورية الإسلامية، ليظل المشروع النووي قائما بدون توقف رغم كل ما ستعانيه إيران خلال تلك الحرب.

 

علاقات سرية

ننتقل بعد ذلك إلى مضمون العلاقات الإيرانية – الأمريكية وليس الشكل، فهذا المضمون شديد التعقيد لدرجة تقترب معها المواقف من نظرية المؤامرة، وبالمناسبة هي هنا ليست نظرية وإنما مبدأ. ورغم كل ما سلف، فإن سياسة الولايات المتحدة لم تخضع قط لفكرة القضاء على النظام الإيراني.

 

 وكان من بين الأفكار الأمريكية للتعامل مع الملف الإيراني هو ممارسة الضغوط على القيادات الدينية والسياسية.

 

فالحصار والسياسات الأمريكية ضد إيران إذن لم تسهم قط في تركيع النظام رغم انه لم يكن تمثيلا، لان الشعب الإيراني عاني حقيقة من الحظر والحصار الاقتصادي، بيدوا أن الرسالة المهمة التي ارتأتها أمريكا من سياساتها تلك، هي التأثير على إيران عبر تعديل سلوك النظام.

 

ويروي الكتاب إنه في ذروة أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران، بدا الوضع كأنه صدام حتمي بين الطرفين، ولا سيما أن الدستور الأمريكي يجيز للرئيس الأمريكي إعلان الحرب على أي دولة تعتدي على مواطنين أمريكيين، ولكن الباطن اختلف تمامًا عن الظاهر حيث درات مفاوضات أمريكية – إيرانية مكثفة على أعلى مستوى، سواء مع إدارة الرئيس جيمي كارتر أو منافسه الجمهوري آنذاك رونالد ريجان والذي فازت إدارته بإنجاز الصفقة بعد فوزه في الانتخابات بسبب تقاعس إدارة كارتر عن حل إعادة الرهائن ليتجه الأمريكيون إلى التصويت للجمهوريين.

 

 وكانت الصفقة في طريقها للتحقيق بين إدارة كارتر وطهران وتم الاتفاق على تحديد موعد الإفراج عن الرهائن بشرط أن توافق واشنطن على إمداد إيران بأسلحة قيمتها 400 مليون دولار. إلى أن علم ببنود هذه الصفقة فريق ريجان – جورج بوش المتأهب لخوض انتخابات معركة الرئاسة، لينقض عليها ويفشلها حتى يسلب الديمقراطيين ورقة فوزهم بمنصب الرئاسة.

 

وبعيدًا عن أزمة الرهائن، كان هناك تفاهمات بين وإيران والولايات المتحدة، على ضرب نظامي صدام حسين في العراق وحركة طالبان في أفغانستان، وبدا الأمر وكأن الأمريكيين يحققون - بهذا الغزو مصلحة عليا لإيران، فأفغانستان والعراق يجاوران الجمهورية الإسلامية، ولإيران مصلحة تفوق المصلحة الأمريكية في سقوط النظامين المعادين لها.

 

 فكما الخلاف التاريخي مع العراق، اختلفت إيران مع نظام طالبان، لأنه حسب وصفها نظامًا مذهبيًا متعصبًا لا يمكن التعايش معه. ولكل هذه الاعتبارات، كان لواشنطن وطهران مصلحة مشتركة في زوال هذين النظامين.

 

المرونة البطولية

وكل هذا يؤكد أن "المرونة البطولية " وهو التعبير الذي أطلقه مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي، على تصرفات الرئيس الجديد حسن روحاني، ينطبق تمامًا على كل التفاهمات التي دارت وتدور بين واشنطن وطهران.

 

بطبيعة الحال، فإن مبدأ " المرونة البطولية " الذي سنه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية ينطبق على أمريكا أيضًا، ولكنه لم يمنع واشنطن من تعزيز جهودها الاستخبارية في طهران، فالصحف الأمريكية تعلن باستمرار عن نجاح طائرات من دون طيار في اختراق الأجواء الإيرانية لتراقب البرنامج النووي.

 

كما أن وكالة المخابرات الأمريكية (C.I.A.) ووفقًا لما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية (9 أبريل 2012)، تميل في الغالب إلى تسريب أنباء عن شن حرب استخباراتية ضد الإيرانيين.

 

ومنذ أربعة أعوام تقريبًا، قالت وكالة (C.I.A) إنها أرسلت طائرة استطلاع سرية من دون طيار لاختراق سماء إيران. وتوغلت الطائرة لمسافة أكثر من 600 ميل داخل الدولة، والتقطت صورا للمنشأة النووية السرية الكائنة في مدينة قم الإيرانية، ثم غادرت عائدة إلى الوطن، في إشارة إلى نجاح رحلات الاستطلاع الأمريكية.

 

 المهمات المتكررة والاستطلاعات والشبكة الموسعة من الجواسيس تعد جزءًا مما يصفه مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون بتكثيف الجهود الاستخباراتية التي تستهدف البرنامج النووي الإيراني، وكل هذا تحت سيطرة قسم عمليات إيران، المعروف داخليا باسم "المنزل الفارسي"، في مبنى المقر القديم للوكالة، ويرأسه ضابط محنك عمل سابقا رئيسا لمحطة تابعة لوكالة المخابرات المركزية في إسلام آباد بباكستان.

 

وتفسر تلك الجهود الاستخبارية تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري المتناقضة، عشية عقد الاجتماع الأول لمجموعة (5+1) مع إيران - في ثوب رئيسها الجديد - لبحث ملفها النووي في منتصف أكتوبر الماضي.

 

 فقد أعرب كيري عن تفاؤله حيال عملية التفاوض بقوله:" نافذة الدبلوماسية التي منحت مع إيران تزداد انفتاحًا".. ثم أردف قائلاً: "إن أعين المسؤولين الأمريكيين مفتوحة أيضًا". الجملة الاستطرادية الثانية، قصد بها كيري مستمعيه من مجموعة الضغط الأمريكية الموالية لإسرائيل (إيباك) خلال استماعهم لخطاب له عن بعد.

 

ولكن المهم من رسالة كيري هو ما أعلنه هاشمي رافسنجاني رئيس مجلس تشخيص النظام في إيران بان شعار ( الموت لأمريكا ) كان بمثابة خطأ ارتكبته إيران الثورة، وهو التعبير المنتشر منذ ثورة الخميني عام 1979، وقد أثار جدلاً بمجرد تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق، ليحسم جدلا داخل بلاده حول هذا الشعار.

 

ولكن في الاحتفال بمناسبة ذكرى مرور 34 عامًا على احتلال السفارة الأمريكية في طهران في الخامس من نوفمبر كل عام، أعلن عناصر الحرس الثوري عدم تخليهم عن ترديد الشعار، رغم وجود مؤشرات على حدوث تقارب بين الدولتين مؤخرًا، وبرروا ذلك بان الشعار يمثل تعبيرًا عن تصميم ورفض إيران لسياسة الهيمنة والعدوانية التي تمارسها الولايات المتحدة.

 

وكان من اللافت أن سعيد جليلي، كبير المفاوضين الإيرانيين السابق، هو الذي قاد الخطابة أمام مقر السفارة الأمريكية السابقة في الذكرى الـ 34 لاحتلال السفارة، وقال: "قبل 34 عامًا كشفت امتنا الحقائق للعالم، وأن السفارات الأمريكية مقرات للتجسس ونسج المؤامرات، وقلنا للعالم قبل 34 عامًا أن السفارة الأمريكية كانت مكانا للتجسس والتآمر..واليوم حتى أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة وصلوا إلى الاستنتاج نفسه، وقد أظهر الاستيلاء على وكر الجواسيس للعالم أن الثورة تمضي في المسار السليم".

 

وأضاف جليلي، المرشح المحافظ إلى الانتخابات الرئاسية في يونيو الماضي، ان شعار " الموت لأمريكا" ليس موجها إلى الشعب الأمريكي، بل إلى الإدارة الأمريكية التي تقمع الشعوب الأخرى.

 

وتزامنت الاحتفالات الإيرانية التي غاب عنها روحاني مع استجواب البرلمان الإيراني لوزير الخارجية محمد جواد ظريف حول الجولة الأولى من مفاوضات جنيف النووية ( منتصف أكتوبر الماضي) وانفتاح حكومة روحاني على الأمريكيين. ورد ظريف:" لم نقدم أي تنازلات في السياسة الخارجية".. وأكمل، أن وزارته تتابع سياسة نظام الجمهورية الإسلامية، وبات أعداء إيران في عزلة اليوم، وان بلاده تمكنت من أداء دورها عل الساحة الدولة بأفضل شكل ممكن ومن دون تقديم أي تنازلات.

 

سياسات نيكسون

ورغم كل هذه الأجواء العدائية، ثمة من توقع أن يكرر أوباما إنجاز (ريتشارد نيكسون - هنري كسينجر) في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما انفتحت أمريكا على الصين عبر سياسة ( البنج بونج)، وهو ما كرره الرئيسان (رونالد ريجان - برنت سكوكروفت) و(جورج بوش - جيمس بيكر) والانتصار في الحرب الباردة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين.

 

 ويعتقد هؤلاء أن أوباما يقترب من تحقيق هذا الإنجاز، وهو التحول الكبير في السياسة الخارجية لبلاده في تلك اللحظات الفارقة، مثلما كان الحال مع الصين ونهاية الحرب الباردة.

 

 كل هذا بسبب محادثة هاتفية جمعت الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني على هامش مشاركة الأخير في اجتماعات الجمعية العام للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. ويعزو هؤلاء توقعاتهم إلى أن الولايات المتحدة كدولة تظل اكبر قوة في العالم وبإمكانها تحقيق إنجاز الأمن في منطقة الشرق الأوسط، بما فيه نزع فتيل الأزمات المرتقبة بين سنة وشيعة المنطقة.

 

ولكن السؤال: هل أوباما قادر على تكرار صنيع نيكسون وريجان وبوش؟ فإدارات هؤلاء نظمت حوارات مكثفة مع الصين والسوفييت لطمأنتهم، وحلفاء في أوروبا وخاصة ألمانيا لاستمالتهم.

 

أما الوضع مع إيران فهو مختلف، لأنه إذا فكر أوباما في خطو خطوة واحدة في بادرة أولى نحو إيران، فعليه التأكد أولاً من تعهد المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي بعدم تصنيع القنبلة النووية، مع منع وجود أي إمكانية لحدوث انفجار سريع، رغم أن الرئيس الأمريكي تطرق في كلمته في آخر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي إلى فتوى  غير موثقة  لخامنئي يحرم فيها تصنيع أسلحة نووية.

 

وحسب ما يرى ديفيد أجناتيوس، المحلل السياسي في صحيفة "الواشنطن بوست "، فانه يتعين على أوباما قبل التفكير في الانفتاح على إيران أن يتواصل أولاً مع قادة مجموعة (5+1) وقادة الدول الخليجية وتركيا وإسرائيل.

 

 وطالب أجناتيوس من أوباما توجيه الدعوة إلى القادة الإقليميين لاستكشاف هياكل أمنية جديدة لمنطقة الخليج. ولم ينس المحلل الأمريكي تذكير أوباما بما فعله (نيكسون – كيسنجر) و(ريجان – بوش ) من إدارة عملية انفتاح ممتازة مع الصين مصحوبة بإدارة حوار مع السوفييت لعدم إغضابهم.

 

وبناءً على هذه الخلفية، فعلى إدارة (أوباما – كيري) بلوغ المنعطف الخطير حتى تكون الولايات المتحدة في الطليعة وهذا يتطلب إقناع إيران أن تلطف من أحلامها الثورية، وتكف عن محاولات تدشين "الهلال الشيعي"، لأن الأمر الأهم حاليًا يتمثل في صياغة إطار عمل إقليمي جديد يتلاءم مع الاحتياجات الأمنية للإيرانيين والسعوديين والإسرائيليين والروس والأمريكيين.

 

وعلى الرغم من أن الوضع الأمريكي العام لم يعد متناغمًا لشن حرب واتخاذ قرارات عسكرية حاسمة في ظل تطورات اقتصادية لم تشهدها الولايات المتحدة من قبل، فإن قدرات أوباما تعد محدودة للغاية مقارنة بأسلافه وقت اتخاذ القرارات الصعبة.

 

وربما يقودنا هذا إلى القول بأن الاختراق الحالي، ما هو سوى حراك دبلوماسي أمريكي، أي أن سياسة "تلطيف الأجواء" هي بادرة أمريكية قابلها الطرف الإيراني بدبلوماسية حتى الآن، ولكن بدون إعلان خطوات عملية لتنفيذها أو لتبني خطوات عملية لتطبيع مبدئي للعلاقات.

 

ويتوقف الرد الإيراني هنا على ما اذا كان الرئيس حسن روحاني يحمل تفويضًا من المرشد الأعلى لإنجاز أي اختراق، حتى وإن كان المشروع حتى وقتنا الراهن مجرد مناورة دبلوماسية.

 

ففريق روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، يتبنى رؤية "أن الموقف الأمريكي الخاص بالتلويح بالعصا والضربة العسكرية لم يعد مقنعًا لاحد، في ظل حالة الإفلاس الأمريكي" في إشارة إلى تعرض الميزانية المركزية الأمريكية لنكسة قبل شهرين تقريبًا.

 

 كما أن فكرة كل الخيارات مفتوحة، هي الأخرى لم تعد مقنعة لأحد، لا سيما أن الولايات المتحدة دفعت تكلفة باهظة من ميزانياتها العسكرية وقواتها في العراق وأفغانستان، حتى في خلال عملية (استعادة الأمل) المصغرة للغاية في الصومال، وباءت بالفشل وتسببت بفضيحة للجيش الأمريكي الذي تعرض جنوده هناك للسحل من قبل جنود صوماليين.

 

 وشاع اعتقاد داخل أروقة السياسة الإيرانية بأن أوراق طهران تتنوع وتتعدد، وجميعها قوية ومؤثرة، مقابل أوراق أمريكية ضعيفة.

 

تساؤلنا الأخير: هل يؤدي أي تقارب حقيقي بين إيران وأمريكا إلى تغيير قواعد اللعبة؟.. خاصة إذا كان هذا التقارب يلقي دعمًا من قبل المحافظين في إيران، فهؤلاء المحافظين ومن بينهم الحرس الجمهوري القريب من المرشد خامنئي، قد امتنعوا عن إظهار أي معارضة لمحاولة روحاني الجديدة لاستئناف تواصلٍ بناء مع المجتمع الدولي، خاصة أن روحاني يحرص على أن يُظهر للعالم أن بلاده موحدة خلفه. حتى خامنئي الذي طالما كان معارضًا شرسًا للولايات المتحدة، قد ألقى بثقله خلف روحاني، وبارك على ما يبدو إجراء محادثات مباشرة بينه وبين أوباما إذا سنحت الفرصة على هامش لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم يستثن من هذا توجهات المحافظين القريبين من خامنئي.

 

من الوضح أن إيران بكل قواها – الدينية والسياسية - عانت إرهاقًا شديدًا ومزمنًا جراء الأثار المتزايدة للعقوبات الغربية على اقتصادها الوطني الذي يعاني من التضخم وانخفاض سعر العملة، وهبوط الموارد وانحسار معاملاتها النفطية، وبالتالي فهي ترغب في تسوية سلمية لأزمة الملف النووي تحفظ ماء وجهها وتغير مناخ علاقتها الدولية.. وهو ما سنتابعه لاحقًا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان