رئيس التحرير: عادل صبري 05:23 صباحاً | الاثنين 20 أغسطس 2018 م | 08 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

سدّ النهضة بين حقائق تاريخية وبدائل مفقودة

سدّ النهضة بين حقائق تاريخية وبدائل مفقودة

مقالات مختارة

سد النهضة - ارشيفية

سدّ النهضة بين حقائق تاريخية وبدائل مفقودة

علاء عبدالحميد - مصر 06 مارس 2016 16:20

سدّ النهضة هو أشهر السدود وأكثرها إثارة في العصر الحديث، بما يتضمّنه من مشكلات متعدّدة الأبعاد، وهو السدّ الذي تقوم إثيوبيا ببنائه على النيل الأزرق بولاية بنيشنقول بهدف توليد الطاقة. وقد يصبح هذا السدّ، بعد اكتماله، أكبر سدّ كهرومائي في القارة الأفريقية، والعاشر عالمياً في قائمة أكبر السدود إنتاجاً للكهرباء.

 

ويقع السد على بعد 20 كيلومتراً من الحدود السودانية، وتبلغ سعته 74 بليون متر مكعب من المياه. وتقدَّر تكلفته بحوالى 4.7 بليون دولار، تساهم فيها الصين بحصة كبيرة إضافة إلى البنك الدولي وبعض الدول الأقليمية، وسيبدأ تخزين السد للمياه بداية العام المقبل بنحو 30 بليون متر مكعب، وهي تعتبر مرحلة أولى للتخزين، إذ إن سعة الخزان الفعلية هي 74 بليون متر مكعب. ويؤكد الخبراء أن بداية إرهاصات السد هي أن تفقد مصر أمام كل خمسة بلايين متر مكعب من المياه مليون فدان من الأراضي الزراعية، ما يحمل في طياته تهديداً مباشراً للأمن المائي المصري، بل يعد الأكثر تهديداً لحياة 90 مليون مواطن. في عام 1929 تم التوقيع على اتفاقية بين مصر وبريطانيا العظمى نيابة عن دول حوض النيل، التي كانت ترزح تحت الاستعمار البريطاني آنذاك، تنصّ على أن تحصل مصر على 55.5 بليون متر مكعب من المياه من أصل 1600 بليون متر مكعب من الأمطار التي تسقط على حوض النهر، كما تنص الاتفاقية على حق مصر بإخطارها مسبقاً قبل الشروع أو البدء بإقامة أي سدّ على مجرى النهر. ومن المعروف أنّ الاتفاقيات الدولية لا تسقط بالتقادم، لكن دول المنبع تعترض الآن على بنود تلك الاتفاقية لأنّها لم توقّع عليها، وبالتالي تدٌعي أنها غير ملزمة لها وأنّ لها الحق في التنمية وتوليد الطاقة.

أما أديس أبابا فتعتبر أن اتفاقية تقسيم مياه النيل غير عادلة ولم تراع مصالح الشعب الإثيوبي الذي لم يُستشر، كما أن التوقيع على الاتفاقية تم في فترة الانتداب البريطاني على إثيوبيا. وترى أن التطور الذي تم في القانون الدولي يسمح لها بمراجعة تلك الاتفاقيات وعدم الالتزام بها، وأن من حقها إقامة السدود لتحقيق التنمية وإطعام شعبها الذي تفتك به المجاعات، حتى لو أدّى ذلك إلى قطع المياه عن دول المصبّ (مصر والسودان). وإضافة إلى ذلك صرّح مسؤولون بأن من حق إثيوبيا بيع المياه كما يبيع العرب البترول، وطالبت وسائل إعلام إثيوبية أن تدفع مصر ثمن المياه التي تستخدمها.
 

السودان لا يعتمد على مياه النيل إلا بنسبة 10 في المئة لوجود أمطار هائلة حيث يقدر حجم مياه الأمطار في السودان بحوالى ألف بليون متر مكعب لا يستفاد الا بنسبة 1 في المئة منها ويذهب الباقي هدراً. لذلك لا تعارض الخرطوم بناء سدّ النهضة، خصوصاً بعد أن نجحت أديس أبابا في استقطاب حركات التمرد داخل دارفور واستضافة مفاوضات بينها وبين نظام البشير، إضافة إلى تغلغل إثيوبيا في المشهد السياسي السوداني برمته، وربما استئثارها بالقرار السياسي لنظام الإنقاذ، سواء من خلال المفاوضات التي تتم بين الخرطوم ودولة جنوب السودان لحل القضايا العالقة بينهما، أم من خلال مفاوضات تتعلق بكردفان والنيل الأزرق، ناهيك عن وجود قوات أثيوبية مسلحة في منطقة أبيي المتنازع عليها. وبعد أن أصبح البشير مطلوباً لمحكمة الجنايات الدولية خضع لابتزاز الدولة الإثيوبية وارتهن قراره السياسي لأديس أبابا.
 

ودخلت الديبلوماسية المصرية من جهتها، في مفاوضات فاشلة وعقيمة مع الجانب الإثيوبي منذ نيسان (أبريل) عام 2011. ونجحت إثيوبيا في سياسة الاستدراك واستهلاك الوقت حتى يتم اكتمال بناء السدّ في عام 2017 وبالتالي يجد الجانب المصري نفسه أمام سياسة فرض الأمر الواقع. وللأسف ظهر المفاوض المصري في موقف العاجز، فهو لم يستخدم أي أوراق ضغط على الجانب الاثيوبي الذي مارس التعنت والتأجيل. فقد كان على الجانب المصري المطالبة بوقف أعمال بناء السدّ كشرط أساسي قبل البدء في المفاوضات، واستخدام نفوذ مصر عربياً وأفريقياً أو الانسحاب من مفاوضات عقيمة ربما تكون تداعياتها اغتيال 90 مليون مصري.
 

من المعروف أن إجمالي حجم الموارد المائية في مصر يقارب 72 بليون متر مكعب من المياه (55.5 بليون متر من مياه النيل و7.4 بليون متر من المياه الجوفية و9.1 بليون متر من مياه معالجة الصرف الصحي. وأخيراً 0.05 بليون متر مكعب من مياه التحلية). ويتضح من خلال التوزيع أن مياه النيل هي المصدر الرئيس للمياه لذلك يعتبر النيل شريان الحياة للشعب المصري لذلك هناك حاجة ملحة أمام الحكومة المصرية للدفاع عن مكتسابات مصر التاريخية والبحث عن مصادر جديدة للمياه تواكب الزيادة الهائلة في عدد السكان.
 

وسط هذه التطورات يبرز دور اسرائيل التي بدأت التوغل في القارة الأفريقية منذ فترة طويلة من خلال أطول جسر جويّ بين تل أبيب وإثيوبيا لنقل حوالى 17 ألف يهودي من الفلاشا في دراما التوطين التاريخية. لقد حاولت إسرائيل، عقب توقيع معاهدة كامب ديفيد، إقناع السادات بنقل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب، لكن الرئيس أنور السادات رفض ذلك، فقامت بفتح قنوات مع بلدان منابع النيل، خصوصاً أوغندا وإثيوبيا، حيث اندفعت الاستثمارات الاسرائيلية الى أديس أبابا. وفي ثمانينات القرن الماضي وصل خبراء إسرائيليون الى كل من إثيوبيا وأوغندا لإجراء بحوث تستهدف إقامة مشاريع للري على النيل بهدف خنق مصر، على رغم انتفاء الحاجة إلى مشاريع ري حقيقية في أوغندا التي تتلقى أمطاراً غزيرة تقارب سنوياً 114 بليون متر مكعب.
 

يتضح مما سبق:
 

1- تم تضليل الرأي العام الإثيوبي من طريق الإعلام الممول إسرائيلياً بمفاهيم مغلوطة وخاطئة مفادها أن مصر تستخدم مياه النيل الإثيوبية من دون مقابل، لذلك أصبحت إثيوبيا مفعمة بمناخ عدائي تجاه مصر.
 

2- لم تمارس الحكومة المصرية أوراق ضغط حتى الآن على الجانب الإثيوبي، مثل الجامعة العربية أو مجلس السلم والأمن الأفريقي أو منظمة الأمم المتحدة أو اللجوء الى التحكيم الدولي. ولم تلجأ مصر إلى القوى الناعمة (الكنيسة والأزهر) كوسيلة ضغط، وهذا يؤكد ضعف الهيكل التفاوضي.
 

3- من الظلم أن يناط ملف سد النهضة بوزارة الخارجية فقط أو وزراة الري، ومن العبث اقتصار الملف على الخيار السياسي فقط، فهو ليس ملف أمن قومي فقط، بل مسألة حياة أو موت بالنسبة الى المصريين.
 

4- على إثيوبيا أن تدرك أن مصر لديها الكثير من الخيارات التي لم تستخدم والأدوات التي لم تفعل وأن قواتها البحرية متواجدة في جنوب البحر الأحمر وتحديداً مضيق باب المندب على بعد كيلومترات من العاصمة أديس أبابا. وختاماً: تمثل المياه أحد التحديات التي تواجه القرن الحالي ولا يمكن تحقيق الأمن القومي لأي دولة من دون تحقيق أمنها الاقتصادي، ولا يمكن تحقيق الأمن الاقتصادي من دون تحقيق الاكتفاء الغذائي، وعصب الأمن الغذائي هو المياه.
ولتحقيق الأمن المائي تجب المحافظة على الموارد المائية من أنهار وآبار جوفية أو حتى مياه الأمطار المتوافرة وترشيد استخدامها في الشرب، لذلك على الحكومة المصرية أن تبحث عن حلول جوهرية وعاجلة تحفظ حياة 90 مليون مواطن، وإلا ستكون تداعيات سدّ النهضة كارثية على الجميع.

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان