رئيس التحرير: عادل صبري 06:46 مساءً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

عن تأخر مأسسة السياسة في مصر

عن تأخر مأسسة السياسة في مصر

مقالات مختارة

البرلمان المصري

عن تأخر مأسسة السياسة في مصر

بشير عبدالفتاح 10 مارس 2016 11:11

على رغم اكتمال إجراءات خارطة المستقبل، التي حددت ملامح المسار السياسي لمصر ما بعد 3 تموز (يوليو) 2013 بالتئام البرلمان مطلع العام الحالي، عقب الاستفتاء على الدستور وانتخاب رئيس للجمهورية، فالسياسة في مصر لا تزال تراوح مكانها مترددة في الانتقال من جنبات الشوارع وساحات الميادين إلى مظلة القوانين والدساتير وأروقة المؤسسات المنتخبة أو الوسائط السياسية، كالأحزاب التي تخطى عددها المئة حزب، ومنظمات المجتمع المدني التي يدنو تعدادها من العشرين ألف منظمة.

فلم يكد يمضي عامان على اعتماد الدستور الجديد، حتى أطلت الدعوات المغرضة تترى، مطالبة بالعبث بمحتواه عبر تعديل بعض نصوصه، حتى قبل أن يُفعَل أو تطبق تلك النصوص أو أن يصوغ البرلمان هذه النصوص والمبادئ العامة في صورة قوانين وتشريعات. وبعد زهاء عامين، شهدت البلاد خلالهما انكماشاً لافتاً في التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، تم انتهاك قانون تنظيم التظاهر إثر خروج ممثلين لفئات شعبية متنوعة كالأطباء وأمناء الشرطة وموظفي الدولة في وقفات احتجاجية، فضلاً عن اندلاع تظاهرات شباب «ألتراس أهلاوي» في ذكرى مذبحة استاد بورسعيد. وبينما كان مجلس النواب يحتفل خلال الشهر الماضي بمرور قرن ونصف القرن على تدشين الحياة البرلمانية المصرية، تبدى عجز ذلك المجلس عن الارتقاء بمستوى أدائه ليلامس تطلعات ناخبيه. فعلى رغم أنه ولد متحرراً من ربقة متلازمة «استمرار هيمنة الغالبية البرلمانية لحزب الحكومة أو الحزب الحاكم»، بدأت تلوح في الأفق أعراض وهن ذلك البرلمان إلى حد يشي بإمكانية افتقاده لسمة «المؤسسة القدوة»، أو «السلطة النموذج». وهو الأمر الذي يمكن أن يعزوه المراقب إلى حزمة من العوامل، لعل أبرزها: ضحالة الخبرة السياسية والنيابية لدى غالبية أعضائه، بمن فيهم رئيس البرلمان ذاته، علاوة على وجود شعور بالإحباط لدى كثير من الناخبين حيال هذا البرلمان، المتهم «ائتلاف دعم الدولة» بالهيمنة عليه، على نحو ما ظهر إبان مناقشة لائحته الجديدة، لاسيما عند التصويت على المادة 21 منها والخاصة بسفر الوفود البرلمانية إلى الخارج، والتي تم التصويت عليها خمس مرات، واحتج النواب على ما اعتبروه تدخلاً من قبل «ائتلاف دعم الدولة» للحيلولة دون إجراء أية تعديلات عليها، فضلاً عما لمسه بعض النواب من محاباة رئيس البرلمان لنواب ذلك الائتلاف، سواء في منح الكلمة لهم بمجرد رفع الأيدي، أو في إفساح المجال والوقت أمامهم بعد إعطائهم الكلمة.

فخلال الجلسة العامة التي عقدها مجلس النواب لمناقشته مشروع اللائحة الداخلية الجديدة، والمكون من 440 مادة، خيَّمت أجواء من الفوضى، حيث اشتعل المجلس بمشادات بين النواب بعضهم البعض، وبينهم وبين رئيس المجلس، الذي فقد بدوره السيطرة على الجلسة واضطر إلى رفعها للاستراحة. وفي خطوة وصفتها الأحزاب الصغيرة الممثلة في البرلمان بالمقوضة للعمل الحزبي البرلماني، وافق المجلس على تعديل المادة الخاصة بتشكيل الهيئات البرلمانية للأحزاب، بعد زيادة عدد نواب الحزب إلى عشرة نواب كشرط لتشكيل الهيئة بعدما كان يقتصر على نائبين فقط في اللائحة القديمة، الأمر الذي سيحرم عدداً من الأحزاب الممثلة في البرلمان من تشكيل هيئة برلمانية أو التمثيل في اللجنة العامة للمجلس، مما قد يضطرهم للجوء إلى المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن أنفسهم وتطلعات ناخبيهم وتفريغ طاقاتهم السياسية من دون البرلمان.

وباعتمادها نسبة 20 في المئة على الأقل من النواب يمثلون 15 محافظة كشرط لتشكيل الائتلافات والتحالفات النيابية داخل البرلمان، وإقرارها تعديل المادة ٢٤ الخاصة بتشكيل اللجنة العامة للمجلس ليتم تمثيل المستقلين فيها، والذين يبلغ عددهم ٣٥٠ نائباً بما يفوق إجمالي تعداد النواب الحزبيين، بـخمسة نواب فقط، أعاقت اللائحة مساعي إثراء الحياة الحزبية وجهود تنشيط الممارسة النيابية في البرلمان الجديد، لاسيما بعد أن احتجت 89 نائباً، نتيجة تعمد حذف جزء من مادة باللائحة يختص بضرورة تمثيل النائبات تمثيلاً ملائماً داخل اللجان النوعية، في الوقت الذي يفوق تعدادهن حجم أي تكتل حزبي ممثل داخل البرلمان.

وبينما يشكل استيفاء الخطوات الثلاث لخارطة المستقبل، التي كانت تتوخى إقامة نظام سياسي جديد في مصر ما بعد 3 تموز 2013، عبر إقرار دستور وانتخاب رئيس وبرلمان، أحد شطري هذا النظام السياسي والمتمثل في سلطة الحكم، فإن اكتمال بنيان ذلك النظام الجديد يبقى مرتهناً بتوافر الشطر الآخر منه، والذي لا يزال غائباً حتى الآن على الأقل، ويتجلى في وجود المعارضة السياسية الوطنية المؤطرة حزبياً.

فمع تآكل إرث التسامح السياسي، واستمرار تضييق المجال العام، بالتزامن مع طغيان حالة من التوجس غير المبرر من الشباب إلى مستوى من شأنه أن يوسع الفجوة بينهم وبين الدولة، كما يحول دون استيعابهم مؤسسياً واحتوائهم سياسياً، وكأن نهر السياسة المصري بروافده الفكرية وأقنيته المؤسسية قد أضحى بسبيله إلى الجفاف والتيبس، بحيث يعجز عن ري ظمأ تيار الفاعلين السياسيين الجدد الهادر، أو احتضان الزخم السياسي المتدفق منذ تفجر نبع الحراك الشعبي الثوري في كانون الثاني (يناير) 2011.

لعلها إذاً حالة انتقالية أقرب إلى السيولة السياسية، أو أشبه بالجمود والانسداد السياسيين الناجمين عن التوجس من تبعات ممارسة السياسة على نحو ممأسس وضمن سياق ديموقراطي، ربما تفصل بدورها ما بين مرحلة «سياسات الشوارع والميادين الملتحفة بالفعل الثوري وهزاته الارتدادية المتوالية»، وحقبة «السياسة المؤطرة قانوناً في دستور وقوانين، والممأسسة تنظيمياً في أحزاب وائتلافات ومؤسسات». وهي حالة ربما يغدو التنبؤ بأفقها التاريخي أو مداها الزمني أمراً مستعصياً، خصوصاً بعد تصريح الرئيس السيسي في خطابه الأخير والمثير للغاية، من أنه «لسه بدري أوي عشان تبدأوا الممارسات الديموقراطية بشكل مفتوح، ومين يمشي ومين يقعد، فالديموقراطية والنقد المفتوح يحتاجان المزيد من الوقت، لمتابعتهما وتحليلهما».

نقلا عن الحياة اللندانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان