رئيس التحرير: عادل صبري 06:28 صباحاً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

التمييز ضد الأقليات الدينية واستقرار النظام الباكستانى (ورقة بحثية)

 التمييز ضد الأقليات الدينية واستقرار النظام الباكستانى (ورقة بحثية)

ملفات

أقليات دينية في باكستان

التمييز ضد الأقليات الدينية واستقرار النظام الباكستانى (ورقة بحثية)

مصر العربية 02 يوليو 2016 16:44

حددت ورقة بحثية أعدتها الدكتورة إيمان فخري، أسباب التمييز ضد الأقليات الدينية واستقرار النظام الباكستاني، في ثلاث أجزاء، التعريف بأهم الأقليات الموجودة في باكستان، في حين يرصد الجزء الثاني وضعية هذه الأقليات دستورياً وقانونياً، ويلقى الثالث الضوء حول تأثير التمييز ضد الأقليات الدينية على مدى استقرار النظام الباكستاني.

 

تبنت حركة طالبان باكستان يوم 23/4/2016 مقتل وزير الأقليات الدينية  الباكستاني "سردار سوران سينغ، والذي ينتمى لأقلية السيخ"، وجاء في بيان الحركة "أن هذه الأعمال ستتواصل طالما لم ينشأ نظام إسلامي في باكستان"، ويأتي هذا الحادث بعد أقل من شهر من تنفيذ جماعة الأحرار- المنشقة عن حركة طالبان باكستان- لهجوم انتحاري استهدف مسيحي باكستان أثناء احتفالهم بعيد القيامة في أحد منتزهات مدينة لاهور وراح ضحية هذا الهجوم ما يزيد عن 69 شخص معظمهم من النساء والأطفال وجرح اكثر من 260 آخرين.

 

وهناك العديد من الهجمات التي استهدفت الأقليات الدينية في باكستان ولا يتسع المجال هنا لحصرها، ولكن هذا بالتأكيد يدفعنا إلى إلقاء الضوء على وضعية الأقليات الدينية في باكستان. وحرى بنا التأكيد على أن العنف القائم على أساس الإيمان (Faith-based violence) في باكستان ليس موجه لغير المسلمين فحسب، وخير دليل على ذلك هو استهداف الأقلية الشيعية التي تتركز في إقليم بلوشستان.

 

 

ولهذا سيتم تقسيم هذه الورقة إلى ثلاثة أجزاء،يتناول الجزء الأول التعريف بأهم الأقليات الموجودة في باكستان، في حين يرصد الجزء الثاني وضعية هذه الأقليات دستورياً وقانونياً، ويلقى الثالث الضوء حول تأثير التمييز ضد الأقليات الدينية على مدى استقرار النظام الباكستاني.

 

(1) الأقليات الدينية في باكستان

بعد انفصال باكستان عن الهند عام 1947، بدأت موجة هجرة أو بالأحرى فرار من وإلى البلدين، حيث فر ما يزيد عن 8 مليون مسلم إلى باكستان، وفر معظم الهندوس والسيخ إلى الهند نتيجة أعمال العنف الطائفية، وتأثر المسيحين بهذا الاستقلال، حيث كان معظمهم يقطن في إقليم البنجاب، والذي أصبح شطرين بعد انفصال باكستان، فظل عدد كبير منهم في حدود باكستان في حين ظل البعض الأخر في حدود الهند.

 

وطبقاً لأخر الإحصائيات المنشورة على موقع مكتب الإحصائيات التابع للحكومة الباكستانية، فإن المسلمين (سنة وشيعة) يشكلون حوالى 96.2% من إجمالي السكان، يلي ذلك الهندوس بنسبة 1.6% ثم المسيحين 1.5%،  وطائفة الأحمديين (0.22%) ؛

 

الشيعة، يشكلون حوالى 20% من السكان، ويتعرضون لمضايقات وهجمات متعددة، ففي بداية عام 2015 راح أكثر من 60 شيعي ضحية تفجير استهدف مسجدا شيعياً بولاية، فيما يعد أكثر هجمة دموية  يتعرض لها شيعة باكستان منذ مارس 2013 عندما انفجرت سيارة مفخخة في حي شيعي بكراتشي موقعة 45  شخصاً، وفقا لفرانس برس فقد سقط نحو ألف شخص من الشيعة في عامي 2013و2014 في باكستان ، ومثل تراخى الشرطة والقوات المسلحة في التحقيق والتوصل للجاني وراء كل هذه الهجمات دافعاً إضافياً لمزيد من الهجمات تجاه الشيعة أو غيرهم من الأقليات.

 

الهندوس، أكبر أقلية دينية غير مسلمة في باكستان وتتركز في جنوب مقاطعة السند والجنوب الغربي لمقطاعة بلوشستان، ويتأثر أبناء هذه الأقلية بأية أعمال عنف تندلع من قبل الهندوس في الهند، فقد أدى قيام مجموعة هندوسية متطرفة بهدم مسجد في الهند عام 2002 إلى زيادة وتيرة الهجمات تجاه الهندوس في باكستان، وكما يشير تقرير مفوضية حقوق الإنسان الباكستانية لعام 2011.

 

فالحكومة الباكستانية تغض الطرف عن عمليات الخطف وطلب فدية أو الهجوم على المعابد الهندوسية وخطاب الكراهية الموجه ضد هذه الأقلية مما دفع 150 عائلة هندوسية إلى الهجرة إلى الهند عام 2011 . ولكن الخاسر الأكبر في هذا الصدد هو المرأة الهندوسية التي تتعرض لاضطهاد ممنهج سواء بالخطف والاغتصاب، أو بالخطف والإجبار على الزواج من المختطف والتحول إلى الإسلام، وهذه المشكلة ازدادت حدتها مما دفع البرلمان الباكستاني إلى اقتراح  مسودة قانون خاص بتنظيم مسائل الزواج لدى الهندوس، وتم إقرار هذا القانون في برلمان السند في فبراير 2016 .  

 

ج- المسيحيين، ثاني أكبر أقلية غير مسلمة في باكستان، ويتوزعون على عدة مدن (كراتشي، البنجاب، لاهور، فيصل أباد، وبيشاور)، ويتعرض لهجمات دموية عديدة كان أخرها استهدافهم يوم عيد القيامة، وسبق ذلك حوادث مثل الهجوم على كنائس عديدة أثناء وقت الصلاة أو الاجتماعات الدينية، بل إنهم يتم استهدافهم بشكل فردى وليس في الكنائس فحسب، ففي 20/9/2001، تم ضرب فتى مسيحي يبلغ من لعمر 13 عام حتى الموت في شوارع مدينة راولبندى.

 

 د- الأحمديين، وهى مجموعة دينية جديدة نسبياً ظهرت منذ مائة عام ويصف أتباعها نفسهم بالمسلمون، فهذه الطائفه هم من أتباع عالم إسلامي باكستاني اسمه (ميرزا غلام أحمد) والذي روج لنفسه على أنه نبي وأنه مبعوث من الله ليقيم العدل على الأرض، وهى طائفة غير معترف بها في باكستان، في حين أن عموم الباكستانيين (سنة وشيعة) وحتى حركة طالبان نفسها يرون أن  ميرزا هو محتال وأنه أتباعه ليسوا مسلمين.

 

وتم إطلاق عدة حملات واسعة النطاق لمناهضة الأحمديين في باكستان ومنعهم من استخدام أي رمز ديني إسلامي أو من تولى أي منصب رسمي في الدولة، وفى عقد الثمانينيات كان هناك مناقشات محتدمة في البرلمان الباكستاني انتهت عام 1984 إلى الإعلان بشكل رسمي أن هذه الطائفة ليست من المسلمين مما مثل إطار قانون وشرعي للمتطرفين لحرق وقتل عدد من عائلات الطائفه الأحمدية .

 

جدير بالذكر أن هناك أقليات أخرى أقل عدداً مما سبق تناوله، حيث يقدر أتباعها بالآلاف، مثل البهائيين والبوذيين والسيخ، وهذه الطائفة الأخيرة تعانى أكثر من غيرها، فالسيخ هم الأقلية الوحيدة في باكستان التي يجب عليها دفع جزية لعدة جماعات مسلحة مقابل الحماية والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية أو التنقل بين المدن الباكستانية.

                                         

(2) وضعية الأقليات في الدستور والقوانين الباكستانية

يؤكد الدستور الباكستاني لعام 1974 في الجزء الأول من مادة(22) أن الدولة تضمن احترام الأديان في المؤسسات التعليمية. وفى الجزء الثاني من المادة (36) ينص على أنه على "الدولة حماية حقوق والمصالح المشروعة للأقليات بما في ذلك التمثيل الواجب لهم في الخدمات الاتحادية والمحافظات" ، وتكفل المادة (20) حرية ممارسات الشعائر الدينية وإدارة المؤسسات الدينية، كما تحظر المادة (21) فرض ضراب معينة على أتباع ديانات معينة في حين أن المادة (25) تكفل المساواة في المواطنة للجميع. 

 

ولكن القوانين الباكستانية ترسم واقعاً مختلفاً للأقليات، فقانون ازدراء الأديان (Blasphemy Law)، وهو امتداد لقانون كان قد أصدره الحاكم البريطاني للهند للحد من الصراعات الدينية بين المسلمين والهندوس، وورثت باكستان هذا القانون والذي كانت عقوبته تتراوح بين السجن والغرامة لمن يهين المعتقدات، ولكن خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات، تمت إضافة وتعديل بعض المواد لتوسيع دائرة الاتهام بالازدراء وتغليظ العقوبة لتصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام .

 

القضية الأبرز والتي تظهر تعسفاً في استخدام هذا القانون هي قضية الفتاة المسيحية (آسيا بيبى)، وهى مزارعة من احدي القرى الباكستانية وقفت عند بئر مياه في انتظار دورها، ولكن بعض السيدات المسلمات رفضن وجودها باعتبارها مسيحية، وعندما دافعت عن نفسها ومعتقدها، تم توجيه التهمه إليها بازدراء الإسلام في نوفمبر 2010 وحكم عليها بالإعدام، وحتى تاريخه هي لاتزال في السجن منتظرة قيام المحكمة بإعادة النظر في حكم الإعدام .

 

وقد أصبح هذا القانون راسخاً لدى الباكستانيين أكثر من الدستور الباكستاني، فعلى الرغم أنه حتى اليوم لم تنفّذ أحكام إعدام رسميّة بسبب هذا القانون، إلا أنّه تم استهداف الكثيرين من المتّهمين في السجن بواسطة قتلة مأجورين، كما قتلت الحشود الغاضبة كثيرين غيرهم، بل إنه يتم استهداف من يعبر عن رفضه لهذا القانون ؛

 

وخير دليل على ذلك أنه في عام 2010 قُتل حاكم البنجاب بيد حارسه الشخصي بعد تصريح الأول بأن هذا القانون أُسيء استخدامه في قضية (آسيا بيبى)، وأُدين الحارس بجريمة القتل وأُعدم في فبراير 2016 مما تسبب في اندلاع احتجاجات شعبية. كما  اغتيل وزير شؤون الأقليات الباكستاني عام 2011 على يد طالبان بعد اعتراضه على هذا القانون . بل وعندما حاول الرئيس الباكستاني السابق (أصف زردارى) إصدار عفو رئاسي عن "آسيا"، رفض التحالف الحاكم بل وخرجت مظاهرات تطالب بسرعة تنفيذ حكم الإعدام عليها، وقد فشل وزير العدل الباكستاني في تمرير أية تعديلات على هذا القانون لتخفيف وطأته.

 

سياسات العمل الباكستانية هي الأخرى ليست اقل تمييزاً، فعلى الرغم من أن القانون ينص على وجود نظام محاصصة يعطى الأقليات 5% من الوظائف العامة، في حين أن ال95% الباقية من الوظائف تخضع لقواعد الكفاءة والجدارة ويحق لكافة الباكستانيين التقدم لشغلها، إلا أنه واقعياً ما يحدث هو أن نسبة الأقليات يتم شغلها في مناصب قليلة الشأن مثل عمال الصرف الصحي، بل إن هناك إعلانات وظائف يذكر فيها أنه محظور على المسلمين التقدم لشغلها .

 

 

(3) التمييز ضد الأقليات واستقرار النظام الباكستاني

 النظام الباكستاني لديه مسئوليات ضخمة تجاه محاربة حركة طالبان باكستان المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، بالإضافة إلى المهمة الشاقة في ضبط الحدود مع أفغانستان لمنع تسلسل المجاهدين من والى البلدين. ولكن هذه الجهود لن تؤتى ثمارها لإرساء دعائم نظام مستقر يدافع عن حقوق كافة المواطنين الباكستانيين ما لم يتم إعمال تعديلات جذرية في الداخل الباكستاني، فمحمد جناح "مؤسس باكستان" كان يؤكد أن باكستان لابد ألا تفرق بين مسلم  وغير مسلم، فكان يريد إرساء نظام علماني مدني، ولكن وفاته عام 1948 لم تمهله الوقت الكافي لإنجاز هذا الحلم . وتعاقب من بعده عدد من القادة العسكريين والمتشددين دينيا الذين أمعنوا في تطبيق قوانين قاسية تستهدف طلبنة (Talibanization) المجتمع الباكستاني.

 

وانتشرت المدارس الدينية التي تكرس للتطرف، فضلاً عن شرعنة هذا التطرف بحزمة من القوانين والسياسات كما أسلفنا الذكر، مما مثل أرض خصبة لنمو التطرف والعداء لغير المسلمين بل وحتى للمسلمين المناهضين لهذه القوانين التمييزية وقويت شوكة طالبان في العديد من المناطق أكثر من الحكومة الباكستانية ذاتها، وأصبحت حركة طالبان والحركات المتشددة المنبثقة عنها غير راضية عن هذه القوانين التمييزية القاسية وتطالب بإقرار مزيد من القوانين لأسلمة المجتمع الباكستاني "على حد تعبيرها"؛

 

 وفى هذا الإطار تأتى الهجمات الانتحارية لهذه الحركات والتي يروح ضحيتها مواطنين باكستانين (مسلمين أو غير مسلمين)، حيث يؤكد قادة هذه الحركات أن هذه الهجمات لن تتوقف إلا بإقامة نظام إسلامي حسب رؤيتها.

 

إذن القوانين التمييزية ضد الأقليات مثلت جزء من منظومة إزكاء التطرف وعدم الاستقرار في باكستان، وأن إصلاح هذه القوانين لا يعد سوى بداية لمراجعة شاملة للقوانين والسياسات الباكستانية وذلك تمهيداً لبدء تغير المناخ الثقافي الباكستاني وتخفيف حدة التطرف مما سيكون أول خطوة على الطريق الصحيح للوصول لاستقرار في المجتمع الباكستاني.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان