رئيس التحرير: عادل صبري 06:05 صباحاً | الأربعاء 23 أغسطس 2017 م | 30 ذو القعدة 1438 هـ | الـقـاهـره 38° صافية صافية

المرجع السيد على الأمين: لا ولاية لإيران على "الشيعة العرب"

المرجع السيد على الأمين: لا ولاية لإيران على الشيعة العرب

ملفات

المرجع الشيعي اللبناني السيد على الأمين

في حوار مع "مصر العربية"..

المرجع السيد على الأمين: لا ولاية لإيران على "الشيعة العرب"

ليس للأزهر مصلحة فى نشر أو محاربة مذهب بعينه

فادي الصاوي 14 مارس 2017 15:36

انتقال المسلم من مذهب لآخر ليس انتقالاً من الكفر إلى الإسلام

مصطلح "الشيعة العرب" منع اختزال الشيعة في المؤيدين للرؤية الإيرانية

روابط المذاهب والأديان لا يجوز أن تكون على حساب الأوطان

المرجعية الدينية تقوم على الكفاءة العلمية لا القومية

بعض المرجعيات تدخّلت عبر الفتاوى بتشكيل القوى العسكرية الموازية للدولة

جهودنا المبذولة في التقريب لا تذهب هباءاً

التطرف حالة طارئة تفتقر أسباب البقاء

 

وسط حالة الانقسام التي يشهدها عالمنا الإسلامي والعربي، يبرز اسم المرجع الشيعي اللبناني السيد "على الأمين" في مقدمة المراجع الذين يحملون راية التقريب بين المذاهب والأديان، معتبرا أن السنة والشيعة أمة واحدة، وأنه "إذا كان التسنن هو الإيمان بسنة رسول الله فكل المسلمين سنة، وإذا كان التشيع حب أهل البيت فكل المسلمين شيعة"، ثم يخلص من ذلك إلى أن المذاهب ليست قدرا لا يمكن تجاوزه.

 

نادى المرجع الشيعي، الذى درس في مدينة النجف العراقية علوم الشريعة الإسلامية، بمدنية الدولة، معارضا تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني، ومنحازا فى مواقفه السياسية إلى عروبته، إذ يشدد على ضرورة بسط سلطة الدولة متحديا بذلك سلطة السلاح. وعلى خلفية مواقفه السياسية هذه، تعرض لهجوم مسلّح على بيته ومقره في مدينة صور، بجنوب لبنان، عام 2008، اضطر على إثره إلى الانتقال للإقامة في العاصمة بيروت.

 

تواصل موقع "مصر العربية"، مع السيد على الأمين، وطرحنا عليه بعض الأسئلة المتعلقة بالقضايا الشائكة التي تشغل بال قطاع كبير من الأمة في هذه الأوقات الصعبة، آملين في أن تشكل رؤيته "نقطة ضوء" تنير الطريق، بعدما زاغت الأبصار وتاهت العقول.

 

وخلال الحوار، كشف السيد "على الأمين" عن رؤيته ورؤية الأزهر للالتحاق طلبة شيعة بالدراسة في الأزهر، كما كشف عن تقييمه لعلاقة إيران بالشيعة العرب، وكيفية الموازنة بين الولاء للوطن والولاء للمذهب، كما أوضح أسانيد موقفه الرافض لوجود أحزاب سياسية على أساس ديني.. وغيرها من القضايا الشائكة والملتبسة..

 

 

  وفيما يلي نص الحوار:

 

* قبل أقل من قرن بقليل، كان التقريب بين "السنة والشيعة"، هو حديث الساعة، فيما أصبح واجب الوقت الآن هو "منع اقتتال السنة والشيعة"، كيف وصلنا إلى هذا الوضع المؤلم؟

-في تلك الفترة الزمنية من القرن الماضي قامت نخبة من المفكّرين والعلماء المصلحين في الأمة الإسلامية بمساعي التقريب بين "السنّة والشيعة" وقد ارتبطت تلك المرحلة بعصر النهضة الذي شهد أفكاراً تنويرية وإصلاحية هادفة لتحرير الأمة من الإستعمار وإبعاد رواسبه وشبهاته عن الإسلام، وقد أدركت تلك النخبة بعد سقوط الدولة العثمانية أن صراع الأمة مع الإستعمار هو صراع يستهدف ثقافتها التي يشكل الإسلام الجزء الأساسي منها بدون تفريق بين مذاهبها وطوائفها، وإسقاط تلك الثقافة يعني إسقاط الأمة بأسرها وإبقاءها إلى الأبد بأيدي الإستعمار، وأدركت تلك النخبة الواعية أيضاً أن المواجهة الناجحة لمشاريعه الهدّامة لا تكون إلا بجعل الوحدة في الأمة أساساً في مواجهته، ولذلك برز الإهتمام بعمليات التقريب على صعيد الأوطان والمذاهب والطوائف.

 

وبعد سقوط الإستعمار ورحيله عن الديار الإسلامية وتقسيمها إلى أوطان ودول لم تغب فكرة توحيد الأمة، وقد بقيت قائمة في النفوس والأذهان مؤثرة في عملية البناء الداخلي تمهيداً لاسترجاع الأمة لوحدتها الكاملة. وهذا يعني أن وحدة الأمة كانت في طليعة القضايا والإهتمامات التي تجمع أبناءها.

 

وأما التراجع الذي حصل أخيراً فهو بسبب الإنكفاء عن قضايا وحدة الأمة ودخول الأحزاب الدينية والدول في صراعات السلطة والنفوذ، وهذا ما استدعى ظهور العناوين الطائفيّة والمذهبية، لاستقواء كل فريق بالعصب الطائفي أو المذهبي لجمع المزيد من الأنصار والأتباع لتحقيق طموحاته السلطوية باستغلال اسم الدين والمذهب، ومع حصول الإصطفافات الطائفية والمذهبية تضعف وتغيب محاولات التقريب على الصعد الوطنية والمذهبية في الأمة.

 

*فتوى الشيخ شلتوت، بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، لم يبنَ عليها، لا من السنة ولا من الشيعة، بل أن الطلاب الشيعة والزيدية الذين كانوا يتنقلون في أروقة الأزهر، اختفوا تماما، كيف تقرأ ذلك؟

-إن فتوى شيخ الأزهر الشريف الإمام الشيخ شلتوت رحمه الله كانت خطوة متقدمة في عملية التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن أجل أن يستمرّ تأثيرها وفاعليتها كان المطلوب متابعتها من المرجعيات الدينية في الأزهر الشريف وصدور أمثالها من مرجعية النجف الأشرف، وهذا لم يحصل، وقد بحثت قبل سنوات عديدة مع الشيخ سيد طنطاوي رحمه الله مسألة إرسال طلاب شيعة من لبنان وغيره للدراسة في الأزهر ووافق على ذلك.

 

وبحسب اطلاعي فإن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب هو من المؤيدين لهذه الفكرة، وقد قال مرات عديدة بأن الشيعة والسنّة هم جناحا الأمّة، وهم إخوان، وأكد ذلك لدى زيارة أندونيسيا في العام الماضي برفقته مع مجلس حكماء المسلمين الذي يرأسه وقال إن الأزهر حين يدعو للوحدة لا يعني تبني مذهب بعينه ولا محاربة المذاهب الأخرى فحين ينادى بوحدة المسلمين فإنه يدعو إلى التعايش بين كل المذاهب وما أظن أحداً يعرف دور الأزهر عبر التاريخ ثم ينتظر أن يحارب الأزهر مذهبا بعينه فليس للأزهر مصلحة فى نشر مذهب بعينه أو محاربة مذهب بعينه.

 

 

*​كيف يمكن أن نجنب المذاهب، والدين عامة، خطيئة الزج به في معارك السياسة والمصالح؟

- في اعتقادي أن من أهم الوسائل لإبعاد مجتمعاتنا وشعوبنا عن الصراعات الدينية والمذهبية أن تعيد دولنا النظر في قانون تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو مذهبي، لأن قيام تلك الأحزاب على أسس دينية ومذهبية يساهم إلى حد كبير في الفرز الديني والمذهبي لأبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة، ويدخل الدين في صراعات السياسة والسياسيين ويفتح الطريق لاستغلاله في تحصيل المكاسب الدنيوية والطموحات السلطوية، ويجعل من تلك الأحزاب الممثل الوحيد أو الأقوى للدين أو المذهب، وهذا مما يضعف دور المرجعيات الدينية العاملة على التقريب وجمع الكلمة، ويؤدي هذا إلى انقسامات داخلية بسبب اصطفاف جمهور كل حزب وراء حزبه من خلال الشعارات الدينية والإنتماءات المذهبية، وليس من خلال المطالب الحياتية للشعب وقضاياه الوطنية.

 

*​تعتبرون "وحدة الأمة" مقصدا سادسا من مقاصد الشريعة. . هل من الممكن أن توضحوا للقراء هذه المسألة؟

-قال بعض الفقهاء كالشاطبي وغيره رحمهم الله بوجود مقاصد للشريعة وتبعهم على ذلك جملة من أهل الفكر والقلم.

وينطلق البحث في هذه المسألة من الإعتقاد بأن وراء الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات مصالح تعود على العباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولا شك في وجود مقاصد وأغراض من الأحكام الشرعية الجزئية والكلية، لامتناع العبث في ساحة التشريع كامتناعه في ساحة التكوين بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، فكما أن الله تعالى خلق الإنسان لمصلحة تعود على الإنسان نفسه، كذلك أرسل له الرسل والشرائع معهم لما يعود عليه بالمصلحة، لأن الله تعالى هو الغنيُّ، ولكن البحث عندهم في هذا الباب كان عن المقاصد الكلية التي ترجع إليها تلك التشريعات الكلية أو الجزئية. وقد أنهاها الشاطبي وغيره إلى خمسة مقاصد كلية وهي ترجع إلى : حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل.

 

وهذا التعداد ناشئ من تتبع أحكام الشريعة ومحاولة فهم الأسباب الداعية إليها، فوجدوا أنها ترجع بمجموعها إلى هذه المقاصد الخمسة.

ونحن قد ذكرنا في بعض المقالات أن الحصر بهذه الخمسة لا دليل عليه سوى استقراء موارد اهتمامات الشريعة الكلّية، وهذا لا يمنع من إضافة أمور أخرى إليها كالحرية والعدالة وحقوق الإنسان من منظور إسلامي إذا ساعد عليها الدليل الإستقرائي بمعيار الإهتمام المتقدم .

 

وعلى هذا الأساس فلا مانع من أن تكون وحدة الأمة من مقاصد الشريعة الأساسية باعتبار شدّة اهتمام الشريعة بها كما يستفاد من نصوص عديدة من الكتاب والسنّة، وهذا المقصد-وحدة الأمة- مما يفتح الباب نحو إعادة النظر في كثير من الأحكام التكفيرية التي تقسم الأمة شيعاً وأحزاباً ورفضها لمنافاتها لمقصد من مقاصد الشريعة، بل لأهم مقصد من مقاصدها، فإنه بدون الحفاظ على هذا المقصد لا يبقى مجال للحفاظ على المقاصد الأخرى للشريعة.

ويعتبر الفقه المقاصدي منهجاً يعتمد عليه عند كثيرين في أبحاثهم الفقهية، وهو يساعد على تجاوز الجمود والتّمسّك بحرفية النصوص للوصول إلى الجوهر والمضمون .

 

*​في الآونة الأخيرة صعدت للسطح أزمة ما يسميه البعض "نشر التشيع في المجتمعات السنية"، كيف تقيمون تلك الأزمة؟

-نحن كان لنا موقف منذ سنوات عديدة رفضنا فيه ما يسمى بالدعوة إلى المذاهب لأنها تحدث الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، وهو أمرٌ لم يعتمده السلف الصالح من الأئمة والعلماء، وهذا العمل يعتبر من إدخال المذاهب في عالم السياسة، وليس له علاقة بنشر الدين وأحكامه، لأن الدين الإسلامي هو النهر العظيم الذي يجمع بين ضفتيه كل المذاهب التي تشكل مصدراً لثروتنا الفكرية والفقهية وكلها تعبر عن آراء واجتهادات العلماء في فهم النصوص الشرعيّة .

 

وليس لهذا النحو من الدعوات أي مردود من الناحية الدينية لأن انتقال المسلم من مذهب إلى مذهب آخر هو كنقل الماء من ضفة النهر إلى الضفة الأخرى وليس انتقالاً من الكفر إلى الإسلام، ولا انتقالاً من الفسق إلى الإيمان!. وقد ذكرنا في مناسبات عديدة ردّاً على تلك الدعوات أن التّسنُّن إذا كان بمعنى الإلتزام بسنّة رسول الله فكل المسلمين سنّة على اختلاف مذاهبهم، وإذا كان التشيُّع يعني حبَّ أهل البيت فكل المسلمين شيعة، فالواجب هو العمل على تقارب المسلمين ووحدتهم وليس العمل على ما يفرّق شملهم ويشتت صفوفهم.

 

*​مصطلح "الشيعة العرب" بات أحد المفردات الشائعة مؤخرا، ألا يحمل ذلك المصطلح تعسفا في تقسيم ما هو مقسم بالفعل؟

-لقد ورد هذا المصطلح "الشيعة العرب" في ظل الإحتقانات الطائفية التي نتجت عن دخول إيران في صراعات على الساحة العربية واتخاذها لأحزاب ذات طابع طائفي لدعم نفوذها فيها، ونتيجة لتصادم تلك الأحزاب مع حكومات بلادها اتسعت رقعة الخلاف بين إيران وتلك الدول ، ومنعاً لاختزال الشيعة بالمؤيدين للرؤية الإيرانية ولد هذا الاصطلاح "الشيعة العرب" للتنبيه على خطأ السياسة التي تجعل الشيعة في سلّة واحدة، وتنبيهاً لبعض الدول بلزوم العمل مع الشيعة على أساس أنهم جزء لا يتجزّء من شعوبهم وأوطانهم، وهذا مما يقطع الطريق على اللعب بالوتر المذهبي الذي يؤثر على اللحمة الوطنية، ولذلك فإن المطلوب هو العمل على عودة تلك العلاقات إلى طبيعتها بين إيران وجيرانها من الدول العربية، وأن تقوم تلك العلاقات بينها على قاعدة الأخوة الإسلامية والإحترام المتبادل وحسن الجوار.

 

* علاقة "إيران" بالشيعة العرب من الملفات الشائكة، كيف ترون تلك العلاقة في ظل جدلية "وطنية الدولة" و"أممية المذهب"؟ وأين تبدأ حدود الدولة؟ وإلى أي مدى تصل "أممية المذهب".

-المطلوب أن تكون علاقة إيران مع الدول العربية وليس مع جماعة من هذه الطائفة أو حزب من تلك الطائفة، وارتباط بعض "الشيعة العرب" بها سياسياً لا يعني ارتباط كل "الشيعة" بها من عرب وغير عرب، وإيران بوصفها دولة ليس لها ولاية على غير شعبها وضمن حدودها، شأنها في ذلك شأن كل الدول في العالم، وأما العلاقة المذهبية فهي من الروابط الدينية والثقافية التي توجد بين الشعوب وترعاها الدول، ولا تكون على حساب الأوطان والدول، وقد كانت هذه الروابط موجودة قبل النظام السياسي الحالي في إيران ولم تؤثر على ارتباط الشيعة العرب بقومهم وأوطانهم ودولهم، ونحن نقول إن روابط المذاهب والأديان لا يجوز أن تكون على حساب الأوطان.

 

ولكن الذي حصل في عهد النظام الحالي في إيران هو استغلال تلك الروابط في عالم السياسة من خلال إيجادها لأحزاب في بعض تلك الدول ارتبطت سياسياً بالرؤية الإيرانية، وهذا في اعتقادنا مما أضرّ بعلاقة إيران بجوارها العربي، وهو مما ولّد تلك الإحتقانات الطائفيّة التي تعود بالضّرر على الأمة كلها.

 

 

*فكرة "المرجعية الشيعية العربية" إلى أين وصلت؟ وهل الاستثمار فيها والعمل عليها ذو جدوى؟

-المرجعية الدينية لا تقوم على أساس قومي، وإنما هي تقوم في الأصل على الكفاءة العلمية، وهي تعبير عن مرجعية العلماء ذوي الاختصاص الذين  لا ينحصرون بشخص أو مكان، وقد كان التعدد موجوداً فيها بين العرب وغيرهم منذ ظهورها، وهي -المرجعية- لم تؤثر سلبياً في الماضي على الشيعة في علاقاتهم بأوطانهم واندماجهم في مجتمعاتهم لأن دور المرجعية -على تعددها- كان بعيداً عن الدخول في مسائل السلطة والصراع عليها ، وكان يقتصر على الدور الثقافي والفقهي والمتضمّن لتوجيه أتباعها بالمحافظة على أوطانهم وترسيخ العلاقة مع محيطهم.

 

 ولكن الذي حصل أخيراً-بعد وصول مرجعية الإمام الخميني في إيران إلى السلطة- هو دخول بعض المرجعيات الدينية في العمل السياسي المباشر ومحاولة سيطرة النظام الجديد في إيران والأحزاب الدينية والطائفية على موقع المرجعية لأغراض الدعاية والنفوذ الحزبي خدمة لمشاريعها السلطوية وارتباطاتها الخارجية، ولا شكّ بأن ارتباط المرجعية الدينية بأوضاع السلطة السياسية والحزبيّة في أماكن تواجدها جعلها في كثير من الأحيان داعمة لسلطة الأحزاب وداعية إليها، بل تدخّلت عبر الفتاوى بتشكيل القوى العسكرية الموازية للدولة، كما حصل في دعوة مرجعية السيد السيستاني لتشكيل الحشد الشعبي في العراق بعنوان الجهاد الكفائي وصمتها عن دخول أحزاب شيعية من العراق وغيره في القتال على الأراضي السوريّة بفتاوى دينية وتحت شعارات طائفيّة، ومن المعلوم أن فتاوى الجهاد في الحروب الداخلية من طرف تستتبع الفتاوى المضادّة لها من الطرف الآخر، وهذا ما يسقط العناوين الطائفية والمذهبية على الصراع بين المتقاتلين.

 

ولم يظهر من هذه المرجعيات الموجودة في المنطقة العربية معارضة لسياسة إيران في الداخل والخارج إن لم نقل بأنها مؤيدة لها، وهذا مما أكد الإنطباع بوقوع هذه المرجعية تحت تأثيرها، وبذلك تفقد المرجعية صفة الإعتدال، وتبتعد عن دورها التاريخي في الإهتمام بالعلوم الدينية وتبليغها وتجنّب الدخول في صراعات السلطة والسياسة خصوصاً تلك الصراعات ذات الطابع الطائفي التي تشكل خطراً على الوحدة الوطنية ووحدة الأمّة، وهذه الأمور هي التي أدّت في زماننا لطرح فكرة "المرجعية الشيعية العربية" بالمعنى الذي يجعلها بعيدة عن التجاذبات السياسية وعن التوظيف في الصراعات الإقليمية.

 

* كنتم طرفا أساسيا في صياغة العديد من الوثائق الفكرية والدينية، التي صدرت مؤخرا عن التسامح والمواطنة وغيرها من الأمور البراقة، لكن الواقع يزداد قتامة، فأين يكمن الخلل؟

-لا شك أن هذه المؤتمرات وما يصدر عنها من وثائق تساهم في تخفيف الإحتقانات الطائفية في المنطقة، وتعطي صورة واضحة للمفاهيم المطروحة فيها، وترفع من مستوى الوعي لدى الجمهور، ولكن هذا وحده لا يعتبر كافياً،  بل نحتاج إلى تحويل تلك الأفكار عن الحوار والمواطنة والإعتدال والحريّة وغيرها من العناوين إلى قوانين ومدارس وكتاب وبرامج تعليمية تتخرج منها الأجيال المؤمنة بها تنطبع تلك الأفكار في سلوكياتها، وهذا ما يحتاج إلى دور الدول ومساعدتها في هذه المجالات.

 

* ​ألا تشعرون بالأسى والإحباط، وأنتم تمثلون ركنا أساسيا من تيار شيعي تبنى فكرة التقريب والتعايش مع الآخر، فيما بات الفريق الأكثر تشددا وانعزالا هو الأكثر جماهيرية وقبولا؟

- أنا لا أشعر بالإحباط ما دمت أقوم بواجب السعي إلى ما يجمع كلمة الأمة ويبعد عنها الفتن، وعلى الرغم من وجود التشدّد فإني أرى انتشاراً لفكرة التقريب بين المذاهب والحوار بين الثقافات والأديان، وهذا يعني أن الجهود المبذولة لا تذهب هباءاً، وهذا مما يزرع الأمل في النفس بنجاح خطاب الإعتدال  والتعايش السلمي، لأن التطرف حالة طارئة، وهي تفتقر إلى أسباب البقاء والإستمرار، لأن منطقتنا عاشت قروناً مع تعدد المذاهب الفقهية والطوائف الدينية بعيدة عن الصراعات والعداوات بين مختلف المكونات، وما كان ممكناً في الماضي القريب والبعيد يبقى ممكناً في الحاضر والمستقبل:

معاً عشنا بهذا الشّرق دهراً  :  ولن نرضى بغير الحبّ دينا

 

* تطرحون دوما فكرة التعويل على رجال الدين لوقف نزيف الدم في سوريا واليمن والعراق، لكن أليس رجال الدين هم أنفسهم من ساهم في إشعال فتيل تلك الحروب؟

-نحن لا ننكر وجود من ابتعدوا عن مقاصد الشريعة في وحدة الأمة من رجال الدين الذين ازدادت النار اشتعالاً بفتاواهم الجهادية بالإنتصار لفريق ضد آخر، وقد صبغوا بفتاواهم تلك الصراعات الدنيوية على السلطة والنفوذ بالصفة الدينية والمذهبية، ولكن هذا لا يعني عدم وجود رجال دين آخرين عملوا ويعملون على إطفاء نار الفتنة بدعوتهم إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم تنغمس أيديهم وألسنتهم بسفك الدماء وصنع الفرقة والبغضاء بين بني البشر، هؤلاء هم من يمثلون مبادئ الدين في الإعتدال والتسامح، وهم من العاملين على مواجهة خطاب التطرف وإبطال حجج الإرهاب والإجرام باسم الدين، وهؤلاء من نقصدهم، وندعو إلى وجوب مساعدتهم ومؤازرتهم في دعوتهم لجمع كلمة الأمة ونشر ثقافة الحوار والسلام بين الشعوب.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان