رئيس التحرير: عادل صبري 05:37 مساءً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

«إيذاء الذات» احتجاجاً عدوى تتفشّى في الجزائر

«إيذاء الذات» احتجاجاً عدوى تتفشّى في الجزائر

مقالات مختارة

وقفة شباب عاطل - أرشيف

«إيذاء الذات» احتجاجاً عدوى تتفشّى في الجزائر

الجزائر - أمين لونيسي 17 مارس 2016 12:00

كشف نزوع جزائريين إلى الانتقام من أجسادهم كسلوك احتجاجي على البطالة في بعض المحافظات، خروج هذه الظاهرة من الدوائر المغلقة إلى العلن، بعدما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعرية واقع مرير يعبّر عن أقصى درجات اليأس.

لم يكن تكرار حوادث إقدام عاطلين من العمل على إخاطة أفواههم وتقطيع أجسادهم بالسكاكين في محافظتي ورقلة وعنابة (جنوب وشرق)، كنوع من أنواع الاحتجاج على وضعهم الاجتماعي القاسي، إلا «الشجرة التي تخفي الغابة»، غابة الحالات المسجّلة يومياً في مستشفيات البلاد، وهو ما يؤكّده الدكتور محمد أمين عالية طبيب في قسم الطوارئ بمستشفى البلــيدة غرب العاصمة، لـ «الحياة»، موضحاً أنه «أشرف على معالجة حالات تأتي في وقت متأخر ليلاً، وجميعهم من متعاطي ممنوعات كالمخدّرات أو الكحول، وتبدو على أجسادهم آثار تقطيع بشفرات حادة وغالباً في اليدين». ويتبيّن بعد إخضاعهم للمعاينة وفق عالية أنهم يعانون من البطالة، مذكّراً بحالة شخص أحضر قبل أيام وقد تناول جرعات مخيفة من المهلوسات وقطّع جسده من دون أن يشعر، وعندما سأله عن السّبب أجاب بأنّه من دون عمل وحالته مزرية، «فحتى لباسه يعبّر عن ذلك» وفق تعبيره.

 

منحى خطِر

ولم يكن مثل هذا الأسلوب في الاحتجاج شائعاً، لكنه أخذ منحى خطِراً بلغ في السنوات الخمس الأخيرة حدّ إيذاء المحتجّ نفسه. وتعد حادثة إحراق التونسي محمد بوعزيزي نفسه (2010) الشرارة التي كان لها وقع في نفوس مهمّشين. فأقدم بثلاثة جزائريين على الانتحار حرقاً، لتتوالى عمليات إنهاء الحياة، بتهديد بعضهم برمي أنفسهم من أعلى البنايات أو الجسور وتفجير المنزل بقارورات غاز، وهي سلوكيات دخيلة مقترنة بمطالب تستهدف الحصول على سكن أو عمل.

وتشهد في مدينة ورقلة (جنوب) حركات احتجاجية باستمرار ينفذها عاطلون من العمل يطالبون بحقهم في مناصب في الشركات البترولية التي توجد في مدينتهم، ما حدا بقوات حكومية إلى الانتشار لضبط الأوضاع، ووعود رسمية بتلبية مطالب محتجين.

وتطوّر الأمر مع إقدام محتجين آخرين على التنديد بما يسمونه التمييز بين سكان الشمال والجنوب في المعاملة وتوفير وظائف في شركات بترولية، في حين يعاني سكان في الشمال من كابوس البطالة.

ويروي أحدهم عندما فاجأه مسؤول محلي برفض طلبه في التوظيف، لوسائل إعلام محلية فكرة خياطة الفم، بأن بادره المسؤول قائلاً: «إن شئت أن تنتحر فأنا سأساعدك، سأجلب لك بنفسي البنزين وأساعدك على أن تحرق نفسك».

وكان الأمر في غاية الألم بالنسبة لهذا الشاب الجزائري، إذ قرر أن يلجأ إلى وسيلة أخرى غير الحرق. فخطرت على باله فكرة إخاطة الشفاه والاعتصام قرب مقر البلدية برفقة مجموعة من أصدقائه يعانون شبح البطالة.

ويصف اختصاصيون في علم الاجتماع هذا السلوك بأنه تعبير عن المرحلة القصوى من اليأس ورفض تام للواقع. والإقدام على الانتحار بطرق قاسية (إخاطة الأفواه أو تقطيع الأجساد)، تعبير عن جلد الذات عندما يتجاهل مسؤولون وجودهم كمواطنين. ووفق اختصاصيين، فإن الأسباب التي أدت بهؤلاء إلى النزوع نحو تعنيف الجسد، مثل البطالة، غير مبررة لأن غالبية المحافظات تعيش على وقع غياب فرص التشغيل، والأمر ليس مقتصراً على منطقة محددة.

ويدعو مراقبون مهتمون برصد هذه الظاهرة إلى إجراء دراسة اجتماعية معمقة، تجنّباً لانتشار عدوى تقطيع الأجساد في مختلف أنحاء الجزائر، لأن الأسباب ذاتها ستؤدي إلى النتائج عينها.

في المقابل، يعزو حقوقيون الأمر إلى فقدان العدالة الاجتماعية. ويظهر تقرير للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان تجاوز عدد الاحتجاجات 14 ألف احتجاج في العام الماضين، محذّراً من بوادر انفجار اجتماعي وشيك، خصوصاً بعدما تخطت نسبة البطالة لدى الشباب الــ29.6 في المئة.

 

العدالة المفقودة

وتدعو دراسات إلى إرساء مفهوم العدالة الاجتماعية من خلال توزيع منصف للوظائف والشقق السكنية وقطع الأراضي، لتقليص الاختلال في التنمية لا سيما بين الشمال والجنوب وبين المدن والأرياف. ويكشف مضمون دراسات أن «تفشّي الاختلال» زاد من الاحتجاجات أخيراً. فقطعت طرق بسبب الاحتقان الشعبي الذي تسببت به سياسة التهميش والإقصاء وعدم المساواة، التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة مند التسعينات.

وينصح الدكتور عالية بمعالجة مثل هذه الحالات في عيادات نفسية، ملخّصاً خلفيات جنوح هؤلاء إلى الانتقام من أجسادهم إلى الفقر والعيش في مكان ضيق لا يتسّع للجميع، العنف، المخدّرات، وأيضاً توقفهم باكراً عن الدراسة، محذّراً من اقتداء آخرين بهم، واعتقادهم «أن الممنوعات تخفّف من وطأة الحياة عليهم وصعوبتها».

ولجأ أئمة الجمهورية إلى الخطب في المساجد، داعين إلى نبذ هذا السلوك المنافي مثل إحراق الذات، أو الامتناع عن الطعام حتى الموت، أو تقطيع الجسد، لأنه لا يجوز شرعاً.

ويعتبر رئيس المجلس الوطني للأئمة، جمال غول، حول الأساليب التي صار يلجأ إليها بعض الشباب، للمطالبة بفرص عمل أو سكن، أن المطالبة بفرص عمل أو سكن حق مكفول بالقانون لكل من تعرّض للظلم أو أقصي من العمل والسكن، لكن يجب أن يكون الاحتجاج وفق ضوابط شرعية وأساليب قانونية، لافتاً إلى أن حالات تخييط الأفواه وتقطيع الأجساد إضرار بالجسد والروح.

نقلا عن الحياة اللندانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان