رئيس التحرير: عادل صبري 12:24 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الدولة العثمانية وإيران ... الصراع باسم الإسلام

الدولة العثمانية وإيران ... الصراع باسم الإسلام

خالد عزب 05 مارس 2016 16:02

صدر عن المركز القومي المصري للترجمة حديثاً كتاب «رحلة الحدود بين الدولة العثمانية وإيران»، وهو من تأليف خورشيد باشا؛ وترجمة مصطفى زهران، ومراجعة الصفصافي أحمد القطوري. وهذا الكتاب (سياحتنامه حدود) هو عبارة عن رحلة رسمية قام بها محمد خورشيد باشا؛ أحد أركان الدولة العثمانية في عهد السلطان عبدالمجيد ابن السلطان محمود الثاني المشهور في التاريخ العثماني بحركته الإصلاحية المعروفة بالتنظيمات.

 

وهي حركة أثرت في تاريخ العالم العربي بالذات تأثيراً قائماً حتى الآن. ومحمد خورشيد باشا تولى وظائف عدة مهمة، أهمها ولايته للحجاز عام 1870، كما عمل وزيراً للعدل والأوقاف، ومستشاراً للصدر الأعظم عام 1878. كلف السلطان العثماني عبدالمجيد محمد خورشيد باشا الذهاب إلى منطقة الحدود الإيرانية العراقية، وهي منطقة حساسة شائكة منذ ذلك الوقت وحتى في أيامنا هذه، وقدم الباشا تقريره عن المنطقة إلى السلطان. يقع هذا التقرير في 400 صفحة باللغة العثمانية، ويتضمن وصفاً لما رآه واستقصاه في العراق وفي المنطقة الحدودية. وبهذا دخل الكتاب المكتبة العربية ليضيف جديداً في تاريخ العالم العربي في علاقاته مع إيران وتركيا اليوم.

تضمنت هذه الرحلة الرسمية، أو فلنقل هذا التقرير المطول المهم: المنطقة الحدودية التي تبدأ من خليج البصرة جنوباً وحتى لواء بايزيد شرقاً (الذي يتبع تركيا اليوم على حدودها مع إيران)، وتشمل هذه المنطقة الحدودية البصرة وبغداد وشهرزور (السليمانية) والموصل ووان وبايزيد (منطقتان على حدود تركيا مع إيران).

وقد تناول هذا الموظف الكبير والمسؤول أمام سلطانه النواحي الآتية:

- الاجتماعية: وتشمل عادات الأهالي، وعدد السكان، وعدد المنازل، وطرق معيشة الأهالي، وزيَّهم، وأقسام طبقات المجتمع، وطرق احتفالاتهم في المناسبات المختلفة، ولغاتهم ولهجاتهم، وأبنيتهم.

- الاقتصادية: وتشمل الضرائب التي كانت تؤديها عشائر وطوائف تلك المناطق، والعملات التي كانوا يستخدمونها، والزراعة والصناعة فيها.

- الجغرافية: وتشمل الأنهار والروافد المائية الأخرى الموجودة في تلك المنطقة والجبال وحدودها.

- الأثرية: وتشمل الآثار الموجودة في المنطقة سواء كانت آثاراً قديمة أو حديثة، إسلامية أو غير إسلامية.

ويُعد الكتاب سجلاً رسمياً بكل العشائر والطوائف العربية والتركية والكردية والإيرانية الموجودة في تلك المنطقة الحدودية بين الدولة العثمانية وإيران.

يقع الكتاب في أربعمئة صفحة، قسّمه محمد خورشيد إلى مقدمة وستة فصول وخاتمة.

1- المقدمة تناول فيها سبب تأليف الكتاب وسبب تسميته.

2- الفصل الأول في بيان البصرة.

3- الفصل الثاني في بيان بغداد.

4- الفصل الثالث في بيان شهرزور (السليمانية).

5- الفصل الرابع في بيان الموصل.

6- الفصل الخامس في بيان وان.

7- الفصل السادس في بيان لواء بايزيد.

8- الخاتمة وتتضمن بياناً بالطرق الرئيسة والفرعية في تلك المنطقة الشاسعة، سواء كانت طرقاً برية أو نهرية، وكذا الطرق الممتدة من إسطنبول وحتى البصرة.

وتكمن أهمية ترجمة هذا الكتاب من لغته العثمانية إلى اللغة العربية في:

- معرفة تاريخية لهذه المنطقة المهمة، وهي معرفة تفتقدها المصادر العربية.

- معرفة جغرافية وطوبوغرافية لهذه المنطقة المهمة.

- معرفة بكل العشائر والقبائل الموجودة في تلك المنطقة التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ العلاقات العربية الإيرانية حتى يومنا هذا.

حددت العلاقات العثمانية- الإيرانية العقائد والمذاهب الدينية والصراعات الثقافية أكثر مما كانت تدفع إليه الصراعات السياسية والمعارك العسكرية. وإذا كانت الحروب الصليبية تدثرت بالرداء الديني، فإن الصراع العثماني- الإيراني تدثر بالرداء المذهبي؛ فالدولة العثمانية بخاصة والأتراك بعامة، تمثلوا مبدأ السنة والجماعة وراحوا يفرضون زعامتهم على العالم الإسلامي ويحاولون توحيد الصف الإسلامي لمجابهة الهجمة الصليبية، في الوقت نفسه قامت الدولة الصفوية بتمثل المذهب الشيعي الاثني عشري وراحت تبسط نفوذها السياسي والمذهبي على أنحاء إيران والعراق وجنوب شرق الأناضول بل وما وراء النهر والهند، وحشدت الدولة الصَّفَوِيَّة قواها وإمكاناتها لنشر هذا المذهب على كل العالم الإسلامي وفرضه وجعله هو المذهب الرسمي.

أمام هذه الموقف كان لا بد من الصِّدام. وقد تجسد ذلك في معركة جالديران التي كانت بمثابة معركة حياة أو موت وجرت أحداثها سنة (920هـ/ 1514م). وكانت هذه المعركة نتاج صراع سابق وبداية البداية لحروب طاحنة وصراع مَذْهبي مقيت بين الصفويين والعثمانيين استمرت ما يزيد على ثلاثة قرون. ومازلنا نلمس نتائج هذا الصراع حتى اليوم. وما يجري في جنوب شرقي الأناضول والعراق وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا، بل وحتى في أفغانستان وباكستان، هو نوع من هذا الصراع زيد عليه النفوذ والفتن الأجنبية والغربية.

لقد دارت الدائرة على الجيش الصفوي ودخل سليم الأول (875- 927هـ/ 1470- 1520م) تبريز. وكانت هذه الموْقعة مُحَصِّلة طبيعية للعلاقات السياسية العدائية بين سليم الأول وإسماعيل الصفوي. والصراع المذهبي المحتدم في المنطقة.

وعلى رغم مساعي السلام الظاهرية التي أبداها الشاه إسماعيل تجاه سليم العثماني، فإنها لم تثمر. وما أن تولى السلطان سليمان القانوني (901- 974هـ/ 1495- 1566م) العرش حتى بادر إسماعيل الصفوي مُعَزِّياً في وفاة والده ومهنئاً له على تولية العرش، فرد عليه القانوني برسالة بالفارسية أبدى فيها حسن استقباله لمضمون رسالته.

إلا أن الأمر لم يدم طويلاً، حيث أرسل سليمان جيشه لاحتلال بتليس عام (938هـ/ 1531م) معللاً ذلك بالرد على اعتداءات حكام الحدود الصفويين وتأمين حدوده. وعلى رغم أن الشاه طهماسب الإيراني رد على رسالة القانوني مؤكداً رغبته في الصُّلْح والسلام واعداً بالحفاظ على الوعد ورغبته في تبادل الرسائل والرسل، إلاَّ أن طهماسب خلف وعده واستقبل بايزيد مع أبنائه الأربعة مع عشرة آلاف شخص من أتباعه وأعوانه عندما فر إلى إيران عن طريق أرمنستان، وأحسن استقباله وعمل على راحته وأسكنه أفخر قصوره ووعده بألاَّ يسلمه إلى والده الذي اختلف معه إثر عزله من ولاية لوتاهية سنة (963هـ/ 1555م).

أعقب القانوني حملته علي بتليس سنة (939هـ/ 1532) بحملة أخرى على تبريز سنة (948هـ/ 1541م)، وإن كانت الحملة الأولى فشلت فقد تمكن العثماني من دحر الصفويين ودخل تبريز في يوم الخميس 20 جمادي الثاني عام (955هـ/ 1548م) ثم تمكن الجيش المرسل إلى هَمْدَان من الاستيلاء عليها وعلى قُم والرَّي وكاشان. إلاَّ أن الاحتكاك العسكري بين الصفويين والعثمانيين توقف بعد عقد معاهدة الصُّلْح والسلام بين طهماسب والقانوني. ودام السلام طوال حياة كل منها. إلاَّ أن القلاقل التي حدثت في إيران أغرت العثمانيين بالإغارة على إيران والاستيلاء على مدينة تبريز (933هـ/ 1585م). وقد حاول الأمير حَمْزة ميرزا قائد الجيش الصفوي أن يستعيد هذه الأماكن ووقف الزحف العثماني، إلاَّ أنه قُتل سنة 994هـ/ 1586م وتمكن الجيش العثماني من الاستيلاء على قره باغ وكَنجه. وتنازل لهم الشاه عباس الأول عقب معاهدة الصلح عن مناطق لورْستان وشَهْرزور وشِيروان وجزء من أذربيجان عام (998هـ/ 1590م). وإن كان الاحتكاك العسكري بين الإيرانيين والعثمانيين توقف حتى نهاية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وأن الإيرانيين قبلوا باحتلال العثمانيين بعض مناطقهم، إلاَّ أن الأتراك لم يتمكنوا من القضاء المبرم على الدولة الصفوية أو إجبارها على ترك المذهب الشيعي ووقف الدعوة له بين الرعايا العثمانيين.

وإذا كان العثمانيون قد رَمَوْا بكل ثقتهم ونفوذهم في العِراق العربي واستقر لهم الأمر في الموصل والخليج واليمن وعدن وأصبحت لهم قواعد بحرية متقدمة تمكنهم من صد البرتغاليين والحد من التعاون بين الإيرانيين والأوروبيين في منطقة الخليج ووصل الأسطول العثماني إلى سواحل الهند (959 هـ/ 1551م) وأصبح قادراً على التجول بين البصرة والسويس.. كل هذا فوت الفرصة على الإيرانيين لتنمية وتطوير التحالف مع القوى الصليبية في منطقة الخليج.

كما أن استيلاء العثمانيين على العتبات المقدسة في العراق حَدَّ إلى حد كبير من تغلغل المذهب الشيعي في المنطقة.

إن تاريخ الصراع العثماني- الإيراني طويل، وزادت حدته حينما ضعفت الدولة العثمانية أمام المد الصليبي في البلقان. ولم تكن تلك الصراعات تمنح الفُرصة للعثمانيين لوقف هذا المد الصليبي بعد توقيع معاهدة قارلوفجه سنة (1110هـ/ 1696م) التي أعقبتها هزائم الدولة العثمانية وتنازلاتها في البلقان.

إذن، الجولة الأولى في (985- 997هـ/ 1577- 1588م) في الصراع العثماني الإيراني لم تحسم هذا الصراع لأي طرف وإن كانت الغلبة والمكاسب الجغرافية لصالح العثمانيين أثناء خروجهم من جيلان لم تحسم هي الأخرى نتيجة هذا الصراع لأي من الطرفين. وعندما تولى الشاه عباس الأول (995- 1037هـ/ 1586- 1627م) الحكم، آثر الصلح ولم يعترض على الشروط العثمانية للصلح في معاهدة آماسيا (962هـ/ 1554م) والتي نصت على احتفاظ العثمانيين بمدن وأقاليم تِبْريز وآذربيجان وقره باغ وكَنْجَه وقارص وتفليس وشهرزور ونهاوند ولورستان، وتوقف الخطباء والدعاة الشيعة عن سب الخلفاء الراشدين والسيدة عائشة.

بعد أن رتب الشاه عباس أموره مع الأوزبك واستعان بالبريطانيين في إعادة تجهيز جيشه وأتم بعض الاتفاقات مع الأوروبيين بعد الوفد الذي أرسله سنة (1008هـ/ 1599م) إلى كل من البابا وملكة إنكلترا ورئيس البندقية وملكي فرنسا وبولندا، فلم يصبر حتى تنجلي الحرب العثمانية النمسوية أو يتم إخماد ثورات الجلاليين، بل باغت الحامية العثمانية في تبريز واستولى عليها. إلا أن الحملة الثالثة بقيادة قُيُوجي مراد باشا عام (1019هـ/ 1610م) أعانت بعضاً من هيبة الدولة العثمانية على الجبهة الإيرانية. وتم عقد معاهدة إسطنبول الثانية بين الطرفين سنة (1021هـ/ 1612م)، إلا أنه لم يدم انصياع الشاه لبنود الاتفاقية طويلاً، وبدأ المناوشة، فاضطر إلى الانسحاب إلى أردبيل وترك تبريز للجيش العثماني مرة أخرى ثم طلب الصلح ففرض العثمانيون على الإيرانيين ضرورة الانسحاب من حول بغداد وشهرزور، وأن تظل آخسقه وتوابعها وقلعة قارص وتوابعها في حوزة العثمانيين. وتم توقيع هذا الاتفاق عام (1028هـ/ 1618م) واستغل الشاه عباس القلاقل العثمانية وثورات الإنكشارية وتمرد بعض القواد ضد الدولة العثمانية، فسارع بالاستيلاء على بغداد سنة (1033 هـ/ 1623م) ثم كركوك والموصل ثم ولاية آخسقه. وظلت هذه الصراعات والمناوشات بين أعوام (1033- 1049هـ/ 1623- 1936م) ولم يحسمها إلا خروج السلطان مراد (1032هـ/ 1622- 1639م) بنفسه على رأس جيش كبير استولى على روان عام (1045هـ/ 1635م) وأتبعها بقارص ثم عاد إلى إسطنبول. وفي سنة (1947هـ/ 1637م) قاد السلطان بنفسه الجيش واتجه إلى حلب والموصل وعسكر بالأعظمية، وأسفرت مفاوضات الصلح عن إبرام معاهدة قصر شيرين في محرم عام (1049هـ/ 1639م) التي تحددت بمقتضاها الحدود التركية الإيرانية. وقد ضمنت هذه المعاهدة ضم كل من العراق العربي وبدرة حسن وخانقين ومندلي ودرنه والصحاري الواقعة بين درتنك وسرميل ومضارب عشيرة الجات والقرى الواقعة غرب قلعة زنجير وقلعة ظالم وما حولها وبغداد وشهرزور والبصرة بلواحقها وكذا قارص وآخسقه ووان بملحقاتها إلى الدولة العثمانية، وهدم القلاع الموجودة في زنجير وقطور وكل القلاع المطلة على قارص لمتاخمتها الحدود العثمانية، إذ كانت معاهدة قصر شيرين مهدت الطريق لترسيم الحدود في محرم عام (1049هـ/ 1639م) إلا أن هذا الصراع الحدودي والمذهبي لم يتوقف. وأوفد السلطان وفادة على رأسها مؤلف «حدود سياحتنامه»، أي رحلة الحدود خورشيد باشا (الذي كان يعمل مستشاراً للحكومة العثمانية في عهد السلطان الغزي عبدالمجيد خان (1239- 1278هـ/ 1823- 1861م) ابن السلطان الغزي محمود خان. وكان التكليف هو التجول والطواف في مناطق الحدود ورصد الأماكن والأهالي والمزروعات والحيوانات ومنابع المياه والسدود والقلاع وتقديم تقرير مفصل عن هذه المهمة. وقد كان هذا التقرير هو نفسه الكتاب الذي نحن بصدد التقديم له.

لكن مما يلفت النظر وما هو جدير بالتفكير والملاحظة، أن هذا الصراع العثماني- الإيراني لم يتوقف، بل استمر حتى عهد السلطان عبدالحميد خان الثاني (1293- 1327هـ/ 1876- 1909م) الذي كانت له آراء خاصة بشأن إيران باعتبارها خطراً على العالم الإسلامي والمذهب السني، فكلف البكباشي علي رضا شاهبندر خوي الذي كان حين التكليف ضابطاً في الشعبة الرابعة في دائرة هيئة أركان الحرب العمومية بالتوجه إلى بغداد وتوابعها وتقديم تقرير مفصل له عن المذهب الشيعي ونشاطه في المنطقة وسبل منع هذا الانتشار في بغداد وكل المدن العراقية.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان