رئيس التحرير: عادل صبري 06:31 صباحاً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

قضية باسم يوسف بين خشبة المسرح والكواليس

قضية باسم يوسف بين خشبة المسرح والكواليس

خاص – مصر العربية 04 نوفمبر 2013 09:30

قضية باسم يوسف ومنع برنامجه "البرنامج" من القضايا التي توقف عندها الإعلام وقفة جادة، إلى حد أنه يمكن القول باطمئنان بأنها الوقفة الأولى التي خالف فيها الإعلام الحركة الانقلابية برغم مساندته لها على طول الخط والتي فسرها البعض بالتزامها بأوامر الرقيب العسكري.

هذا التفسير يجعل من هذه القضية اليوم بعض علامات استفهام تقتضي التوقف لفهمها، أو على الأقل تحديد سيناريوهات مختلفة لاستيعاب ما يحدث فيها.

قمع الحريات بطل المشهد المسرحي

ليس جديدا أن يرتبط انقلاب الثالث من يوليو بقضية قمع الحريات الأساسية. فإطلالة بسيطة على المشهد المصري تكشف عن إغلاق قنوات فضائية مصرية متعددة، والملاحقة القانونية للقنوات غير المصرية؛ وعلى رأسها قناة الجزيرة مباشر مصر، فضلا عن مداهمات عدد من المكاتب التي توفر خدمات إعلامية لقنوات فضائية، والمعاملة غير الأخلاقية مع الصحافيين التي تتدرج من منعهم إلى اعتقالهم وأخيرا اغتيالهم كما حدث مع مدير مكتب صحيفة الأهرام بمحافظة البحيرة.

ما يمسز مشهد باسم يوسف و"برنامجه" عن المشاهد سالفة الذكر أن تلك المشاهد تعلقت بمعارضي الانقلاب الذين يرفضونه رفضا جذريا. أما برنامج باسم يوسف فله بعدان؛ أولهما باسم يوسف كإعلامي لمع نجمه بصورة قوية خلال الفترة الماضية، وحاز شهرة قوية بسبب طابعه الساخر الذي لم يعرف حدودا، ولاقى نجاحا جماهيريا يلفت النظر إليه مهما اختلفت مع اختياراته الثقافية والسياسية.

غير أن الأهم من شخص باسم يوسف هو تلك المؤسسة التي تقف وراءه ووراء إتاحة الفرصة له لعرض برنامجه، والتي يقف وراءها نخبة دعموا الانقلاب على طول الخط، وبرروا عبر شاشاتها كمية هائلة من الدم المصري الذي اهريق دفاعا عن اختيار سياسي وقافي اتسم بالشرعية الرضائية الانتخابية، كما برروا قبلها وبعدها رقما قياسيا من الإجراءات الاستثنائية، والسياسات التي يصعب ضبطها بأي إطار قانوني.

فجأة، وجدنا هؤلاء المؤيدين يوجهون سهام النقد القوي لقناة سي بي سي لموقفها السلبي من مطالب جمهورها بعودة باسم يوسف وبرنامجه خفيف الظل. وتطور حديث الإعلام المصري نوعيا؛ حيث تطرق الحديث إلى إطار الحريات وهامشها الذي يضيق، وهي الحجة التي لم تثر في وجه قانون منع التظاهر الذي يوشك أن يرى النور بعد سرعة لافتة في دراسته وتمحيصه في أكثر من محفل قضائي وتنفيذي. وتطور رد الفعل نوعيا بصورة أعمق لاحقا؛ حيث تجاوز الموضوع الإشارة لهامش الحريات؛ حيث بدأ توجيه أصابع اللوم للحكومة، وتبصيرها بأنها هي الخاسرة من جراء هذا المسلك.

الاتجاه التفسيري الأول: المسرحية

الملاحظ من الجدل حول قضية باسم يوسف أن ثمة انقسام بين ثلاثة اتجاهات، الاتجاه الأول ينتقد ويحذر من استمرار وقف البرنامج، والثاني ينكر أن يكون ثمة ضغط من الشؤون المعنوية للقوات المسلحة والرقيب العسكري على القناة فيما يتعلق بالبرنامج، والاتجاه الثالث أكثر راديكالية غاضب من انتفاضة الناس لقرار منع باسم يوسف في الوقت الذي لم ينتفضوا فيه لإقدامه على قتل آلاف المصريين بدم بارد.

ومع استبعاد الاتجاه الثالث الراديكالين، فإن المشهد الخاص بقضية باسم يوسف يمكن إدراكه في سياق تصوير الماكينة الإعلامية المصرية في صورة نضالية تتمكن من خلالها من رفع درجة شرعيتها من ناحية، وتصور المناخ الذي تعيشه مصر باعتباره مناخا منفتحا عالي السقف السياسي؛ مما يجعل نصف الرأي العام ينظر لقانون التظاهرات باعتباره موجها للنصف الثاني من الشعب "أو الشعب الآخر كما تصفه الأغنية الشهيرة". ولا يخل الأمر من إمكان حدوث استجابة من وزير الدفاع المصري في محاولة لتصويره كزعيم سياسي ينزل على إرادة جماهيره. ويعزز هذا التوجه التحليلي أن وزير الدفاع أتى من خلفية مخابراتية صنعتها إدارة الشائعات والمسرحيات السياسية.

الاتجاه الثاني في التفسير: صراع الأجنحة

غير أن بعض المؤشرات في المشهد المصري تجعلنا نتصور وجود إطار آخر لفهم قضية باسم يوسف، ألا وهو مشهد "صراع أجنحة السلطة". فالمشهد في مصر ليس بسيطا يمكن اختزاله في صراع بين المؤسسة العسكرية التي أتت لبؤرة السلطة تحت غطاء الإخوانوفوبيا (مرض رهاب الإخوان)، بل يشهد تعقيدات أنتجها دخول لاعبين أخر من داخل المؤسسة العسكرية ومن أجهزة سيادية خارجها، وهو ما يفتح الباب أمام صراع نخب يرى شطر منها أن تجربة الفريق أول عبد الفتاح السياسي تنتج من المشكلات أكثر مما تقدم من الحلول، وأنه قد آن الاوان لإخراجه خارج المشهد بعد وصمه.

ويعضد هذا الاتجاه أن ماردا إعلاميا بحجم مالك قناة سب بي سي يعمل وراءه جيش من المستشارين الإعلاميين رفيعي المستوى؛ يدرك حجم الصورة التي يرسمها عندما يصدر بيانه الاعتذاري الأول بهذه الصورة التي عبر عنها من الارتعاش والهلع بعد إذاعة حلقة "البرنامج"، ويدرك أيضا حجم علو نبرة الارتعاش في بيانه الثاني الذي حرص على تصديره بنفي أي ضغط أو تدخل من المؤسسة العسكرية اعتراضا على "البرنامج".

هذا المشهد المرتعش هو الآخر مسرحية، لكنها تؤدي غرضا غير غرض المسرحية الأولى، هي مسرحية تهدف إلى إظهار نظام السيسي باعتباره نظاما باطشا لا يرحم حرية التعبير، ولا يتهاون مع من يوجهون الإساءة لوزير الدفاع. وهي بالتالي ربما تكون مقدمة لمنهج رافض للحجر على الحريات الذي تمارسه إدارة الفريق عبد الفتاح السيسي، وتمثل غطاء لتحرك من جناح آخر للحلول محله مكتسيا شرعية استرداد الحريات.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان