رئيس التحرير: عادل صبري 07:34 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

الإصغاء إلى موجات الجاذبية التي توقعها آينشتاين قبل مئة عام

الإصغاء إلى موجات الجاذبية التي توقعها آينشتاين قبل مئة عام

مقالات مختارة

آينشتاين

الإصغاء إلى موجات الجاذبية التي توقعها آينشتاين قبل مئة عام

15 مارس 2016 14:04

بعد برهة خاطفة من احتفال العالم بمرور مئة سنة على نظرية النسبيّة التي وضعها العالِم آلبرت آينشتاين، نجح علماء من «جامعة كاليفورنيا للتكنولوجيا» (اختصاراً «كالتك» CALTEC) و «معهد ماساشوستس للتقنية» («إم آي تي» MIT) ولأول مرة، في التقاط موجات جاذبية عند وصولها إلى الأرض.

في العام 1916، نادى آينشتاين بوجود تلك الموجات، ووضع إطاراً علميّاً نظريّاً عنها. ومذّاك، يبحث علماء الفيزياء عن تأكيد لتلك المقولة الآينشتاينيّة التي تلاحظ أنّ تسارع الأجسام الفلكيّة الكبرى كالنجوم الضخمة، يترافق مع انطلاق تموّجات في حقل الجاذبية تسير بسرعة الضوء، حاملة معها معلومات قيّمة عن مصدرها.

وقبل أسابيع قليلة، استخدم علماء من «كالتك» و «أم آي تي» مرصداً مزدوجاً يعمل بأشعة الليزر، ويسمّى بـ «ليغو»، وهي كلمة مكوّنة من الحروف الأولى لعبارة «Laser Interferometer Gravitational-wave Observatory) «LIGO) أي «مرصد تداخل موجات الجاذبية العامل بالليزر».

واستنتج الفيزيائيون أن موجات الجاذبية الملتقطة صدرت خلال جزء من الثانية في المرحلة الأخيرة من اندماج ثقبين أسودين وتشكيلهما ثقباً أسودَ أكبر كتلة وأسرع دوراناً. ومن الناحية النظريّة، كان العلماء يتوقّعون ذلك الاصطدام، لكنهم لم يحصلوا قبلاً على دليل ملموس عنه.

وكانت معادلات آينشتاين في النسبيّة العامة على درجة عالية من التعقيد، بل استمر صاحبها 40 سنة في الدفاع عنها وإقناع معظم معاصريه بها، بما فيها وجود موجات الجاذبية. ووفق تلك النظرية، يشكّل الزمن والفضاء بترابطهما نوعاً من النسيج المشدود سمّاه آينشتاين «زمكان». ويتقعّر النسيج في النقاط التي يوجد فيها أجرام ثقيلة، مع ظهور الجاذبيّة في خيوط ذلك النسيج. في المقابل، درج منطق فيزياء ما قبل آينشتاين على اعتبار «الزمكان» عنصراً رياضيّاً مجرّداً، لا يجدر تخيّله كمكوّن فيزيائي ملموس.

قوى الكون وأخيلتها المعقّدة

حين نحرك مغناطيساً من نقطة ما، يحدث تغيير في قيمة الحقل المغناطيسي عند تلك النقطة والقوّة الناتجة منه. وكذلك تتغيّرر قوة الجاذبية على جسم ما، عند اقترابه أو ابتعاده عن كوكب له جاذبيّة معيّنة.

ووفق نظرية النسبيّة، ليست الجاذبية سوى «تسارع»، بمعنى أنها تغيير في معدل السرعة. وكذلك «تسارع» جسم مادي له كتلة وازنة، يطلق تشوّهات في حقل الجاذبية.

ونظراً لأن قيمة الجاذبية تزداد طرداً مع الكتلة وتتناقص مع المسافة، فإن التماس أي تشوّه في حقل الجاذبية لنجم ما على بعد ملايين السنين الضوئية؛ يتطلّب ان يكون النجم ذا كتلة هائلة كي تستطيع التعويض عن تأثير المسافة. واستطراداً، إن تحرك كتلة وازنة في نقطة معينة في الفضاء (أو تفتتها)، يؤدّي إلى إحداث تغيير لحظي في قيمة حقل الجاذبية عند تلك النقطة.

ويعجّ الكون بأجرام ثقيلة التي تعاني من تسارع كبير. ولا أحد يعلم مدى انتشار تلك الأجسام الفائقة الكتلة والأحداث الهائلة القوة المرافقة لها، ومدى قوة موجات الجاذبية التي تطلقها. ولذا، تساءل العلماء دوماً عن قدرتهم على التقاط تلك الموجات.

واستطراداً، ربما تأتّت موجات الجاذبية من ثقوب سود تجذب اليها مواد بسرعة تقارب سرعة الضوء، أو شموساً تدور حول نفسها بسرعة لا تصدّق، أو نجوماً ضخمة تختم حياتها عبر انفجار ضخم يجعلها جرماً هائلاً مستعراً يسمّى «سوبرنوفا» وغيرها.

وعلى رغم المصادر العنيفة جداً التي تنطلق منها موجات الجاذبية مترافقة مع طاقة هائلة، تصل تلك الموجات إلى الأرض وهي أضعف ببلايين بلايين المرات من طاقتها عند المصدر. وتقل قيمة الحركة الاهتزازية التي تسببّها على الأرض بآلاف المرات عن قطر نواة ذرة واحدة! لذا، تكون الثقوب السود الهائلة الكتلة والصغيرة الحجم نسبيّاً، هي المرشحة لإطلاق موجات الجاذبيّة، خصوصاً حين يرتبط ثقبان أسودان بجاذبية بعضهما البعض، فيدوران حول بعضهما بسرعة هائلة قبل اندماجهما لتكوين ثقب أسود واحد.

رنين مقلق

في القرن الماضي، حصل علماء فيزياء الفلك على دليل غير مباشر عن وجود موجات الجاذبيّة. ففي العام 1968، كان العالِم الأميركي راي ويس، مخترع جهاز «ليغو» لاحقاً، أستاذاً مبتدئاً في الفيزياء الاختباريّة في «معهد ماساشوستس للتقنية». وأسند اليه تعليم مقرّر جامعي عن نظرية آينشتاين في النسبيّة. وتناهى إلى أسماع ويس أن العالِم جوزف وبر في «جامعة ميريلاند»، ادّعى أنه التقط موجات جاذبية، تشكك في الأمر. وبدأ ويس في التفكير في اختبار يراعي شروط نظرية النسبيّة عن موجات الجاذبية. وعلِم أن وبر أنشأ جهازين متشابهين، حجم كل منهما يساوي غرفة عاديّة، يضمّان قضباناً ثقيلة مُدلّاة من الألمينيوم كأنها أداة موسيقيّة.

وبعد أن وزّع وبر جهازيه على ولايتين أميركيتين متباعدتين، أعلن أن قضبان الألمينيوم أطلقت رنيناً أثناء مرور موجات الجاذبية.

وفي عام 1993، حصل الثنائي راسل هولس وجوزف تايلور على جائزة «نوبل» في الفيزياء، عن عملهما على موجات الجاذبية. ورصد العالمان زوجين من نجوم خاصة يرتبطان ببعضهما بعضاً بواسطة الجاذبيّة، ما يجعلهما يدور أحدهما حول الآخر بسرعة هائلة، مع صدور موجات كهرمغناطيسيّة عنهما. واكتشف العالمان أنّ ذلك الثنائي النجمي يخسر أثناء الدوران، طاقة حركية بالمقدار الذي توقعه آينشتاين، بمعنى أنهما يصدران موجات جاذبيّة. ولم يتمكن العلماء حينها من التقاط تلك الموجات بصورة مباشرة.

مثل دقّة الفراغ وأكثر

وفقاً لنظرية آلبرت آينشتاين في النسبيّة، عندما يبدأ ثقبان أسودان بالالتفاف حول بعضهما بعضاً، يخسران طاقة كبيرة كلما تقاربا أيضاً. وفي اللحظة التي تسبق اندماجهما مباشرة، فإنهما يطلقان انبثاقة كبرى من موجات الجاذبية، تتميّز ذبذباتها بطاقة عالية، تنتشر في «الزمكان» وتجوب أرجاء الكون الفسيح. ويعتقد بأن مرصد «ليغو» سجّل تلك الانبثاقة الموجيّة.

وشهد العام 1990 بدء العمل في مرصد «ليغو». وانتهى بناء النسخة الأولى منه في 2002 ثم خضع لعمليات تطوير أوصلت إلى «ليغو المطوّر» الذي يملك قدرات استشعار متقدّمة.

يتألف «ليغو» من جهازين لاقطين يبعد الواحد عن الآخر 2300 كيلومتر. ويتكوّن كل جهاز من ذراعين متعامتدين كزاوية قائمة طول كل ضلع فيها 4 كيلومترات. في كل ضلع، هناك أنبوب قطره قرابة متر، ويكون مفرّغاً من الهواء، كما تعبره أشعة ليزر ذهاباً وإياباً 40 مرة عبر انعكاسها على مرايا عند أطرافه، قبل أن تلتقي بأشعة مشابهة مقبلة من الأنبوب الآخر. ويدرس العلماء عملية التداخل الدقيق بين أشعة الليزر في الأنبوبين. ووُضِع جهازا «ليغو» في ولايتين أميركيتيّن مختلفتين.

الجدير بالذكر أن تصميم مراصد مستقلة ومتباعدة أمر ضروري من أجل تحديد اتجاه مصدر الموجات، والتحقّق من كون الإشارات الملتقطة تأتي من الفضاء وليس من مصادر على الأرض كزلازل.

وحين تمر موجة جاذبية عبر جهاز «ليغو» فإنها، وفقاً لنظرية آينشتاين، سوف تمدّد الفضاء في أحد أنبوبي الجهاز، وتقلص الفضاء في الأنبوب الآخر. هذا التغيير المتناهي في الصغر يخلق فارقاً بين مسار أشعتي الليزر في الأنبوبين، ما يعني أن تداخلهما الذي كان مضبوطاً عند نقطة الصفر، يتأثّر بذلك التغيير. ويتحوّل ذلك التأثّر إلى إشارة يمكن تحويلها إلى رسم طيفي أو صوت مسموع. وعلى ذلك النحو، بات لدى العلماء القدرة على الإصغاء إلى موجات الجاذبية وسماعها.

ويستخدم «ليغو» كل فنون تثبيت الحركة وإلغاء الإشارات المشوشة وتأمين ما يشبه الفراغ داخل الأنابيب ومجسّتها الكثيرة، بغية قياس أي تغيير في طول ذراعي الجهاز، ولو كان مقداره يساوي قطر جسيّم الـ «بروتون» في نواة ذرة واحدة!

لم تكن تلك الدقة متخليّة قبل قرن مضى. وكذلك لم تكن ممكنة في 1968 عندما تخيّل العالِم الأميركي رينر ويس اختباراً لالتقاط موجات الجاذبية، ثم تطوّر الاختبار ليصبح مرصد «ليغو» المزدوج.

واستناداً الى الإشارات الملتقطة، قدّر العلماء العاملون على أجهزة «ليغو» أنها صادرة عن اندماج ثقبين أسودين تبلغ كتلتاهما 29 و36 مرة كتلة الشمس، وأن اندماجهما حدث على بعد 1.3 مليار سنة ضوئية من الأرض. كما قدّروا أن كمية الكتلة التي تحوّلت الى طاقة موجية جاذبية بلغت 3 مرات كتلة الشمس. وبالنظر إلى وقت وصول الموجات، التقطها أحد مرصدي الـ «ليغو» قبل الآخر بسبعة أجزاء من ألف من الثانية.

نافذة جديدة

ضمّت البحوث في مشروع «ليغو» ما يزيد على ألف باحث من جامعات الولايات المتحدة، إضافة إلى بحّاثة من 14 بلداً، وما يزيد على 90 جامعة ومركز بحثي، عملت على تطوير تكنولوجيا أجهزة الالتقاط وتحليل المعطيات.

ويتيح التقاط موجات الجاذبية وتحليلها رصد الأجرام والأحداث الفلكيّة بطرق لم تكن متاحة لعلماء الفلك، ما يفتح نافذة جديدة لدراسة الكون، وفهم أعمق للكوارث الفلكية، وعصر جديد في الفيزياء وعلم الفلك.

وقبل ذلك الإنجاز، كان العلماء يعتمدون في رصد النجوم والأفلاك وفهم الأجرام السماوية والأحداث الفلكيّة، على الأشعة الكهرمغناطيسية (الضوء، الأشعة الحرارية دون الحمراء، الموجات الراديوية، الأشعة فوق البنفسجية، الأشعة السينية، أشعة غاما...). ثم أضيف عامل آخر للمساعدة في فهم الأمور، هي جزيئات الأشعة الكونيّة أو الـ «نيوترينو» Neutrino.

ماضي الكون أيضاً

ليست موجات الجاذبية بأشعة كهرمغناطيسيّة. وتحمل أثناء انتشارها في الكون، عبر مسافة ملايين السنين الضوئية في الفضاء، معلومات عن الأحداث التي أدّت إلى صدورها في الماضي، وهو أمر ربما لا تستطيعه الموجات الضوئية الأخرى.

ويرى فيزيائيو الفلك أن التقاط موجات الجاذبية يفتح نافذة جديدة على الكون، ويتيح فهماً أفضل لتشكّل الثقوب السود وانتشارها ودورها في المجرات، ويكشف عن الأحداث البعيدة جداً التي لا يمكن التلسكوبات رصدها.

«يمثّل ذلك الاستشعار فاتحة عصر جديد: إن علم الفلك المعتمد على موجات الجاذبية أصبح حقيقة»، وفق كلمات غابريللا غونزاليس، الناطق باسم فريق «ليغو» وأستاذ الفيزياء والفلك في «جامعة لويزيانا».

نقلا عن الحياة اللندانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان