رئيس التحرير: عادل صبري 11:39 مساءً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

كاتبة سعودية: قانون التحرش... آتٍ لا ريب فيه

كاتبة سعودية: قانون التحرش... آتٍ لا ريب فيه

17 مارس 2016 11:43

أتيت في المحاضرة التي ألقيتها الأسبوع الماضي في «جامعة الأميرة نورة» بمناسبة يوم المرأة العالمي، على ذكر قانون التحرش كأحد الاستحقاقات المهمة التي تنتظرها المرأة السعودية، بخاصة مع التوسع النسبي في خروجها للعمل ومشاركتها في الحياة العامة. بعد ذلك بأيام، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مسرباً من إحدى كاميرات المراقبة، يُظهر عاملة سعودية وهي تصدّ زميلها العربي الذي يحاول التحرش بها. وبدلاً من المطالبة بالإسراع في سن قانون للتحرش، وجدها البعض مناسبة للهجوم على عمل المرأة، وعلى وزارة العمل التي تنفذ خططاً مرحلية لتوظيف النساء.

يدور نقاش سعودي مطوّل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول الحاجة الى هذا القانون، والاستغراب من وقوف البعض ضده، مع أننا من أكثر المجتمعات العربية والإسلامية محافظة. وبما أن مسودة القانون ما زالت تأخذ جولتها المسترخية في ردهات مجلس الشورى منذ سنوات، فكثيراً ما يوجه إلي السؤال عن حجج الممانعين هنا أو هناك. وقد أتيح لي من خلال اهتمامي بالموضوع أن أرصد الحجج المتداولة، فوجدتها مغموسة بالمغالطات والوساوس النفسية، أكثر مما هي مستندة الى اعتراضات موضوعية.

ويبدو أن القصة متشابهة في المجتمعات العربية والإسلامية، إذ استمعنا العام الماضي الى الجزائريين المعارضين، حين أقر المجلس الشعبي الوطني في الجزائر، تعديلاً قانونياً شدد على عقوبة التحرش. فبعض الكتل البرلمانية قاطع الجلسة التي شهدت المصادقة، وامتنع آخرون عن التصويت، اعتراضاً على طرح التعديل القانوني الذي يتنافى في رأيهم كما نقلت وكالة الأنباء الجزائرية «مع مبادئ وثقافة المجتمع الجزائري». لكن وزير العدل خرج الى مجتمعه عقب جلسة التصويت قائلاً: «قرارنا سيادي ولا توجد إملاءات خارجية».

معظم التشريعات الجديدة التي تتعلق بالمرأة هي في نظر الممانعين من العرب والمسلمين إملاءات خارجية، أو تطبيق لأجندة الغرب التي يقوم عليها الوكلاء في البيئة المحلية. ونتميز كسعوديين بالتهويل من كل جديد يخص المرأة، مع محاولات بعضنا الجادة لعرقلته، لكن سرعان ما نتقبله لاحقاً، بل ونعدد مزاياه الجمة حين يأتي به القرار السياسي. وكنت شاهدة بنفسي قبل بضع سنوات على مفاصل معركة شرسة، قادتها بعضهن ضد إقرار الهوية الشخصية للمرأة. واليوم يحملن هن وبناتهن هذه الوثيقة الرسمية وكأن شيئاً من الماضي القريب لم يكن.

يبدأ الاعتراض على قانون التحرش من المصطلح في حد ذاته، وحساسية المصطلح لها تاريخها المتأصل لدينا لمن لا يعرف. ويؤدي ذلك أحياناً إلى استبدال بعض المصطلحات بأخرى، مع أن المفهوم يظل باقياً هو نفسه لا يتغير. تم مثلاً استخدام مصطلح (نظام) وتثبيته في الواقع التشريعي، بدلاً من مصطلح (قانون)، مع أنه لا يوجد فارق بينهما، والأول يعني الآخر تماماً.

ابتداء، يتحفظ البعض عن مفهوم التحرش عامة، وعن سن قانون له، بقولهم إن التحرش ليس من جرائم القذف والزنا التي عرّفتها الشريعة، ورتبت لها عقوبات محددة، بل من المفاهيم الأجنبية الوافدة، التي لا وجود لها في التراث الفقهي ولا في الكتاب والسنّة. وبإمكان المرء أن يسأل هؤلاء: وماذا عن (نظام الجرائم المعلوماتية) أو (نظام مكافحة غسل الأموال) أو (نظام جرائم الإرهاب وتمويله)، كلها قوانين سعودية، فهل لها تعريفات وعقوبات محددة في الكتاب والسنّة؟

أعتقد أننا بتفعيل الخدعة اللغوية ذاتها في التعامل مع المصطلحات الجديدة، يمكن أن نتجاوز المعضلة لدى الخائفين على هوية هذه الأمة. وقد اقترح البعض مسمى (نظام حماية الأعراض) عوضاً عن نظام التحرش، ولا بأس في ذلك، لأن مسمى القانون ليس قضية تستحق إهدار الوقت حولها.

الممانعة الأخرى المرتبطة بسابقتها فحواها أن عقوبة التحرش تقع ضمن دائرة العقوبات التعزيرية التي لا تحتاج الى قانون. لكن هذه الدعوى متهافتة، فالتحرش حتى اليوم ليس جريمة محددة الأركان والمعالم، وعقوبته استنسابية أو تقديرية، تخضع لاجتهادات القضاة. فقد يخفف أحدهم الحكم وقد يغلظه آخر، بينما الجريمة واحدة. وقد يأتي من يخرج كثيراً من الأقوال والتصرفات والإشارات من نطاق التجريم. وقد يأتي من يدين الضحية بسبب لباسها أو هيئتها أو مكان وجودها، مما يترتب عليه تخفيض العقوبة على المجرم. أما احتجاج بعضهم بدول إسلامية لم تفرد قانوناً خاصاً للتحرش، فهو من قبيل المغالطات الماكرة، لأن هذه الدول إن لم تفرد لهذه الجريمة قانوناً خاصاً، فلأن العقوبة أصلاً مدرجة ضمن قوانين العقوبات فيها، كما هي حال مصر أو تركيا أو الجزائر. ولا حاجة للتذكير بالعراقيل التي تقف حتى اليوم في وجه تقنين الأحكام القضائية لدينا.

أيضاً تروج حجة أخرى، وهي ربط التحرش بالتبرّج، فالمحتشمة لا أحد يتحرش بها، والمطالب بالقانون إنما يرمي الى حماية التبرّج المحرم شرعاً. لكن هذا الزعم تدحضه حقيقة بسيطة ما زلت أتعجب من عدم إدراكهم لها منذ الوهلة الأولى. فالتحرش يمكن أن يقع على الأطفال في الطرقات والنوادي والبيوت، وعلى المعاقين جسدياً أو عقلياً من قبل القائمين على رعايتهم. ويمكن أن يقع على المحارم في الأسرة، وداخل أفراد الجنس الواحد في المدارس والجامعات. كما يقع كشكل من أشكال استغلال السلطة في الهياكل التنظيمية التي تحتل فيها النساء الوظائف الأدنى، حتى لو كانت أجواء العمل تتم من وراء حجاب، وفي مكاتب تفصل بين الجنسين كغالب بيئات العمل لدينا. يغفل هؤلاء الذين يربطون التحرش بالتبرّج أو الاختلاط، أن وسائل التواصل الحديث توفر سبلاً متعددة في العالم الافتراضي لهذا الانتهاك الصارخ لكرامة ضحاياه.

سبق لمجموعة «بنات مصر خط أحمر» أن عقدت جلسة خاصة مغلقة، دعت اليها مجموعة من المتحرشين لفهم الظاهرة من منظور المتحرش. وجاءت الإجابات المدونة بالعامية المصرية صادمة وكاشفة في الوقت نفسه، لأنها توضح إلى أي حد تتعدد أسباب التحرش، ولا تقتصر على العوامل التقليدية كالكبت الجنسي ومظهر الضحية. فهناك التحرش كسمة من سمات الرجولة: «أبقى مش راجل لو ما تحرشتش بيها... أومال أصحابي يقولوا علي إيه». وهناك التحرش كسياسة عقابية: «عشان متجيش هنا تاني». وهناك التحرش للتعدي على ما لا تملكه. وهناك التحرش لأن الفتاة ارتكبت «جرم» أن تكون مرئية: هي «تمشي مش حاطة راسها في الأرض»! وفي النهاية كل امرأة معرضة للتحرش، السافرة والمنقبة، المنفردة بنفسها أو المصاحبة لزوجها: «واحدة منقبة وشايلة عيل ومعاها جوزها واتحرشنا بيها أنا وأصحابي في المترو وضربنا جوزها».

يشكل الاستماع الى وجهات نظر المتحرشين محاولة لاجتراح مقاربة جديدة لظاهرة التحرش، لأن المقاربة الثقافية النسوية استنفدت نفسها، أو ظلت تراوح في مكانها من دون إضافة جديدة. فكثيراً ما تلوم النسويات عادة الذكور في إدراك المرأة في الفضاء العام ضمن ثنائية الجسد والغواية، كانعكاس أمين للتشيؤ في تراث ألف ليلة وليلة، الذي تمدد مع مثيله في بعض مخرجات الحضارة الحديثة.

ومع أهمية مقاربة الظاهرة أو محاولة فهمها، فإن الركيزة الأولى هي سن قانون لمحاربتها. وحتى يرى قانون التحرش السعودي النور، فإن الحل في رأيي أن تبادر وزارة العمل الى تقديمه عاجلاً، وفي هذه الحالة سيدرس في لجان مجلس الوزراء ويصبح مشروعاً للحكومة. والخبرة علمتنا أن أي مشروع للحكومة يرد إلى مجلس الشورى، يبادر الأخير إلى دراسته وعرضه للتصويت خلال مدة زمنية محددة، من دون إبطاء أو تسويف. أما المشروعات التي يكون أعضاء المجلس هم أصحاب المبادرة فيها، فليس لها أي تحديد زمني، وقد تستغرق سنوات، والشواهد أكثر من أن تحصى.

نقلا عن الحياة اللندانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان