رئيس التحرير: عادل صبري 12:08 مساءً | الاثنين 28 مايو 2018 م | 13 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

الفكر المستورد يشعل الطائفية باليمن

لم تكن صراعات اليمن أبدًا طائفية

الفكر المستورد يشعل الطائفية باليمن

الطائفية باليمن حرب بالوكالة بين ثقافة تدعمها إيران وتدين سلفي تدعمه دول الخليج

ميساء شجاع الدين 12 نوفمبر 2013 18:38

الحرب الطائفية في صعدة باليمن، ليست مفاجئة، ولا وليدة لحظة مباغتة، ولا قدرًا خاصًا باليمنيين، بل صناعة بدأت منذ عقود عندما بدأت الدولة اليمنية برعاية معاهد دينية بمناهج سلفية متشددة وبأجندات سياسية متطرفة في منتصف السبعينيات وبتمويل سعودي، ثم دعمت أخرى بورود مناهج سياسية متشيعة في التسعينيات بميل لإيران ثم بتمويل منها.

 

كل هذه العوامل أسست لتكوين شبح الطائفية في اليمن الذي يتضخم ويتغول بمرور الوقت، ولا يجدي معها إعلانات وقف إطلاق النار، بحسب المبعوث الأممي جمال بن عمر، حيث امتلكت الصراعات الطائفية في اليمن أدوات الدفع الذاتي الداخلية والخارجية والمطلوبة لإشعال فتيل الحرب مجدداً.

 

شيعة السنة وسنة الشيعة


الحرب الطائفية لم تكن يوماً قدراً على اليمنيين في بلد تعايش سنته وشيعته طويلاً دون مظاهر عداء أو حتى فصل في الصلاة أو الزواج، وما يؤكد هذا أن اليمن عرفت حروباً مناطقية وقبلية، لكن ليست طائفية سوى مؤخراً.

 

وهذا ربما يعود لطبيعة المذهب الزيدي، فالمذهب مذهب شيعي معتزلي يتقارب كثيراً مع المذاهب السنية، ويتضح هذا في نظرة السنة والشيعة لهذا المذهب. فالزيديون يسمون بسنة الشيعة أو شيعة السنة. وأبرز ما يمايز المذهب الزيدي كجناح حركي للفكر المعتزلي الذي يؤمن بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو اعتناقه لهذه الفكرة بمفهومها السياسي المسلح، أي ضرورة الخروج أو التمرد على الحاكم الظالم؛ مما جعل منها طائفة مقاتلة لا تؤمن بكل تأكيد بمبدأ التقية.


وبجانب هذا، يمكننا الإشارة لطبيعتها المعتزلية العقلية التي لا تجعلها تؤمن بمعتقدات العصمة والإمام الغائب.

 

وقد كان الإمام زيد، مؤسس المذهب الزيدي، يؤمن بصحة المفضول في حالة وجود الأفضل، أي يعتقد بشرعية خلافة الأئمة السابقين للإمام علي، فمن هذا الباب، كانت إمامة الأقل معتبرة شرعًا؛ حيث لا يشترط نسب آل البيت.

 

الأمر تغير قليلاً عندما جاء الإمام الهادي للحق، الذي أدخل الزيدية لليمن، واستوطن صعدة عام 879 م، ومن ثم حكم اليمن لفترة قصيرة، حيث استبدل فكرة صحة ولاية المفضول بأخرى، مشترطاً أن يكون الإمام من آل البيت، نافياً شرعية إمامة المفضول في حالة وجود الأفضل، هذا لم يمنع الطبيعة المعتدلة للمذهب تجاه الصحابة، مما سهل عملية تعايشه مع مجتمع غالبيته سنة، بل وحكم هذا المجتمع في فترات منقطعة، حتى صار "الزيدية" مذهب حكام اليمن منذ نجاحهم في طرد العثمانيين عام 1636م، واستطاعوا بعدها حكم اليمن موحداً مدة مائة عام، بعدها غرقت البلاد في الفوضى وتمزقت لدويلات صغيرة، لكن ظل الزيود القوة السياسية الضاربة والمترسخة بالسلطة شمالاً، ثم كانوا مرة ثانية ورثة الحكم العثماني عندما خرجوا من اليمن في الشمال بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى عام 1918م؛ حتى ثار اليمنيون ضد حكم الإمامة الزيدية عام 1962م.

 

معقل الزيدية في مواجهة سلفية متشددة


اليمن دولة تتعدد فيها الطوائف، ويتشكل مجتمعها من طائفتين أساسيتين: سنة شافعيون يمثلون غالبية بسيطة، وشيعة زيود يمثلون ما يقارب 35% من عدد السكان، مع أقليات أخرى من الإسماعيليين واليهود، في هذا التعدد المذهبي والديني تقع صعدة كعصب حساس وساحة حرب شعواء عندما تنعدم قيمة التسامح.

 

الطبيعة القتالية للمذهب الزيدي بحكم إيمانه أو ربما تشجيعه لمبدأ الخروج على الحاكم، أدى لانتشاره ضمن المنطقة القبلية الطامحة للدور السياسي، لذا تمركزت في المناطق التي تقع شمال صنعاء وجنوبها، وهو ما كان يسمى باليمن الأعلى، وهذا تقسيم تاريخي مختلف عن التقسيم السياسي الحديث بين اليمن شمالاً وجنوباً، إذن التقسيم أخذ شكلاً مناطقيًا وليس فقط طائفيًا.

 

كذلك أخذ الانقسام طابعًا قبليًا، عندما صارت أكبر قبيلتين في اليمن: "قبيلة بكيل" و"قبيلة حاشد" جناحي الإمامة الزيدية.

 

كما أخذ الانقسام طابعًا عرقيًا، عندما تمايز اليمنيون اجتماعياً بين قحطاني (نسبة لقحطان جد عرب الجنوب)؛ بينما ينتمي الهاشميون لجدهم عدنان الذين انحصر حق الإمامة فيهم.

 

بين كل هذه الانتماءات؛ كان الانتماء الطائفي هو الأقل شأناً وأهمية في كل صراعات اليمنيين، ولعل أقوى تعبير عن هذا الاتجاه الثقافي العام ما نلمسه في أدبيات المعارضة ضد الإمامة التي ركزت في كثير منها على التمايز العرقي، ثم معركة الثورة التي استمرت قرابة سبع سنوات منذ 1962 - 1969، وكانت القبائل الزيدية رأس الحربة فيها، وكان منها مخزون المقاتلين في كلا  الطرفين الإماميين - الملكي أو الجمهوري.

 

ثم تداخلت الأمور أكثر، عندما تخلت السعودية عن الطرف الإمامي - الملكي الخاسر، واتجهت لدعم القبائل الجمهورية في تحالف جديد ضد النظام الماركسي بالجنوب، هكذا توجهت السعودية لدعم قبيلة حاشد الزيدية، لأنها أكثر تنظيماً، وتمتلك قيادة موحدة وذات حضور جيد داخل الجيش، كذلك بدأت المعاهد الدينية بتمويل سعودي ومناهج سلفية في التأسيس عام 1974م.

 

تلا هذا الوضع حدوث تطور إضافي بتأسيس معهد دار الحديث السلفي في دماج بصعدة التي ينتمي كل سكانها للزيدية وتعد معقلهم التاريخي، ففي دماج أسس الشيخ هادي بن مقبل الوادعي، هذا المعهد بعد عودته من السعودية عام 1978م، وهو زيدي ينتمي لأبناء المنطقة، لكنه عاد متشبعاً بالأفكار السلفية بعد سفره للسعودية التي رحل منها بعد سجنه 3 أشهر، بحجة أنه من جماعة جيهمان العتيبي، الذي احتل الحرم المكي عام 1979م، وبعد السجن عاد لليمن - فيما يقال - باتفاق مع السعودية لتمويل مركزه في صعدة.

 

بدأ الزيود في استشعار خطر تلك المعاهد الدينية المنتشرة في مناطقهم، وتسنن جزء من أبنائهم، وكانت أول محاولة جادة لمواجهة ذلك هو تأسيس منتدى الشباب المؤمن عام 1990 كمخيم تعليمي- ديني صيفي للشباب، ومن هذا المنتدى خرجت جماعة متأثرة بشعارات الثورة الإيرانية وحزب الله، وهي جماعة سميت فيما بعد بالحوثيين.

 

صعدة.. موعد جديد مع الحرب


ظلت صعدة محور حرب السبع السنوات بعد ثورة 1962م، ثم تم تسليمها للدولة بعد هزيمة القوات الملكية عام 1979م، لكنها لم تنهزم في القتال، بحكم طبيعتها الجبلية وترسخ الطابع المذهبي في سكانها، ظلت صعدة خارج الدولة اليمنية حتى عام 1980م؛ عندما تم تعيين أول محافظ لها وتعبيد الطريق بينها وبين صنعاء عام 1979م؛ لتدخل صعدة المعزولة للمجتمع اليمني، وتتأسس فيها المدارس الحكومية والمستشفيات.

 

وبحسب الرواية الرسمية التي لا نعرف غيرها، في عام 2004م بعد غزو العراق، حضر الرئيس السابق علي صالح، صلاة الجمعة، في أحد المساجد، وبعد انتهاء الصلاة، رددت جماعة من المصلين صرخة الحوثي الشهيرة: "الله أكبر.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود.. النصر للإسلام"؛ مما سبب الحرج للرئيس المتحالف مع أمريكا في حربها ضد الإرهاب، وشنت الحكومة أول حروبها على الحوثيين في صعدة عام 2004م، وقتل أثناءها زعيمهم الأول حسين الحوثي.

 

استمرت الحرب ست سنوات بست دورات قتالية متقطعة، بدأتها جماعة الحوثيين بداية دفاعية، ثم اتجهت للتوسع، حيث توسع نطاق الحرب في الدورة السادسة عام 2010م، حتى شمل أجزاء من الأراضي السعودية، وتدخل فيها الجيش السعودي.

 

 في الواقع، كانت هناك رغبة سياسية من السلطة في استمرار الحرب، فعلي عبدالله صالح كان يريد التخلص من رجل الجيش القوي، علي محسن صالح، لأنه وقف حجر عثرة أمام مشروع التوريث، هكذا سعى صالح للزج به في الحرب واستنزافه، وساعده في ذلك طبيعة ارتباطات الرجل بالقوى الجهادية والسلفية؛ مما أدى لانخراطه بالحرب بحماسة وسهولة.

 

انعطافة جديدة


باندلاع الانتفاضة الشعبية في اليمن عام 2011م؛ دخلت البلاد منحنى جديدًا، حيث شارك الحوثيون في الثورة، مشكلين فصيل "أنصار الله"، وهنا بدأ الحوثيون في اتخاذ خطين متباينين، خط إحكام السيطرة على صعدة كجماعة دينية حاكمة تمارس دور السلطة السياسية، جراء غياب الدولة وفراغ السلطة، بسبب الأحداث التي شهدتها البلاد أثناء الثورة، وخط سياسي سلمي يتبنى شعارات الدولة المدنية في صنعاء؛ سواء أثناء الثورة أو بعدها بانخراطهم في مؤتمر الحوار الوطني.

 

ومع اندلاع الثورة السورية وتسلحها وتحول جزء منها للقتال بطبيعة طائفية، انعكس هذا وبشدة على اليمن، وانتقلت هذه الحمى الطائفية الإقليمية لليمن، وكانت صعدة وتحديداً منطقة دماج أحد أبرز مناطق الاحتكاك.

 

دماج، قرية محاطة بالجبال تقع جنوب شرق مدينة صعدة ضمن محافظة صعدة، وبتأسيس معهد "دار الحديث"، صارت دماج مركزًا للسلفية المتطرفة؛ يقصدها طلاب من جميع أنحاء العالم، مثل مصر والشيشان وفرنسا.

 

 هذه القرية صارت إحدى بؤر التوتر الكبرى بحكم الطبيعة الطائفية لكلتا المجموعتين: "طلاب دار الحديث بدماج" من جهة، و"الحوثيين" من جهة أخرى، مع تفاوت ميزان القوة الذي يصب في صالح الحوثيين.


 
وتعرضت دماج للحصار لأول مرة من قبل الحوثيين في ديسمبر عام 2011م، حيث يعد الحوثيون في تلك المنطقة، هم القوة التي تمتلك الغلبة في العدد والسلاح، فضلا عن الميزة الجيواستراتيجية؛ حيث تتحرك ببعدها الجغرافي والاجتماعي والتاريخي الطبيعي ضد فصيل غريب بعض الشيء.

 

ويلعب هنا الطرفان حالة حرب بالوكالة، ففي الوقت الذي يتلقى فيه الحوثيون دعمًا ماليًا من إيران، يقابله دعم مادي خليجي سخي لقيادات السلفية في دماج

 

جولة المواجهة الأخيرة


هكذا وبدون مفاجآت، اندلعت هذه الجولة القتالية الأخيرة بين طرفين متشابهين إلى حد القتل، بعد احتقان الأجواء الطائفية في اليمن، بسبب خطاب زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، بمناسبة احتفال عيد الغدير (يوم 23 من أكتوبر؛ حيث صرح فيها الحوثي بأحقية آل البيت للحكم، وكان هذا أول تصريح بعد ما كان الأمر لا يتجاوز سوى التلميح.

 

والمراقب للوضع الطائفي المستحدث في اليمن، يلحظ أن هذه المواسم القتالية في صعدة تتحول لقضايا ابتزاز ومزايدة في صنعاء المنكوبة بنخبتها المشغولة بالتسويات والمكاسب القصيرة الأمد.

 

فها هي الحكومة اليمنية تقف عاجزة بلا حراك؛ بينما تصدر أحزاب اللقاء المشترك بياناً، تندد فيه بما يجري وكأنها ليست أحزابًا موجودة في السلطة.

 

هذه المواسم تكشف الوضع اليمني على عدة مستويات، فمن الناحية السياسية، يتبدى الغياب الهائل للدولة أولاً، ويظهر الضعف النسبي للقوى السياسية الموجودة بالبلاد من ناحية ثانية، ومن ناحية ثالثة، يلحظ المراقب عدم امتلاك أي من القوى السياسية لمشروع وطني واضح، ومن الناحية الثقافية نلمس حالة انكشاف أخلاقي لمجتمع سمح وعيه وضميره بمرور كل هذا التطرف أمامه حتى تغول، ثم وقف المجتمع متفرجاً على هذه المحرقة الكبرى.

 

ومن ناحية رابعة، نلفت للانكشاف السياسي أمام العالم الخارجي في بلد هش معرض لتدخلات إقليمية طائفية متعطشة للدماء تتخفى وراء اسم الله.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان