رئيس التحرير: عادل صبري 12:14 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

إسرائيل والشرق الأوسط.. ما بعد أمريكا

إسرائيل والشرق الأوسط.. ما بعد أمريكا

ملفات

الولايات المتحدة داعم أساسي لإسرائيل.. أوباما ونتنياهو

الوضع الراهن سوف يستمر.. لماذا؟

إسرائيل والشرق الأوسط.. ما بعد أمريكا

إكرام يوسف 11 يونيو 2016 10:43

بينما يمثل الخلاف بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ـ أولا بشأن المستوطنات ثم حول إيران ـ نقطة تحول، يرى بعض المحللين أن نتنياهو، أحال دعم الولايات المتحدة إلى قضية حزبية.

وفي ملف نشرته مجلة فورين أفيرز حول إسرائيل بمناسبة ذكرى تأسيسها، تنبأ أحد موضوعات الملف باستمرار بقاء الوضع الراهن، وأوضح أن الليبراليين، بما في ذلك العديد من اليهود الأمريكيين ضاقوا ذرعًا "بالاحتلال" الإسرائيلي الذي سيكمل نصف قرن في العام المقبل (على أساس أن الاحتلال بالنسبة لهؤلاء المحللين بدأ من ١٩٦٧) ويرى هؤلاء الليبراليون أن تراجع روح الديمقراطية في إسرائيل، سوف يؤدي إلى تحجيم "القيم المشتركة" بينها وبين الولايات المتحدة. ويقول البعض إن التزام إسرائيل العنيد بالوضع القائم في الضفة الغربية في منطقة تمر بحالة مخاض، يدفعها إلى حالة من العزلة تفرضها الحركة العالمية لمقاطعتها وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها .

وينطلق كاتب المقال من وجهة نظر منحازة لإسرائيل ـ أراها كاشفة لما يفكر فيه أنصار الكيان الصهيوني ـ مفندا فكرة أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وداعيا الولايات المتحدة إلى تغيير خطابها، الذي يردّد هذه الفكرة. ويرى أنّه على الرغم من أن من الهجوم على الفساد، زاد من حدة الانتقادات المتشددة الموجهة الدولة، والمناهضة للصهيونية منذ 70 عاما، إلا أن إسرائيل ـ في رأيه ـ أكثر استجابة للعولمة، وأكثر ازدهارا، وديمقراطية مما كانت عليه في أي وقت مضى. زاعما أن الأقليات في الدولة العبرية ظلت أمنة، بينما تنزلق بلدان مجاورة من الشرق الأوسط تحت موجات من الفتنة الطائفية، كما أنها ترحب بآلاف المهاجرين من يهود أوروبا، في حين تئن أوروبا تحت وطأة المهاجرين المسلمين غير المرغوب فيهم.، كما تفخر إسرائيل بنمو الاقتصاد، مدعومًا بتدفقات الاستثمار الأجنبي، في حين ترزح الدول المتوسطية الأخرى تحت ضغوط التضخم والديون والتدهور الاقتصادي.

ومن الناحية السياسية، تقول فورين أفيرز في موضوعها بادي الانحياز، إنّه يحسب لنتنياهو قلة الاضطرابات في إسرائيل، فرغم أنَّ أمضى في رئاسة الوزراء أطول مدة قضاها رئيس وزراء إسرائيلي باستثناء ديفيد بن جوريون، لكنه لم يدخل اسرائيل سوى عملية وقائية محدودة في غزة في عام 2014. وأعاده الناخبون الإسرائيليون إلى منصبه لأنّه تجنب المخاطر: لا حروب بلا داعي، ولكن لا خطط سلام طموحة أيضًا. وعلى الرغم من أن هذا قد ينتج "إحباطا هائلا" في البيت الأبيض، وفقا لعبارة توبيخ ذكرها نائب الرئيس جو بايدن، إلا أن غالبية اليهود الإسرائيليين راضون عنه.

وقد أثار استمرار بقاء نتنياهو إحباط اليسار الإسرائيلي المتقلص أيضا: ويرى الكاتب أن اليساريين في إسرائيل يعزون أنفسهم بفكرة خاطئة مؤداها أن تراجع الأصوات التي حصلوا عليها في الانتخابات بسبب أن ديمقراطية إسرائيل في خطر. وهو ما زعمه اليمين طوال 20 عاما مضت، بلغت ذروتها في اغتيال رئيس الوزراء اسحق رابين. وعلى الرغم من أن القوى المناهضة للديمقراطية موجودة في جميع الديمقراطيات، لكن الكاتب يرى أنها محصورة في إسرائيل إما خارج النظام أو في الأحزاب الصغيرة، اليهودية والعربية على حد سواء. ولا توجد آلية تمنع أي منها من السيطرة على أحد الأحزاب السياسية الرئيسية أثناء تصاعد موجة الشعبوية؛ مضيفا " كما يبدو من المرجح الآن في الولايات المتحدة" . ويرى الكاتب ان حتى الديمقراطيات القديمة، تترنح تحت ضغوط الارهاب والحروب، لكنه يزعم أن سجل إسرائيل في إجراء انتخابات نزيهة وحرة "يشهد على عمق روح ديمقراطيتها المحلية، مدعومة بصحافة قوية وقضاء يقظ".

كما يعتبر أن إسرائيل الآن أكثر أمانا من أي وقت مضى، مذكرا بأن سبعمائة الف يهودي في عام 1948، واجهوا تحديا كبيرا ضد الجيوش المحتشدة في العالم العربي؛ وعندها حذر كبار القادة بن جوريون من ان فرصة فوزه لن تزيد على ٥٠٪. واليوم، هناك أكثر من ستة ملايين يهودي في إسرائيل التي صارت من أكثر القوى العسكرية شراسة في العالم، وتتمتع بالتفوق النوعي على أي مجموعة يمكن تصورها من الأعداء، وجاء التحول المستمر الى الحرب الاليكترونية لصالح القوة الإسرائيلية. وتراجعت الدول العربية لتخرج من المنافسة، تاركة المجال للمتشددين الإسلاميين على الحدود الإسرائيلية. وهم يدعمون "المقاومة"، ولكن الصواريخ البدائية وحفر الانفاق ليست فعالة. وتمثل "إيران نووية" التهديد الوحيد المؤكد لقدرة إسرائيل على البقاء. لكنه يؤكد أن إسرائيل تستطيع نشر الرادع النووي الخاص بها، بشكل فردي، بعيدا عن أي تحالف يقيدها، إذا حققت إيران تقدما نوويا في أي وقت.

و لا يتوقع الكاتب حلا قريبًا للنزاع الطويل مع الفلسطينيين، لكنه يرى أنَّ إسرائيل كنت بارعة في احتواء آثاره؛ "فهناك أراض محتلة، ولكن هناك أيضا أراض غير محتلة. وتصر إسرائيل على فرض البصمة الأمنية في معظم مناطق الضفة الغربية، ويسد التعاون الأمني ​​الإسرائيلي الفلسطيني معظم الثغرات" ويعتبر أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مستقر، وفقا لمعايير الشرق الأوسط اليوم. ويدور في الغالب على نحو غير مباشر، عبر المناورة في الهيئات الدولية، والحملات المؤيدة والمعارضة للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وهي مواجهات مرتفعة الصوت، منخفضة الأثر.

ولدى كل طرف سياسي في إسرائيل حل مفضل للصراع، ولكن لا يوجد حل يوفر ميزة مؤكدة على الوضع الراهن. ويتلخص الإجماع الإسرائيلي الحالي، في رأي بيني زيفر، المحرر الأدبي في جريدة هأرتس الليبرالية اليسارية: "يمكن أن يستمر الاحتلال إلى الأبد كما هو الآن، وهذا أفضل من أي بديل". ويثور الجدل حول ما إذا كان خيار الدولتين قد انتهت صلاحيته. لكن الواقع على الأرض لا يشبه دولة واحدة أيضا. فبعد نصف قرن على حرب 1967، يعيش خمسة في المائة فقط من الإسرائيليين في مستوطنات الضفة الغربية، ونصفهم يعيش في الكتل الخمس التي ستحتفظ بها إسرائيل في أي سيناريو للدولتين.

ويكشف أن كال من مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، تجري علاقات مع إسرائيل، بشكل علني أحيانا. كما تغازل إسرائيل وروسيا بعضهما البعض بدأب. إلا أن علاقات إسرائيل مع الصين والهند، تشهد ازدهارا أكثر من ذلك بكثير. ويعتبر النظام السوري ـ الذي لم يقبل صنع السلام مع إسرائيل ـ المنبوذ الحقيقي في الشرق الأوسط. وتخوض الدولة العربية التي كان يطلق عليها أنها صامدة، حمام دم هائل ينهكها، بعدما صار مشروعها النووي، ومخزونها الضخم من الأسلحة الكيميائية، من قبيل الذكريات البعيدة.

ويعترف الكاتب أن الدولة العبرية تواجه كل أنواع التهديدات والتحديات المحتملة، ولكنه يقول أنها لم تكن أبدا مهيأة بهذه الدرجة للتعامل مها. ويرى أن الفكرة الشائعة بين بعض النقاد الإسرائيليين حول حالة دائمة من الخوف يعيشها مواطنوهم، تضلل كلا من حلفاء إسرائيل وخصومها. ففي رأيه أن قادة إسرائيل حذرون ولكنهم واثقون، ومتمرسون في اللعبة التي يلعبها الجميع في الشرق الأوسط، منذ فترة طويلة. ويعتمد بقاء إسرائيل دائما على رغبتها في الحفاظ على الوضع الراهن الذي خلقته، ودفع خصومها إلى قبول الهزيمة أو التسوية.

 

تراجع القوة العظمى!

ومع ذلك، فما يثير قلق إسرائيل، ليس القنابل النووية الايرانية ، ولا تهديدات الأكاديميين بمقاطعتها، أو مناورات الفلسطينيين في الأمم المتحدة، بل، حدوث فراغ ضخم في قيادة العالم. حيث تتجه الولايات المتحدة للخروج من المنطقة، التي بدأ فك الارتباط بها، قبل دخول أوباما البيت الأبيض، لكنه أسرع الخطو في هذا الاتجاه، وصار يعتبر الشرق الأوسط منطقة ينبغي تجنبها. فعلى مدى القرن الماضي، دخل المنطقة كل من الأتراك والبريطانيين والفرنسيين والروس، ولكن اتضح لكل منهم ان إطالة البقاء فيها سيكون مكلفا مع انحسار قوته، فتخلوا عن السعي للهيمنة وحافظوا على النفوذ. وقبل عقد من الزمان، تنبأ ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية: "إن العصر الأمريكي في الشرق الأوسط قد انتهى"، وأضاف :" سوف تواصل الولايات المتحدة امتلاك نفوذ في المنطقة أكثر من أي قوة خارجية أخرى، ولكن سينخفض نفوذها عما كان عليه في السابق " والأن، يوضح أوباما أن هذا أمرا حتميا.

وقد درجت إدارة أوباما على خلق الوهم بشان توازن مستقر، عبر تخفيض التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها وتهدئة خصومها . وهكذا، فجأة، لم يعد من أصدقائها التقليديين من يستحق ثقتها الكاملة. وصارت تتململ من استغلال الحلفاء لصداقتها بلا مقابل، مثل إسرائيل (وكذلك مصر والمملكة العربية السعودية).

ولا يخجل قادة إسرائيل من التحذير من مغبة هذا الموقف، لكنهم يحرصون على عدم التفكير بصوت عال، حول الخيارات الإسرائيلية في مرحلة ما بعد أمريكا في الشرق الأوسط. وتريد اسرائيل مذكرة تفاهم جديدة مع الولايات المتحدة، أوسع نطاقا بقدر المستطاع، كتعويض عن الاتفاق النووي مع إيران. ومن مصلحة إسرائيل التأكيد على أهمية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية باعتبارها حجر الأساس لاستمرار الاستقرار الإقليمي. ولكنها تعلم أن العلاقة الثابتة لن تدوم إلى الأبد. وعلى الرغم من أن قادة الحركة الصهيونية يسعون دائما إلى ربط مشروعهم مع القوة المهيمنة الحالية، إلا أنهم شهدوا انهيار الإمبراطوريات القديمة وصعود جديدة، خلال القرن العشرين، وسعي كل امبراطورية إلى الهيمنة على الشرق الأوسط، وفي سبيل ذلك، تبذل الوعود وثم تعدل عنها. وفي أوائل عصر هيمنة الولايات المتحدة، لم تسارع إلى تبني اليهود، وأغلقت أبوابها دونهم؛ فكانوا وحدهم في الثلاثينيات، ووحدهم خلال المحرقة، عندما استيقظ الولايات المتحدة في وقت متأخر جدا. وكانوا وحدهم في 1948، عندما فرضت الولايات المتحدة حظر تسليح على إسرائيل، وفي 1967، عندما قال الرئيس الأمريكي صراحة للإسرائيليين أنهم إذا ذهبوا إلى الحرب، سيكونون وحدهم.

وخلال العقود اللاحقة لذلك عمقت "العلاقة الخاصة" اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في المجال العسكري، حتى أن العديد من الإسرائيليين لا يستطيع تذكر كيف نجحت إسرائيل في البقاء على قيد الحياة قبل كل هذه المساعدات الأمريكية. ويعزز أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة، خاصة في المجتمع اليهودي، فكرة أنه أن لولا جهودهم في الضغط على واشنطن، لكانت إسرائيل في خطر مميت.

ولكن إدارة أوباما أظهرت للإسرائيليين إلى أي مدى يمكن أن يتزعزع السند الراسخ. وربما يبدو هذا الاحتمال المقلق لمؤيدي إسرائيل، ولكن تقلب الأحوال الذي لا مفر منه، كان سببا في سعي اليهود الصهاينة الى الاستقلال والسيادة.

 

إسرائيل وحدها

وتدفع هذه الفكرة إسرائيل إلى توسيع خياراتها وتنويع علاقاتها، وبناء قدراتها المستقلة. فلا شك أن الشرق الأوسط في الخمسين سنة المقبلة سيكون مختلفا عما كان عليه طوال مائة سنة مضت. ولن تكون هناك قوى خارجية تسعى للهيمنة؛ نظرا لأن تكاليف مواصلة هيمنة شاملة مرتفعة للغاية، وعوائدها قليلة جدا. وقد تسعى القوى الخارجية الى أهداف محددة، تتعلق بالبترول أو الإرهاب. لكن مساحات واسعة من الشرق الأوسط سوف تترك لمصيرها، بحيث يعاد تشكيلها بطرق غير متوقعة. وربما يطلب جيران اسرائيل الأضعف، توسيع شبكة أمنها لتشملهم، مثلما فعلت مع الأردن على مدى عقود. ويسام القلق العربي من إيران بالفعل إلى تطبيع وضع إسرائيل في المنطقة أكثر من عملية السلام، التي كانت دائما غير حاسمة و بعيدة المنال. وسوف تصبح إسرائيل ركيزة للاستقرار الإقليمي، ليس فقط لشعبها ولكن أيضا للدول المجاورة، المهددة بارتفاع موجة الانقسام السياسي، والانكماش الاقتصادي، والإسلام الراديكالي، والكراهية الطائفية.

  وهكذا، تخطط إسرائيل للبقاء بعد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ويعتقد الكاتب أن الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة حققت نجاحا، على الرغم من أخطاء تكتيكية كثيرة، مقارنة مع سجل الولايات المتحدة المتذبذب في تحقيق، أو حتى تعريف مصالحها في الشرق الأوسط،. وعلى الرغم من رهان إدارة أوباما على الاتفاق مع إيران، إلا أن حتى أشد المتحمسين للصفقة لم يعد يدعي وضوح الرؤية في الشرق الأوسط؛ في مواجهة انهيار الربيع العربي، والوضع ي سوريا، وملايين اللاجئين، وصعود داعش، أو توقع ما ستؤول إليه الصفقة مع إيران.

ويعود الكاتب للتذكير بقول أوباما قبل خمس سنوات: "من أجل صالح صداقتنا بالتحديد، ينبغي أن نقول الحقيقة: الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وعلى إسرائيل أيضا أن تتصرف بجرأة أكثر من أجل التوصل إلى سلام دائم" مشيرا إلى أنه حان الوقت كي تتخلي الولايات المتحدة عن هذا الشعار، أو على الأقل تعديله. فليس هناك أمل في أن يوطن خصوم إلا إذا اقتنعوا أنها تستطيع مواصلة الراهن إلى التفوق العسكري، والاقتصادي، إلى أجل غير مسمى. ويؤكد الكاتب أن مثل هذه العبارات من أوباما لا تقنع الحكومة الإسرائيلية، ولكنها تغذي الرفض العربي والإيراني لإسرائيل بين أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة لم تعد تحظى بدعم إسرائيل! ويزعم أن أعداء اسرائيل، سوف يرتكبون خطأ مأساويا، إذا ذهبوا الى استنتاج ان اسرائيل ستكون ضعيفة؛ فهو يجزم أنها قادرة على الحفاظ على الوضع الراهن، ويعتمد استراتيجيتها بعيدة المدى على ذلك.

ويخلص المقال إلى أن التغيير في الإدارة الأمريكية يوفر فرصة لإعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة، أو على الأقل الخطاب الأمريكي. ويرى أن على واشنطن وهي تنسحب من الشرق الأوسط، أن ترسل رسالة مؤداها أن الوضع الراهن قابل للاستمرار، إذا كانت تريد مساعدة إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين في ملء الفراغ الذي سوف تتركه وراءها.


اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان