رئيس التحرير: عادل صبري 12:36 صباحاً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

العقل السياسي العربي في أجواء انقلابية

العقل السياسي العربي في أجواء انقلابية

علي حرب 12 مارس 2016 14:06

سألتني الدكتورة جويدة غانم أستاذة الفلسفة في جامعة عنابا بالجزائر عن رأيي في «العقل السياسي العربي» الذي هو موضوع أطروحة تشرف عليها، فكانت هذه الإجابة:

لا أؤثر أن أتحدث عن العقل السياسي العربي، بصفة عامة، وإنما أقصر حديثي على تجلياته وترجماته لدى أصحاب المشاريع الإيديولوجية بنسخها الثلاث، القومية واليسارية والإسلامية.
 

وعلى رغم ما بين هذه المشاريع من الاختلاف والتعارض في المنطلقات والشعارات، فإنها تخضع للمنطق نفسه وتعمل بالآليات الفكرية نفسها التي أوجزها في الآتي:
 

1- العقل السياسي العربي هو عقل أمني لا مدني، وهو عقل انقلابي لا مؤسسي، يخشى أصحابه على أنفسهم وعلى سلطتهم من شعوبهم التي كلفوا بحمايتها وحفظ أمنها.
 

ولذا فقد أطاحوا دولة القانون والمؤسسات، التي كانت شغالة قبل استيلائهم على السلطة، على رغم ما كان يعتريها من النواقص والثغرات. بل هم أطاحوا القيم والأعراف التي كانت تنظم العلاقات بين الناس في المجتمعات التقليدية، ليقيموا أنظمة شمولية كابوسية تحكم بواسطة أجهزة الاستخبارات التي تشتغل بتخوين الناس وترهيبهم أو باتهامهم وإدانتهم، من أجل إخضاعهم وتطويعهم، أو ملاحقتهم واعتقالهم. الأمر الذي أدى إلى خنق المجتمع المدني وشلّ الحياة السياسية.
 

2- وهو عقل استبدادي، عدوّه الأول من يعترض أو يفكر بحرية. ولذا فقد ألغى أصحابه الأنظمة الديموقراطية الموروثة من عهود الاستعمار، والتي كانت تحتاج إلى التطوير والتحسين، كما كانت عليه الأحوال في تونس أيام بورقيبة، أو في مصرَ ما قبل ثورة يوليو 52، أو في سورية ما قبل حزب البعث، وبالأخص في لبنان قبل محاولات الهيمنة عليه لتعريبه وإسلمته للعودة به إلى الوراء في المستويات الحضارية والمدنية. مثل هذا العقل لا يحسن أصحابه سوى قمع أو استئصال كل أشكال الاختلاف أو المعارضة، وتحويل النظام الجمهوري إلى نظام وراثي، وإفراغ اللعبة الديموقراطية من محتواها، بتحويلها إلى مجرد واجهة شكلية من أجل تحسين السمعة أو التستّر على الأخطاء والمساوئ.
 

والاسوأ من ذلك أنهم تعاطوا مع الحرية التي رفعوا شعارها، لا كصناعة وبناء أو كجدارة واستحقاق لحمل المسؤولية وممارسة الفاعلية والحضور، بل كسلطة مطلقة للعبث بالمصائر وانتهاك كل الحقوق والحريات.
 

3- وهو عقل طائفي لا وطني. ولذا لم يحسن أصحابه الاشتغال على معطيات المجتمع الأهلي، كي تمارس الخصوصيات الطائفية أو الاتنية تحت سقف الدولة الجامعة، بعقلية المداولة المثمرة والشراكة البناءة.
 

ما فعلوه هو العكس من ذلك، إثارة الغرائز الجمعية وتغذية العصبيات المذهبية، باللعب على تناقضاتها، من أجل التسلق إلى السلطة أو البقاء فيها. وكانت الحصيلة نسف فكرة المواطنة وتلغيم المجتمعات، وفتح المجال واسعاً للنزاعات والحروب الأهلية البربرية التي يغرق فيها غير بلد عربي.
 

4- وهو عقل أحادي حَكَمَ أصحابه بذهنية: أنا أو لا أحد، أو من ليس معي فهو عدوي. ولذا فقد فشلوا في توحيد حيّ في مدينة. بل هم اقتتلوا مرة باسم العروبة، وأخرى باسم الاشتراكية، وثالثة باسم الإسلام. من هنا لا نجد في العالم العربي، باستثناء لبنان، رئيساً خارج السلطة يعيش حياته بصورة طبيعية، فالرئيس إذا لم يكن في السلطة، يكون في المنفى أو السجن أو في القبر.
 

وهكذا فقد دمروا فكرة الوحدة ومبدأ التوحيد، ولم يصنعوا سوى الفرقة والشرذمة. ولا عجب لأن الوحدة الناجحة، إنما تدار بعقل مرن، واسع، يحسن أصحابه جمع القوى وحشد الطاقات أو التأليف بين المختلفات والمتعارضات، بمنطق التحويل الخلاق والتركيب البنّاء والتجاوز الفعال.
 

5- وهو عقل متخلف يصدر عن خيال فقير، يفتقد أصحابه إلى الرشد وحسن التدبير، ولا يملكون رؤى مستقبلية أو استراتيجيات فعالة، يمكن أن تترجم انجازات في مسيرة النهوض والتحديث.
 

والعلّة في ذلك أن هاجسهم كان الوصول إلى السلطة والبقاء فيها لممارسة النفوذ والهيمنة بانتهاك الأنظمة والقوانين، أو لاستغلالها في جمع الثروات غير المشروعة، الأمر الذي ترجم هدراً للمال العام وفساداً في الادارة وفشلاً في أعمال الانماء والبناء.
 

ولا عجب أن تكون النتيجة هي كذلك، لأن المجتمع المتطور والغني أو المزدهر، هو الذي يدير شؤونه العامة حكام يخلقون الفرص والإمكانات التي يتحول معها إلى ورشة دائمة من التفكير الحيّ والعمل المثمر.
 

6- وهو عقل خرافي تتحكم بأصحابه النزوات النرجسية والتشبيحات الإيديولوجية أو الشعوذات الغيبية. هذا ما تجسّد في صور ونماذج الزعيم الأوحد والبطل المنقذ أو القائد الملهم الذي يفكر عن الجموع، والذي يدعي امتلاك مفاتيح الخلاص، ولكن باختراع أعداء لمحاربتهم، بقصد إلهاء الناس عن الاهتمام بمطالبهم الحيوية والتفكير بتحسين شروط حياتهم البائسة أو المتردّية.
 

والحصيلة هي شلّ الطاقات الحية في المجتمع، بتحويله إلى حشود هي أشبه بالقطعان التي تسيّرها الغرائز الفالتة والعصبيات العمياء، لكي تمارس طقوس الطاعة والعبادة تجاه زعيمها وجلاّدها، الذي يقودها لخوض حروب تفضي إلى هلاكها، لكي يبقى الزعيم على كرسيه، ويبقى النظام الشمولي الاستبدادي، أو العنصري والفاشي.
 

مختصر القول إن العقل السياسي العربي، كما جسّده ثالوث المنظّر العقائدي، القومي واليساري والإسلامي، أخفق إخفاقاً ذريعاً في كلّ ما طُرح من عناوين وشعارات تُرجمت بأضدادها.
 

وكان المآل هو السقوط في الاستحقاقات الأربعة المتعلقة بامتحانات الديموقراطية والمعرفة والإدارة والتنمية، لكي تحصد المجتمعات العربية التقهقر الوجودي والتخلف الحضاري أو الاستبداد السياسي والإرهاب الديني.
 

والفكاك من هذا المأزق هو أن يستعيد كل مواطن، لا سيما أننا ندخل في عصر المعلومة ومجتمع المعرفة، ما يمتاز به الإنسان، أعني طاقته الحية على التفكير بصورة حرة مستقلة، بحيث يحتفظ بعينه النقدية، تجاه ما يطرحه أصحاب المشاريع والدعوات والسياسات، كي لا يخدع أو يستغفل من حيث لا يعي ولا يحتسب.
 

ولذا فالرهان أن يشغّل كل فرد عقله ويستثمر قدرته على الخلق والإبداع، في عمله ومحيطه، لكي يكون مواطناً، فعالاً ومشاركاً، في صناعة حياته وفي بناء مجتمعه أو عالمه.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان