رئيس التحرير: عادل صبري 10:29 مساءً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الاتحاد الأوروبي باقٍ

الاتحاد الأوروبي باقٍ

مقالات مختارة

رغيد الصلح

الاتحاد الأوروبي باقٍ

رغيد الصلح 03 مارس 2016 11:12

من المرجح أن آباء الاتحاد الأوروبي لم يخطر في بالهم يوماً من الأيام أن الاتحاد الذي تكبدوا في بنائه المشاق الكبيرة، سيكون مهدداً بالانهيار بسبب تحديات آتية من المنطقة العربية. تعوّد هؤلاء وتعوّد آباؤهم قبلهم أن تخوض أوروبا حروبها ومعاركها أحياناً في أراض عربية، ولكنهم لم يتصوروا أن الدول العربية - حتى الافتراضية منها مثل «داعش» - ستخوض المعارك خارج الأراضي العربية وأن هذه المعارك ستهدد الحلم الأوروبي بالتحول إلى كابوس وأنها ستقود الاتحاد إلى الانهيار.

إن هذه التكهنات لا تخدم بالضرورة الاتحاد، فالهدف منها ليس تنبيه الحكومات الأوروبية ومسؤولي الاتحاد إلى ضرورة بذل المزيد من الجهود من أجل معالجة الأخطار الآتية من الشرق وتخليص ضحايا هذه الأخطار والتحديات سواء كانوا من العرب أو الأوروبيين من عواقبها. إن هذه التكهنات تستخدم، في أحيان كثيرة، بمثابة النبوءة التي تحقق نفسها. فإذا انتشرت هذه النبوءة وترسخت في الأذهان وتكررت العودة اليها والحديث عنها وكأنها حدث محتم، سيتأثر الرأي العام والكثيرون من أهل الرأي والقرار بهذه النبوءة ويدخلونها في حساباتهم وفي السياسات التي يعملون بموجبها ويقودون البلاد على أساسها.

وكما لاحظنا في المناقشات الحامية التي تدور في بريطانيا حول علاقتها بالاتحاد الأوروبي، وكما لاحظنا أيضاً في عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد التي أجريت فيها استفتاءات أو مناقشات واسعة في شأن عضوية تلك الدول في البيت الأوروبي، فإن الكثيرين من منتقدي الاتحاد ومعارضيه لا يريدون خروج بلدهم من الاتحاد فحسب، بل يريدون أن يتم هذا الانسحاب وأن يتزامن مع تراجع الاتحاد وتفككه ونهايته. والسيناريو الأسوأ عند هؤلاء ليس بقاء بلدهم عضواً في الاتحاد. السيناريو الأسوأ عندهم هو أن ينسحب بلدهم من عضوية الاتحاد، ولكن مع استمراره وتعميقه والتحسن الواسع في أحواله على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والأمنية.

إن معارضي الاتحاد يتصورون أن أوضاعه الراهنة لم تعد تشجع بعض الدول الأعضاء على الانسحاب منه فحسب، بل انها تشجع ايضاً على الاعتقاد بأن الاتحاد بدأ يسير على طريق التراجع والتفكك. وبين هؤلاء الذين يحملون هذه الانطباعات ويروجون لها المرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية دونالد ترامب. ويتصور الذين يرجحون نهاية الاتحاد الأوروبي أن الأسباب الأساسية لهذا المآل هي التالية:

أولاً: موجات الهجرة البشرية التي اقتحمت الأسوار الأوروبية، مستغلة قوانين الاتحاد وتشريعاته مثل اتفاقية «شنغن» التي تسمح بالتنقل بين الدول الملتزمة بالاتفاقية من دون تأشيرة. إن منتقدي الاتحاد كانوا ينتقدونه لانه أساساً لم يكن، في رأيهم، متشدداً كفاية مع المهاجرين. أما الآن وحيث ان المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا يصلون إلى مئات الآلاف، فإن هذا التدفق البشري برهن على صحة كافة التبوءات المتشائمة التي عارضت الهجرة المفتوحة لأنها ستؤدي إلى فقدان المواطنين القدرة على منافسة المهاجرين وستكون لها مضاعفات أخرى تحد من قدرة الحكومات على تقديم خدمات كافية لمواطنيها.

ثانياً: إن هذه الموجات البشرية ليست هجرات من داخل القارة بحيث تؤثر في التركيب الديموغرافي لدول القارة ولكن ليس للقارة بأسرها. ففي بريطانيا اليوم، مئات الآلاف من المهاجرين الذين قدموا اليها من بولندا ومن بقية دول شرق أوروبا. وهولاء قد يؤثرون في طابع المملكة المتحدة الأنغلو-ساكسوني، ولكنهم لا يؤثرون في طابع القارة الأوروبي. أما الهجرات البشرية الراهنة والمستمرة فإنها عربية واسلامية الطابع. إن حجمها سيؤثر، كما يقول منتقدو الاتحاد، في الطابع الأوروبي للقارة. اذا استمرت موجات الهجرة على حالها الراهن، فإن ما توقعته الكاتبة بات يائور (جيزيل ليتمان) حين تنبأت بتحول القارة من أوروبا إلى «يوريبيا» أي إلى مزيج من القارة الأوروبية والعربية لن يكون مبالغة ترمي إلى التحريض ضد العرب.

ثالثاً: إن اللوم في هذه الهجرات والتغييرات التي تفرض على القارة الأوروبية لا يقع على المهاجرين واللاجئين، ولا على حكومات بلادهم التي اضطرتهم إلى الهجرة تحت ظروف بالغة القسوة، وإنما ايضاً على الحكومات الأوروبية والغربية والدول الديموقراطية التي فتحت الأبواب امام المهاجرين فتدفقوا من خلالها. وينال المستشارة الألمانية انغيلا مركل نصيب واسع من النقد يوجهه اليها معارضو الاتحاد الأوروبي والشوفينيون الاطلسيون لأنها أطلقت ثقافة الترحيب وفتحت أبواب ألمانيا امام المهاجرين.

لقد وصف دونالد ترامب السياسة التي طبقتها المستشارة الألمانية بأنها «جنونية»، وحذر من انها فتحت الأبواب أمام «حصان طروادة اسلامي» سينفذ عمليات ارهابية ضد ألمانيا وأوروبا. وخص ترامب بالنقد ايضاً المسؤولين الفرنسيين لأنهم سمحوا بتحويل بعض المناطق في باريس ومدن اخرى فرنسية إلى «مناطق مغلقة امام الفرنسيين»، مما سيحولها إلى قواعد آمنة للارهاب والارهابيين.

الحل المعلن الذي يقترحه ترامب على الفرنسيين هو الاقتداء به عبر اقتناء السلاح، أما الحل المضمر الذي حض الفرنسيين عليه فهو الحل السياسي العام بالامتناع عن تأييد الليبراليين والإصلاحيين واليساريين والانتقال إلى تأييد اليمين المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبين.

إن معارضي الاتحاد الأوروبي يجدون في تشديد الحملة عليه والتحريض ضده فرصة مناسبة لتأليب الرأي العام في الدول الاوروبية على الاتحاد للخروج منه، كما يمكن أن يحصل خلال شهر حزيران (يوينو) المقبل اذا اقترعت اكثرية البريطانيين لمصلحة الانسحاب من الاتحاد. وفي ضوء الأوضاع العامة التي تتمثل بالحرب على الارهاب واحتمال قيام منظمات ارهابية بنشاطات من هذا النوع في بعض الدول غير العربية، في ضوء ذلك قد يفتر الحماس الأوروبي للاتحاد ويتجه بعض الأوروبيين إلى تأييد الحملات المناهضة للمشروع الأوروبي. إلا انه من الارجح ألا تحقق هذه الحملات الأهداف التي يتوخاها المناهضون للاتحاد.

إن الانسحاب من الاتحاد لن ينفع الدول التي ستلجأ اليه. لقد حاولت دول عديدة أن تستخدم هذه الوسيلة من اجل الارتقاء بأحوالها، فكان مصير أكثر هذه المحاولات الفشل. حتى الجنرال ديغول، بما كان يملك من مكانة واحترام دوليين وحين كانت فرنسا هي قطب الرحى في السوق المشتركة خلال الستينات، أعلن انسحابه من السوق، الا ان الانسحاب لم يدم طويلاً فعادت فرنسا إلى السوق، ولكن بعد أن حققت نتائج كانت تسعى اليها ومنها تعديل طريقة التصويت بحيث يكون عدد الأصوات التي يملكها البلد العضو متكافئاً مع مساهماته في السوق.

لقد حقق الاتحاد مكاسب كبرى للدول الأعضاء: حمى الاستقرار والوحدة الترابية في فرنسا، وسمح بتحقيق الوحدة الألمانية بعد ان كانت مجرد حلم بعيد، ووفر فرص العمل للملايين من الأوروبيين، وحمى القارة من المغامرات العسكرية بعد ان شهدت حربين مدمرتين ذهب ضحيتهما اكثر من ثمانين مليوناً من البشر. الأوروبيون لن يضحوا بهذه الإنجازات خوفاً من الهجرة او من الارهاب الدولي. الاتحاد الأوروبي باق، وستفشل السياسات الرامية إلى تفكيكه.

نقلا عن الحياة اللندانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان