رئيس التحرير: عادل صبري 01:10 مساءً | الأربعاء 18 يوليو 2018 م | 05 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الكنيسة وأزمة سؤال الهوية في لجنة "الخمسين"

الكنيسة وأزمة سؤال الهوية في لجنة "الخمسين"

وسام فؤاد 08 نوفمبر 2013 08:49

أحد أبرز الاتهامات التي توجهها القوى المساندة للانقلاب العسكري في مصر للرئيس "مرسي" تمثلت في قيامه بتنصيب نفسه حارسا للديانة الإسلامية. يبادر هذا الاتهام بالحضور للذاكرة عند رصد موقف الكنيسة المعلن من مواد الهوية الواردة في باب المقومات الأساسية للدولة في الدستور الذي يجرى إعداده تحت سقف الانقلاب؛ بخاصة إضافة تفسير كلمة مبادئ الشريعة.


فالصراع الدائر على مواد الهوية قوامه موقف الكنيسة الذي يتمثل في رفض ما وصفته بأنه حالة سلفية تسيطر على باب المقومات الأساسية للدولة، يأتي هذا بالرغم من أن موقف الأزهر مؤيد لهذه المادة، وهو موقف لا يمكن وصفه بأنه سلفي بأي حال من الأحوال بالنظر لغلبة الاتجاه الوسطي بعقيدته الأشعرية على كل مواقف الأزهر.


ويعتبر موقف الكنيسة أحد تيارين؛ ينظر ثانيهما للإسلام باعتباره أساس الحضارة التي تحيا المسيحية الشرقية في ظلها، حيث يرى مفكرون أمثال الراحل أنور عبد الملك والمفكر رفيق حبيب وغيرهما أنهم مسلمون حضارة مسيحيون دينا. بينما يبدو الموقف الثقافي للكنيسة رافضا لأحادية الهوية الإسلامية المصرية، أما الموقف السياسي فيدعو لاعتبار مصر دولة مدنية على الأقل؛ إن لم تكن علمانية. وهذه كلها تصورات وجودية لجماعات فرعية ضمن النسيج العام للوطن الجامع: مصر؛ تحتاج حوارا جادا بشأنها.


أين تقف الكنيسة المصرية
في هذه الدائرة المتمثلة في مسألة إعداد مثل هذا الدستور، وفي سائر المواقف المشابهة التي تنطوي على حصول الأقباط على أية مكاسب مهما كان نوعها ومستواها، في مثل هذه المواقف تلعب الكنيسة دور جماعة الضغط التي يفترض بها أن تحمي حقوق أعضائها ومنتسبيها بصرف النظر عن تقويم الخبراء لجدوى ضغوط الكنيسة فيما يتعلق بمسألة الهوية، وهل إنكار الهوية الإسلامية لمصر سيؤدي لتحسين وضع أقباط مصر أم يضرهم ويضر معهم تماسك المجتمع المصري.


وتعتبر الكنيسة المصرية فاعلا سياسيا مهما، حيث لا يشترط في الفاعل السياسي أن يكون حزبا أو مؤسسة سياسية رسمية أو غير رسمية، وبجانب كونها فاعلا سياسيا مهما؛ فإنها تباشر مهام الدفاع عن رؤيتها لمصالح الأقباط، وتقوم في هذا الإطار بتوجيه سلوكهم بشكل عام وسلوكهم السياسي على وجه الخصوص؛ على نحو ما حدث إبان 25 يناير بمنع الأقباط من مساندة الثورة، أو إبان أحداث 30 يونيو بتحفيز الأقباط على النزول لميدان التحرير. ولا تقف قدراتها على التأثير على التوجه الرسمي للدولة عبر دورها التعبوي بين الأقباط، بل تمتلك جماعة ضغط قوية في الولايات المتحدة التي تعتبر القوة الأكبر على الصعيد العالمي.


وإذا كانت الكنيسة لاعبا سياسيا، وإذا كانت تلك هي أهم أوراق ضغطها، فإن فكرها السياسي هو ما يحدد وجهة توجيه ضغوطها، ومسارات توجيه مؤيديها (شعبها). وفي قضيتنا هنا نجد أن التوجه الحاكم لرؤية الكنيسة أن مصر ينبغي أن تكون دولة مدنية إن لم تكن علمانية؛ لا يمثل الإسلام هويتها الحصرية باعتبار وجود غير مسلمين فيها. وبغض النظر عن درجات اتفاق المجتمع السياسي العام مع الموقف الراهن للكنيسة؛ فإن دورها في مساندة الانقلاب يعطيها درجة من درجات القوة والقدرة التفاوضية العالية.


حزب النور ومواد الهوية
ومن ناحية ثانية، يواجه حزب النور تحديا أساسي يهدد بقاءه، فقد ساهم حزب النور في تأييد الانقلاب العسكري في مصر على أساس الاحتفاظ بموطئ قدم يتسنى له من خلاله المشاركة في الترتيبات المستقبلية أولا، والدفاع عن مواد الهوية التي تم إيرادها في دستور 2013 ثانيا. وخلال الفترة الماضية صدرت تصريحات عن قيادييه بأن المادة 219 ليست قرآنا، وهو ما قوبل بدرجات متفاوتة من الاستهجان من جانب شريحة واسعة من أنصاره بشكل خاص، ومن التيار الإسلامي بشكل عام.


وخلال مسيرته بعد الانقلاب، وتبعا لاستمراره في التحالف الداعم للانقلاب برغم المجازر التي اقترفتها قوات الانقلاب؛ جوبه حزب النور بتحدي تآكل عضويته بعد استقالة عدد كبير من أعضائه. وهو أيضا يمثل تحديا وجوديا لحزب النور؛ فلن يكون ذا وزن سياسي إذا ما استمر نزيف العضوية لديه لأي سبب كان.
وإذا كانت الكنيسة فاعلا مهما في الساحة السياسية المصرية، فإن حزب النور كذلك وإن اختلفت المعطيات. فقيمة حزب النور بالنسبة لترتيبات ما بعد 3 يوليو أنه يمثل ظهيرا حركيا إسلاميا ينتمي للشارع وليس للمؤسسة الدينية الرسمية. وهذا أحد أسرار أهمية استمرار حضوره في المشهد السياسي لحين تمكن الحكومة الحالية المدعومة عسكريا من إجراء أية استحقاقات انتخابية تمثل بديلا شعبيا "حقيقيا" لإدارة الرئيس السابق محمد مرسي.


كان يمكن لحزب النور أن يكون لاعبا محدود القدرة في الضغط داخل لجنة الخمسين، لكنه عزز قدراته التفاوضية بالحصول على مساندة الأزهر، حيث يسعى الأزهر لحفظ ما تبقى من صيته بعد تغطيته على المجازر التي قامت بها قوات الانقلاب في حق المتظاهرين. ومن وجهة نظر عدد وافر من المحللين، تعتبر كلمة مبادئ الشريعة وتفسيرها في باب المقومات بمثابة ورقة التوت التي تبقي الأزهر قائما كمؤسسة موحدة الصوت رصينة السيرة في خضم التفاعلات الجارية في مصر الآن.


ويمكن النظر لمواقف قيادات لجنة الخمسين في نفس الإطار الداعم لتوجهات النور – الأزهر. فقد تحدث الكاتب محمد سلماوي الناطق باسم اللجنة موضحا أن ممثل الكنيسة وافق في البداية على صياغة المادة الخلافية، كما صرح بأن ممثل الكنيسة حضر جلسة التوافق على مواد باب "المقومات الأساسية"، وهو ما نفاه ممثل الكنيسة بلهجة حادة. وينضم رئيس اللجنة وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى كذلك لدائرة المؤيدين لإضافة تفسير مصطلح مبادئ الشريعة، وهو ما دفع المحامي ممدوح رمزي، مستشار الكنيسة القبطية للقول بأن "عمرو موسى ينهي حياته السياسية بشكل سيئ بعدما رضخ للأزهر وحزب النور، وحدوث ما يعرف بالمواءمات السياسية يعتبر فضيحة".


الضغوط المتبادلة: ملاحظات واستشراف
قبل الشروع في استشراف مستقبل الأزمة، لابد من الوقوف على مجموعة ملاحظات ترسم ملامح الموقف المستقبلي:
أ – الكنيسة تعارض مواد الهوية، لكنها تعارضها تحت سقف الانقلاب وليس ضده حتى الآن، حيث قدم الأنبا تواضروس قبل ساعات من احتدام الأزمة شكرا وفيرا للحكومة الروسية على موقفها الداعم لمصر؛ قاصدا به دعمها لترتيبات ما بعد 3 يوليو، وهو ما يعني المعارضة تحت سقف الانقلاب.


ب – حزب النور لا يملك الاستمرار في اللجنة خاضعا لمزيد ضغوط حيال هذه المواد، وهو ما يعني انضمام جديد لتيار المهددين بالانسحاب من لجنة الخمسين، وهو ما سيكرس نفس صورة معارضي إدارة الرئيس السابق محمد مرسي، وسيوفر مدخلا للطعن على عمل اللجنة، والذي افتتحه المحامي ممدوح رمزي، مستشار الكنيسة القبطية واصفا ما يحدث داخل لجنة الخمسين بأنه "عك دستوري".


ج – يدرك قادة الانقلاب أنهم لن يكون بمقدورهم التحكم بمسار الاعتراض على الدستور في حالة وجود تدفق دعاية يصف الدستور بأنه دستور علماني، حتى لو لم يتضمن كلمة "علماني". ويعزز حالة ضعف القدرة على التحكم بمسار الأمر خروج الموقف المتشدد للكنيسة إلى الإعلام، وهو ما لا يبقي لهم إلا خيار الاعتراف الصريح بالتوجه العلماني وإقناع عموم المصريين بهذا التوجه، وهو خيار لا يمكن التنبؤ بمساراته أيضا. ولعل حالة انعدام اليقين هذه هي ما تبقي شخصية مثل عمرو موسى داعما لموقف الأزهر وحزب النور.


ويبقى التحدي متمثلا في كيفية إدارة الخلاف. فتجاهل ضغوط الأقباط قد يضع قادة الانقلاب في نفس المربع الذي تم فيه انتقاد الرئيس السابق بتهمة "حراسة الدين". بينما يكون التفاوض مع خروج ممثلي الكنيسة راضين مبتسمين تفاديا لتكرار سيناريو حراسة الدين.


وفي هذا الإطار، يمكن القول بأن انتهاء الأمر بصورة تفاوضية تبقي على باب "المقومات" كما هو؛ قد يكون هدفا للكنيسة نفسها؛ ويمثل تغطية لحصولها على تنازل ما خارج دائرة صناعة الدستور الراهن على غرار ما كان يحدث في عهد الرئيس الأسبق. ويدعم هذا السيناريو وجود رغبة ملحة لدى إدارة ما بعد 3 يوليو في إنجاح هذا المشروع الدستوري.


وفي حال إصرار كل طرف على موقفه، يكون وضع لجنة الخمسين في خطر في ضوء وجود اعتراضات قوية من المحامين وبعض الهيئات القضائية، وهو ما يهدد هذا المشروع الدستوري بمصير لن يرقى بحال لمصير سابقه: دستور 2013.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان