رئيس التحرير: عادل صبري 01:35 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ستاندرد أند بورز تدق ناقوس الخطر لمصر

ستاندرد أند بورز تدق ناقوس الخطر لمصر

ملفات

محمد رضا الخبير المالي

ستاندرد أند بورز تدق ناقوس الخطر لمصر

محمد رضا 25 مايو 2016 17:46

في البداية يجب التوضيح أن وكالة التصنيف الائتماني «ستاندارد أند بورز» لم تخفض التصنيف الائتماني لمصر بل خفضت نظرتها للاقتصاد المصري من مستقر إلى سلبي، وأبقت الوكالة العالمية على تصنيف الائتمان السيادي قصير وطويل الأجل بالعملة الأجنبية والمحلية لمصر عند مستوى «B نيجاتيف».


أشارت ستاندارد أند بورز إلى أن النظرة السلبية تعكس وجهة نظرها في حدوث زيادة تدريجية في أوجه الضعف الخارجية (ميزان المدفوعات) والمالية (عجز الموازنة) بالاقتصاد المصري خلال الشهور الـ12 القادمة، واعتبرت أن ذلك قد يضعف التعافي الاقتصادي للبلاد، ويفاقم التوترات السياسية الاجتماعية، وأنها قد تلجأ لخفض التصنيف الائتماني لمصر مباشرة إذا زاد نطاق الاختلالات في اقتصادها على نحو يتجاوز التوقعات الراهنة، مثل انخفاض الاحتياطي الأجنبي بشكل أكثر سرعة من التوقعات الراهنة.

ويعني هذا التوجه من وكالة التصنيف العالمية أنه إن لم تتحسن مؤشرات الاقتصاد المصري قبل المراجعة القادمة للتصنيف الائتماني لمصر من وكالة ستاندارد أند بورز، فإن الوكالة ستخفض التصنيف الائتماني لمصر إلى مستوى «CCC+» على الأقل.

وأرى أن ما حدث ليس بمفاجأة، وإنما هو نتيجة طبيعية لإدارة خاطئة وكارثية للاقتصاد المصري، سواء على صعيد الإدارة المالية أو النقدية، والتي تسببت في تأزم الوضع الاقتصادي في مصر، وكذلك الإصرار على الاستمرار في ذات السياسات المالية والنقدية، والتي أدت إلى ضعف النشاط الاستثماري، ودخول الاقتصاد المصري في حالة ركود تضخمي.

أدى الركود التضخمي إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث من المتوقع أن يبلغ 3% في نهاية العام المالي الحالي، وذلك بعد أن ارتفع في عام 2015 إلى 4.2%، في حين أن الموازنة العامة الحالية كانت تستهدف نسبة نمو 5%. ومن المتوقع أيضاً أن يبلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي متوسط 3.8% خلال الفترة بين 2016-2019، مدعوما بالاستهلاك المحلي والاستثمارات والتحويلات المالية المرنة من المصريين بالخارج، وبعض الاستثمارات الأجنبية الداخلية، وتحسن إمدادات الطاقة بتشغيل حقل الغاز الطبيعي بنهاية 2017، والذي اكتشفته شركة "إيني" الإيطالية في مصر، والتي توقعت أن يكون قادرا على إنتاج 850 مليار متر مكعب يوميا.

والخلاصة أننا وجدنا أن كافة التوقعات للنمو التي أعلنتها الحكومة في موازنة 2015-2016 بنسبة 5% وأيضاً في موازنة 2016-2017 بنسبة 5 إلى 5.5% بعيدة عن الواقع، ومن الصعب تحققها.

وبالنظر إلى مؤشرات أداء الأقتصاد المصري نجد ارتفاع الإنفاق على الأجور والمرتبات والدعم وخدمة الدين لتشكل 80% تقريباً من الإنفاق العام في الموازنة. كما تفاقم العجز في الموازنة العامة عند مستوى 11.5 % من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015، وهو على المستوى الأعلى بين الدول ذات تصنيف ائتماني B نيجاتيف.

وهناك كذلك ارتفاع الدين العام لمستويات قياسية كارثية، وتخطي المستويات الآمنة حيث تجاوز 90% من الناتج المحلي الإجمالي في ديسمبر 2015، فضلا عن ارتفاع تكلفة الدين العام لنحو ثلث الإنفاق العام في الموازنة، حيث نجد أن التغير السنوي في زيادة الدين العام 13.8% في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من 2012-2015، في حين تشير التقديرات إلى أن التغير السنوي في زيادة الدين العام سيبلغ مستوى 11.5% في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة بين 2016- 2019، أي أن الدين العام مرشح لتجاوز 95% - 99% من الناتج المحلي الإجمالي في ظل غياب بدائل تمويلية لعجز الموازنة أو غياب إعادة هيكلة الإنفاق العام في الموازنة.

كما نجد أيضاً تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكذلك زيادة عجز ميزان المدفوعات، وتراجع الصادرات بشكل حاد، ليؤدي لعجز في الميزان التجاري، والذي سجل وفقاً لآخر إعلان عجزاً بنسبة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط العجز في الميزان التجاري 4.8 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة بين 2016-2019، في ظل توقعات بانخفاض الصادارات وزيادة الطلب على الواردات. ولن تكون تحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قطاع السياحة، وإيرادات قناة السويس، والاستثمارات المباشرة، كافية لتعويض العجز في الميزان التجاري.

وبالرغم من أن الدعم المالي المقدم من بعض دول الخليج قد يوازن بشكل جزئي الضغوط الخارجية (ميزان المدفوعات) والمالية (عجز الموازنة) المتزايدة على لمصر، إلا أن التراجع الحاد في إيرادات النفط لدول الخليج يجعل هذا الدعم لمصر مشكوك في استمراره مستقبلاً، في حين ما زالت الهيئة المصرية العامة للبترول تستحق عليها متأخرات مدفوعات بقيمة 3 مليار دولار أمريكي لشركات نفط أجنبية، وأية تأجيلات في دفع مستحقات تلك الشركات قد تؤدي لتوقف الاستثمار الأجنبي في قطاعي النفط والغاز، وبخاصة مع بقاء أسعار البترول العالمية على ذلك المستوى المنخفض.

وعلى صعيد الأداء النقدي، نجد تراجعا حادا للاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية إلى 17 مليار دولار أمريكي، كما نجد أن معظم رصيد الاحتياطي النقدي القائم لا نمتلكه فعليا لأنه عبارة عن ودائع من دول الخليج، وواجب ردها عند ميعاد استحقاقها. وبالرغم من أنه من المتوقع أن تتلقى مصر 2 مليار دولار أمريكي من الإمارات على شكل ودائع قبل منتصف 2016، إلا أن المستحقات واجبة السداد على مصر تبلغ نحو 1.8 مليار دولار أمريكي في يوليو 2016، وهي التزامات خارجية، منها مليار دولار أمريكي لقطر، و800 مليون دولار أمريكي لصالح نادي باريس.

تتلخص السياسات النقدية التي أضرت بالاقتصاد المصري في طريقة إدارة البنك المركزي للاحتياطي النقدي والسوق الدولارية وتحديد سعر الجنيه واتجاه أسعار الفائدة. فقد أصر البنك المركزي على سياسة توفير احتياجات السوق الدولارية من خلال الاقتطاع من الاحتياطي، ما تسبب في نزيف حاد للاحتياطي، وذلك لاتباع البنك المركزي آلية العطاءات من خلال سوق الإنتربنك الدولاري لتوفير الدولار وتحديد سعر الجنيه أمام الدولار، وذلك في توقيت يعان فيه الاقتصاد المصري بشدة من عدم توافر الدولار، ومن انخفاض حجم الاحتياطي النقدي.

وبدلاً من قيام البنك بالحفاظ على الاحتياطي النقدي، والبحث عن مصادر تمويلية أخرى للدولار لتلبية احتياجات السوق، قام البنك المركزي بوضع إجراءات صارمة لتداول الدولار، ووضع نفسه كمصدر رئيسي لتمويل احتياجات السوق من الدولار؛ في الوقت الذي لا يمتلك فيه المركزي السيولة الدولارية الكافية لتلبية احتياجات السوق، وكانت النتيجة أنه قام باستنزاف الاحتياطي النقدي ليزيد من مخاطر عدم قدرة مصر على الحفاظ على الاحتياطي النقدي عند المستويات الآمنة، في ظل عدم قدرتها على زيادته مرة أخرى، مع توقعات انخفاض الدعم الخليجي، واحتمال عدم تكراره في ظل تحول ميزانيات معظم دول الخليج لتحقق عجز.

كما أن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي لكبح السوق السوداء للدولار، في ظل عدم توافر الدولار، وفي ظل عدم قدرة المركزي على تلبية احتياجات السوق من الدولار، أدت إلى عرقلة قدرة الشركات على الحصول على المكونات الوسيطة والمواد الخام والمعدات من الخارج، ما أدى إلى تباطؤ نمو الاقتصاد المصري.

وكذلك أصبح عدم توافر الدولار، وفرض القيود على تحويلات الدولار للخارج، أصبحا عائقا جوهريا أمام دخول المستثمرين العرب والأجانب للاستثمار في السوق المصري، سواء في الاستثمار المباشر أو إلى البورصة المصرية، وكل ذلك في ظل مستويات الفائدة المرتفعة التي أبقت تكلفة الاستثمار في مستويات مرتفعة أمام المستثمرين المحليين والأجانب، ما أدى إلى انخفاض إنتاجية القطاعات الإنتاجية، لينعكس ذلك على الاقتصاد القومي في انخفاض الصادرات وتراجع النمو.

كل ذلك يجعل من قيام وكالة «ستاندرد أند بورز» بتخفيض نظرتها للاقتصاد المصري من مستقر إلى سلبي ليست بمفاجأة، وذلك في ظل أن بيان الحكومة والموازنة العامة للعام المالي القادم 2016-2017 يزيدان من مشاكل وآلالام الاقتصاد المصري، ولم يقدما أية حلول أو آليات حقيقية وتنفيذية لمواجهة التراجع الاقتصادي الحاد، ومجابهة العجز المتفاقم للموازنة، وارتفاع الدين العام، ومواجهة عدم توافر الدولار، والعمل لوقف نزيف الاحتياطي النقدي، وعدم قدرة الحكومة على إعادة هيكلة الموازنة العامة وتقليل الإنفاق بشكل مؤثر؛ نظرا للنقص الحاد في الخدمات الأساسية، وعدم قدرتها على هيكلة الدعم والأجور وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

والنقطة الأهم، أن نظرتي للاقتصاد المصري ومؤشراته جاءت بناءً على التقرير والبيانات الرسمية المعلنة من وزارة المالية. وأجد كذلك أن وزارة المالية لم تفصح عن أداء الاقتصاد المصري خلال الشهور الماضية كما هو معتاد. وكان آخر تقرير صادر عن وزارة المالية هو عن شهر مارس 2016، والذي يتناول بيانات ومؤشرات الاقتصاد المصري خلال العام المالي السابق، وخلال النصف الأول من العام المالي الحالي، وذكر فقط بعض البيانات عن الإيرادات والمصروفات حتى شهر فبراير 2016، ولم يفصح حتى عن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من العام المالي الحالي.

وبقراءة البيانات المعلنة، نجد فيها ارتفاع دين الموازنة العامة في ديسمبر 2015 إلى 2545 مليار جنيه مصري بنسبة 89.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن الدين المحلي يبلغ 2368.5 مليار جنيه مصري بنسبة 83.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وبلوغ الدين الخارجي 47.8 مليار دولار أمريكي بنسبة 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال النصف الأول من العام المالي الحالي إلى 3.1 مليار دولار أمريكي بنسبة 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وعجز كلي في ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من العام المالي الحالي بقيمة 3.4 مليار دولار أمريكي بنسبة –0.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع العجز الكلي في ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من العام المالي الحالي بقيمة 3.4 مليار دولار أمريكي بنسبة –0.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع عجز الميزان التجاري خلال النصف الأول من العام المالي الحالي بقيمة 8.9 مليار دولار أمريكي بنسبة –2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع عدد السياح في يناير 2016 ليصل إلى 360 ألف سائح وعدد الليالي السياحية 2.6 مليون ليلة.

من غير المعتاد ألا تفصح وزارة المالية عن مؤشرات النمو والدين العام وميزان المدفوعات خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2016.

ومن المتوقع أن تتبع وكالات التصنيف الائتماني الأخرى «فيتش» و«موديز» نفس اتجاه «ستاندارد أند بورز» في موعد المراجعة القادمة للتصنيف الائتماني لمصر، والاتجاه لتخفيضه، سواء للنظرة المستقبلية أو للتقييم الائتماني نفسه.

ومن المتوقع أن يؤثر أي تخفيض للتصنيف الائتماني لمصر على جاذبية مصر للاستثمارات الأجنبية، كما يؤدي إلى رفع الفائدة على القروض الخارجية والسندات الدولية، مما يدفع لارتفاع تكلفة الدين العام في الموازنة العامة التي هي بالفعل حالياً في مستويات مرتفعة وغير مسبوقة وتمثل ثلت الأنفاق العام. كما يؤدي تخفيض التصنيف الائتماني إلى صعوبة الحصول على القروض الخارجية، أو قد تدفع الجهات المانحة والمقرضين لوضع شروط جديدة لحصول مصر على تمويل. وبالتالي، فإن إستراتيجية تمويل العجز بالموازنة العامة من خلال الدين خلال السنة المالية المقبلة (يوليو 2016 - يونيو 2017) والمعلنة من وزارة المالية تتضمن إصدار لسندات يورو جديدة بقيمة 2 مليار دولار أمريكي، وقروض بقيمة 1.5 مليار دولار من البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، وبالتالي فإن أي تغيير في التصنيف الائتماني سيهدد الآمال المعلقة على طرح سندات اليورو، وسيؤدي إلى رفع الفائدة عليها، كما سيؤدي لقيام البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية بمراجعة موقفهما، وقد يفرضان شروطا جديدة على مصر، وتزيد أسعار الفائدة.

 

 

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان