رئيس التحرير: عادل صبري 04:53 صباحاً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تأملات في أزمة النخب العربيّة

تأملات في أزمة النخب العربيّة

مقالات مختارة

عواطف عبدالرحمن

تأملات في أزمة النخب العربيّة

عواطف عبدالرحمن 03 مارس 2016 09:51

إذا كان مسار الفكر العربي قد بدأ بالتوجهات الاشتراكية والليبرالية والقومية خلال القرن العشرين، فقد لوحظ فشل غالبيتها فشلاً كلياً أو جزئياً، ونجح بعضها واقعياً في صورة نسبية، وتركت جميعاً ميراثاً من الأفكار التي لم تصل إلى الجماهير ولم تؤثر في اتجاهاتها ومواقفها، بل ظلت حبيسة جدران وعقول النخب والطلائع المثقفة المعزولة عن جماهيرها.

لقد حاولت النخب العربية مواجهة التحدي الحضاري الغربي، معتقدة عن حق أن الإنجازات التي حققتها الحضارة الغربية في مختلف المجالات العلمية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ترجع جذورها إلى الحضارة العربية الإسلامية. لكن، لم تدرك النخب العربية أن تفعيل القيم والأفكار الغربية وإعادة غرسها في المجتمعات العربية التي يختلف سياقها المجتمعي وزمانها، لا بد أن ينتجا حداثة مبتورة ومنقوصة، خصوصاً في ظل نظم حكم متسلّطة ذات طابع عائلي وعشائري وقبَلي وطائفي.

كذلك، انتكست الأفكار الاشتراكية والماركسية على رغم تراثها المضيء فكرياً ونظرياً، لكنها لم تحقق أهدافها في تأسيس بدايات حقيقية للتغيير المجتمعي، وفي قلبه العدالة الاجتماعية والطبقية، حيث اصطدمت بنظم الحكم المتسلّط ذات التوجه القبلي التابع في معظمه للنفوذ الاستعماري الغربي، مسنودة بحلفائها من أصحاب المصالح (التجار ورجال الأعمال وزعماء القبائل والإقطاع الزراعي والبيروقراطية الفاسدة). فكان مصير المبشرين بالاشتراكية السجون والمعتقلات، ثم التهميش والتشريد والمطاردة الأمنية. وظلت الثروات العربية متمركزة في أيدي قلة من النخب المسيطرة على مفاصل الحياة السياسية والثقافية، بما في ذلك القوانين والقضاء والتعليم وتحويل الجيوش وأجهزة الأمن إلى مجرد ذراع للسلطة. كما اتسعت طوابير الفقراء والمفقرين والمهمشين وأصبحوا يشكلون ما يزيد عن 75 في المئة من المواطنين العرب. ولم يتدارك المفكرون الاشتراكيون العرب الخطأ الفادح الذي أفقدهم القدرة على تصحيح مسارهم، على رغم نبل مقاصدهم وضخامة تضحياتهم من أجل مبادئهم. ويكمن هذا الخطأ في اقتصارهم على الأطر الفكرية والمبادئ العامة للفكر الماركسي والاشتراكي، من دون أن يحاولوا الاستفادة من استلهام التجارب المماثلة (في الصين مثلاً) التي انغمست في دراسة واقع شعوبها وتاريخها وفهمهما.

وعلى رغم أن وحدة الأرض واللغة والثقافة العربية والتاريخ الوطني المشترك ضد النفوذ الأجنبي قد أمدَّت التيارات القومية برصيد وزخم ملحوظين خلال حقبة التحرر الوطني، ما رفع راية الوحدة العربية فوق الاختلافات والتناقضات التي اعتبرها القوميون طارئة ومصطنعة، إلا أن الغموض والالتباس ظلا يكتنفان المفهوم القومي العربي، حيث لا اتفاق على مفهوم القومية العربية أو مضمونها، ولا تصوّر موحداً لمقوماتها أو آليات تفعيلها، خصوصاً بعد الانكسار الحاد الذي زلزل الوطن العربي عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

أما التيار الليبرالي فقد انحصر في النخب العربية ولم يتسلل إلى النسيج الاجتماعي والفكري للأكثرية الشعبية، بسبب تركيزه على الحريات السياسية وتجاهله المتعمد العدالة الاجتماعية التي تمثل الفريضة الغائبة للجموع الشعبية الساحقة، والتي لا تزال تحيا على الموروث الثقافي التقليدي وتسيطر على توجهاتها الانتماءات والقيم الطائفية والقبلية والمذهبية، وتعاني من سياسات الفقر والإفقار والتهميش المتواصل من جانب الحكومات العربية وحلفائها الطبقيين.

وفي ما يتعلق بالموروث الديني، فالمعلوم أن كل جيل يتلقى النصوص الدينية في سياقها التاريخي، ويتم تأويلها وتفسيرها في إطار السياق المجتمعي الذي ظهرت أثناءه. لكن، شهد العالم العربي خلال الحقبة العثمانية، ركوداً فكرياً تجسَّد في استمرار إغلاق باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي، فضلاً عن خلط الدين بالسياسة حيث استخدمت حركات الإسلام السياسي وجماعاته التأويلات السلفية للنصوص الدينية لتبرير مشروعها السياسي. وترتب على ذلك شيوع الجمود الفكري في المؤسسات الدينية وظهور أجيال من الأئمة والفقهاء الذين يدينون بالولاء للحكام، فضلاً عن عجزهم عن تجديد الفكر الديني. تضاف إلى ذلك، مساهمتهم في استبقاء الجموع الساحقة من البسطاء الأميين عن فهم صحيح الدين، وقد تيسر لهم تحقيق ذلك بسبب انتشار الجهل والفقر واستمرار الخضوع للحكام.

وفي سياق هذه الخلفية المأزومة، برزت منذ الثمانينات إشكالية الديموقراطية في الخطاب السياسي العربي باعتبارها الإشكالية المركزية، وتوالت الأبحاث والندوات والمؤتمرات عن إشكالية الديموقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان العربي. وفي ظل تصاعد اهتمام المثقفين والإعلاميين العرب بالقضايا السياسية، توارت القضايا الأخرى مثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماهير، والتي تندرج ضمن ما يعرف بالحقوق المجتمعية أو حقوق المواطنة.

وتعد هذه الإشكالية جوهر الأزمة التي تعيشها النخب العربية، وقد أسفرت عن مشهد الخلل والتردي المخيم على المجتمعات العربية. وهو ما برزت تجلياته في صورة غير مسبوقة عقب الثورات العربية ابتداء بكانون الثاني (يناير) 2011، والتي جاءت بقدر غير متوقع من الوعود والآمال. لكن، كان الاضطراب والدمار والإحباط الذي أعقبها فاتحة لمرحلة جديدة من التساؤلات المنهكة حول مصير الجماهير العربية وحقوقها المشروعة في العدالة والمواطنة وقدرتها على مواجهة أنظمة القمع والفساد وكيفية التصدي لسيطرة مصالح دوائر المال وأباطرة السوق وسطوة الفقهاء التقليديين الغارقين في اجترار التأويلات السلفية للدين، فضلاً عن انبهار معظم الليبراليين وتبعيتهم للفكر الغربي، واغتراب اليساريين وعزلتهم عن الواقع المعاش للجماهير العربية.

نقلا عن الحياة اللندانية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان