رئيس التحرير: عادل صبري 06:55 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

من فقه الحياة والموت

من فقه الحياة والموت

مقالات مختارة

الصادق المهدي

من فقه الحياة والموت

الصادق المهدي 19 مارس 2016 16:14

من الأحاديث التي نحتها الطغاة ليسكن الناس لطغيانهم مقولة: كل عام ترذلون، وما من عهد إلا الذي يليه أسوأ منه. مقولة أموية مع أن عمر بن عبد العزيز قال: لو جاء الناس يوم القيامة بفراعينهم وجئنا بالحجاج لغلبناهم.

 

عهد النبوة لحظة مضيئة في الزمان والمكان، لتدل على ما يمكن أن يبلغه الإنسان من سمو، ولكن بعدها عرفنا أنه على رغم ما سجل في دفاتر الحياة من هداية. فإن أمتنا عانت على يد الطغاة وبفعل ركود فكري وفقهي مراحل من الانحطاط غيبت ضياء تلك الهداية.

الإنسانية بعامة خاضت ما خاضت من نزاعات، ولكن كانت الحصيلة درجة عالية من التحصيل:

* إعلاء شأن منظومة مكارم الأخلاق.

* إجلاء إقامة حقوق الإنسان على خمسة أصول: الكرامة والعدالة والحرية والمساواة والسلام.

* التطلع لإقامة الحكم على رباعية المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون.

* تطوير العلوم الطبيعية والتكنولوجية حتى بلغت شأواً عظيماً في تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان.

* تنمية الموارد الطبيعية والبشرية لتحقيق تنمية تكفل معيشة الناس ضمن نظام يلتزم العدالة الاجتماعية باعتبار العدالة الاجتماعية أساساً للسلام الاجتماعي.

* تطوير المعرفة والوعي إلى أقصى درجة يستطيع العقل أن يبلغها.

هذه المنظومة من العطاء الإنساني صارت نظرياً تحدّد تطلعات الإنسانية الصاعدة وإن لم تطبّق بالقدر المطلوب في الواقع.

الحضارة الإنسانية بلغت هذا الشأو الرائع. والمدهش أن رسالة بزغت في القرن السابع الميلادي احتوت في شكل جنيني كل هذه المعاني عبر نصوص الوحي. والتحصيل الإنساني عبر نضالات البشر دليل على ما جاء به ابن طفيل في حي بن يقظان من أن فطرة الإنسان مستعدة لمعرفة الحق. تصديقاً لما جاء في قوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟).

هذا العروج الإنساني حركة غائية مستمرة يموت الأفراد في سيرها كالأمواج تتكسر في المجرى ولكن التيار مستمر لا يضره موتهم. ما يهزم تشاؤم أبي العلاء:

إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ

أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ

«لا ثم لا». الناس يحيون إذ يتوالدون. ويحيون في خلود الفكرة والعطاء: «قد مات قوم وما ماتت مآثرهم». وحتى الذين يقومون بتجارب فاشلة فإنهم بذلك يكتشفون طريقة أخرى في تجنب الفشل إذا اتعظوا بنتائجه ولم يستكينوا لها فـ (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

غالبية الذين اندفعوا في انقلاب الإنقاذ ثم تجربة النظام الذي أقاموه لا شك أدركوا أن التجربة أتت بعكس مقاصدها. عليهم أن يتأملوا مقولة العز بن عبد السلام إمام فقهاء مصر في عهده: كل أمر حقق عكس مقاصده باطل، وأن يقوموا بالمراجعات التالية:

أولاً: ينبغي إخضاع كل تجربة لتشخيص واستخلاص الدرس المستفاد. بدأت التجربة بانقلاب عسكري. هنا درسان أحدهما إسلامي والثاني وضعي. قال الشيخ الألباني: «الانقلاب العسكري مخالف لمنهاج الإسلام خارج من نظامه». وقال غاندي: «من يحقق هدفه السياسي بالقوة سوف يستخدم القوة للحفاظ عليه». وفي مراجعات الحركات الأخوانية في عام 1989 مراجعات نشر وقائعها د. عبد الله النفيسي جاء قولهم: ينبغي ألا تستعين الحركات الإسلامية بالانقلابيين لتحقيق أهدافهم. هذا كله معناه الاعتراف بخطأ الانقلاب العسكري.

ثانياً: ينبغي إدراك أن مبادئ الإسلام السياسية ونظام الحكم المقبول للبلدان تتطلب المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. ويرفض تماماً نظام احتكار السلطة وإقصاء الآخرين الذي ابتدعته النظم الفاشستية، فالنظم التي لا تراعي هذه المبادئ تجذف عكس التاريخ، وعكس مبادئ الإسلام السياسية. كما ينبغي إدراك أن النظام العالمي المعاصر يتطلب الالتزام بمنظومة حقوق إنسان على ضوئها تكون الشرعية.

ثالثاً: الاعتراف بأن لولاية الأمر استحقاقات عظيمة. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) وقال نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام عن الإمارة «إِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيه».

رابعاً: التخلي تماماً عن المناداة بتطبيق الشريعة كشعار للمزايدات، بل يتطلب الأمر اجتهاداً جديداً وإحاطة بالواقع المستجد، والتزاوج بينهما ومراعاة الأولويات الصحيحة حتى لا يأتي الشعار بعكس مقاصده. ينبغي إدراك أن تطبيق فكر أحادي بالقوة على مجتمع متعدد الثقافات هو أقصر طريق لتفكيكه. ما أدى إلى انقسام البلاد بانفصال الجنوب. ويمكن إذا استمرت الأحادية أن يزيد تفكك السودان. مصير لا تحول دونه إلا إدارة التنوع بالعدل في سودان عريض. حينئذ تتحقق الوحدة الحاضنة للتنوع. بل يمكن للجنوب نفسه أن يجد في ذلك مكانة للعودة الى نوع من الوحدة مهما كانت فضفاضة.

خامساً: وخطة التمكين أودت بمكاسب البلاد في خدمة مدنية محايدة. وقوات نظامية قومية. لتوظف مؤسسات الدولة لمصلحة الحزب الحاكم.

سادساً: كان التعامل مع النظام الاقتصادي ارتجالياً متقلباً أضرّ ضرراً بالغاً بالاقتصاد الوطني ما يتطلب الاستعداد ببرنامج محكم لإدارة الاقتصاد الوطني. فمكتسبات البلاد الاستثمارية كمشروع الجزيرة وسائر المشاريع المروية، ووسائل المواصلات الحديثة: الطيران، والنقل البحري، والنهري، وسكة الحديد، خربت، والمعيشة استحالت، والجنيه السوداني الذي زعموا أنه سوف يبلغ 20 جنيهاً لولا انقلابهم صار يبلغ جزءًا من الألف من السنت الذي هو واحد في المئة من الدولار.

سابعاً: كان التعامل مع الشعار العلماني مضطرباً. العلمانية التي تنكر الغيب لا مكان لها في أي مكان. ولكن العلمانية التي تقبل حرية الأديان وحقها في التنافس الحر ما دامت لا تقصي الآخرين فاجتهاد يقبل الحوار معه.

ثامناً: حصل انحياز إلى العراق في الحرب العراقية - الإيرانية. والآن يحصل انحياز في حرب اليمن. هذه حروب طائفية أطرافها متجذرة مئات السنين ولن يحسمها الاقتتال. لذلك ينبغي العمل على تحقيق مصالحة سنية - شيعية ووقف كل الحروب الحالية التي اكتسبت صبغة طائفية.

تاسعاً: الفصائل ذات المرجعية الأخوانية يرجى أن تتنادى إلى ملتقى جامع لمراجعة التجربة السودانية، والمصرية، والتونسية، والتركية، والمغربية والإلمام بالصواب والخطأ للاستفادة من الصائب وتجنب الخاطئ.

عاشراً: حيثما حدث إخفاق، كما هي الحال في مصر وفي السودان، ينبغي تجنب العودة إلى المربع الأول ففي ذلك تكرار لتجارب فاشلة، بل المطلوب العمل على بناء مربّع جديد يستقطب القوى الوطنية كافة في مهمة بناء الوطن.

حادي عشر: اتفاقات السلام التي أبرمت اتصفت بالثنائية وركّزت على وقف القتال والمحاصصة وأهملت مخاطبة أسباب النزاع الحقيقية. الأسرة الدولية باركت هذا النهج لأنها اهتمت بوقف الحرب والإغاثات الإنسانية ولم تهتم بقومية الاتفاقات ولا بديموقراطية النظام السياسي. النظام رحب بهذه كمنحة مباركة دولية تعفيه من المشاركة القومية للقوى السياسية الأخرى. ينبغي مراجعة هذا النهج والسعي إلى تسوية شاملة عبر لقاء لا يقصي أحداً ولا يسيطر عليه أحد. هذا المناخ من شأنه أن يشجع الآخرين لاتخاذ طريق غير استقطابي.

إن القوى المواجهة للنظام بالمقاومة وبالمعارضة المدنية ينبغي هي الأخرى أن تجري مراجعات:

أولاً: المقاومة بالقوة الخشنة بلغت مداها ما يوجب التخلي عنها إلا في إطار الدفاع عن النفس. والتطلع إلى نظام جديد عبر حوار شبيه بكوديسا جنوب أفريقيا أو انتفاضة سلمية.

ثانياً: تضخم حجم الاعتماد على قوى خارجية ما يوجب طي هذه الصفحة والاتجاه إلى سودنة الشأن السوداني.

ثالثاً: الحلول الإقصائية حتى في حالة نجاحها إنما تستنسخ السيناريو السوري ما يعطي أفضلية لحلول غير إقصائية.

رابعاً: المظالم التي وقعت على المواطنين يمكن لأصحابها في مقابل مصلحة وطنية أن يعفوا إذا كشفت الحقائق ووضع برنامج لإنصاف الضحايا.

خامساً: هنالك تفرقة بين فصائل المعارضة ما يوجب اتحادها حول ميثاق مستقبلي لبناء الوطن. وخريطة طريق إلى تحقيقه. وهيكل مشترك يقود فصائله ويتحدث باسمه.

هكذا يمكن لتصرفات مستنيرة يقوم بها صنّاع نظام الإنقاذ أن يتّخذوا نهجاً ينقذهم من نتائج ما فعلوا بأنفسهم وبالإسلام وبالسودان، نهجاً يثمر مثله في المقابل. هذا مشروع إحياء وطني. ويمكن لهم أن يتنادوا للعودة إلى المربع الأول وإلى استخدام كل «الكروت» المحروقة فيدفعوا في اتجاه تجديد الاستقطاب القديم ويقتلوا فرصة انبعاث عنقاء السودان من رمادها.

يمكن للموت أن يصير أذاناً للحياة. كما يمكن للأزمة أن تصير باباً لفرصة. تفويت الفرص وارد ومعه نذير (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى). وركوب الفرص وارد ومعه بشرى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). وانبعاث تنشده حكمة الأديب:

كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ

ثمّ انتَفَضْتُ فزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ.

هكذا الحياة الظالمة إماتة والموت الواعظ إحياء.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان