رئيس التحرير: عادل صبري 03:29 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

عن النهر العظيم الذي يتحول إلى مصرف

عن النهر العظيم الذي يتحول إلى مصرف

مقالات مختارة

سد النهضة

نظرة مختلفة .. وأسئلة خطيرة

عن النهر العظيم الذي يتحول إلى مصرف

م. عادل عبد المقصود - مهندس ري 14 يناير 2016 09:02

وها نحن ننتقل من التحذير من بناء السد أصلا إلى التفكير بواقعية . لقد تم بناء السد .. وبدأ تجريب السد فعليا منذ أيام .. ويتوقع بدء التخزين في الصيف القادم مع موسم الفيضان والأمطار على هضبة الحبشة.. مبشرا بخراب ملايين الأفدنة في مصر .. ومنذرا بظلال قاتمة على مستقبل هذا البلد .. 

الملاحظة الأولى : بعد بدء تشغيل سد النهضة .. يمكننا القول بأن نهر النيل الآن – خاصة الجزء المصري – في سبيله ليكون أكبر مصرف في العالم .. فالمياه التي ستفلت من أثيوبيا - عقب تخزينها وتعفنها عدة سنوات في بحيرة سد النهضة - ستأخذها السودان .. والمياه التي ستفلت من السودان .. ستتعفن في بحيرة ناصر التي هي الآن أعفن أكبر بحيرة صناعية في العالم.. قياسا بنسب الطحالب والبكتيريا والمواد السامة الذائبة في مياه البحيرة بسبب ركن المياه فيها وتعفنها من عدة عقود.. 

والسؤال الآن هو : هل ينبغي على مصر الآن أن تفكر في التخلص من بحيرة ناصر ، كليا أو جزئيا ، والاكتفاء بالتخزين السنوي للسد العالي ، أي تقليل كمية المياه المركونة في بحيرة ناصر والاعتماد كليا على تخزين سد النهضة .. وربما هذا التفكير لا يروق للمهتمين بتوليد الكهرباء .. ولكنه ضرورة للحفاظ على نوعية مياه النهر صالحة للشرب والري في الأوضاع الجديدة بعد بناء سد النهضة .. فإن تعفن  المياه عدة سنوات في سد النهضة .. ثم تذهب لبحيرة ناصر المليئة بالماء المتعفن فعلا بعد تخزينها للمياه لعدة عقود سابقة .. فتزداد نسب السمية فيها للدرجة التي تصبح مهددة لحياة البشر والحيوان والأسماك.. 

إن النهر لا يمكن أن يتحمل خزانين للمياه بأحجام بحيرة ناصر وبحيرة النهضة ، فهذا مدمر للبيئة خاصة في مصر..  

الملاحظة الثانية : ضرورة تقييم تجربة بحيرة ناصر والسد العالي ..

والمقصود بالتقييم هو دراسة الآثار السلبية المترتبة على بناء السد العالي وتتركز في الآتي :

1- دراسة التغييرات على نوعية المياه وتأثرها بركود المياه في بحيرة ناصر لعدة عقود.. أي ما هي معدلات الطحالب والبكتيريا والمواد الضارة بالحياة قبل وبعد بناء السد العالي وبدء التخزين فيه من سبعينات القرن الماضي وحتى الآن .. 

وهذه الدراسة غاية في الخطورة اليوم لأن مصر تحولت إلى أكبر بلد مريض في العالم.. فأمراض مثل السرطان والفشل الكلوي وفيروس بي وسي لا يمكن دراسة استفحال انتشارها وبهذه النسبة المرعبة بعيدا عن تلوث النهر الناتج عن تخزين وتعفن المياه لعدة عقود في بحيرة ناصر التي لا تبذل أي جهود للحفاظ عليها نظيفة من عقود.. 

كما أن هذه الدراسة الآن سترسم لنا صورة مستقبلية عما يمكن أن يفعله سد النهضة بمياه النهر ..

2- آثار حجز الطمي في بحيرة ناصر ووقف جماح الفيضان المحمل بالطين الذي كان في الماضي يكسوا التربة المصري ويعيد لها حيويتها .. تلك الحيوية التي تعوض اليوم بالسماد الكيماوي .. 

3- آثار نحر الشواطئ المصرية على البحر المتوسط بعد توقف خروج الطمي إلى البحر في مصب النهر على البحر المتوسط ، وذلك من سبعينات القرن الماضي ، ويمكننا اليوم قياس تراجع اليابسة أمام البحر قياسا دقيقا على طول الشاطئ الشمالي..

a. هل اليابسة تتراجع فعليا أمام البحر ؟
b. ما هي معدلات هذا التراجع ؟
c. هل من سبيل لوقف هذا التراجع ؟ وما تكاليفه ؟

الملاحظة الثالثة : وحتى الآن لا أفهم لماذا يهتم الجميع - خاصة المسئولين في مصر- عن المياه والري لا يهتمون ولا يتحدثون سوى عن كميات المياه وحق المصريين الأبدي في مياه لم تسقط بعد على الهضبة الحبشية .. ولكن لا يعنيهم ولا يهمهم نوعية هذه المياه .. ولا يدل على ذلك أكثر من بناء معظم مصانع الحقبة الناصرية على نهر النيل وفوق أراض زراعية ، وتصريف مخلفات صناعتها على النيل مباشرة دون معالجة باعتبارها وسيلة رخيصة للصرف، فلم يكتفوا بتخزين المياه (تعفنها) في بحيرة ناصر، إلا أنهم أضافوا مخلفات صناعية وصحية بكميات غير محسوبة للنهر .. ينبغي أن يفهم هذا الكلام في إطار قدسية نهر النيل -خاصة بالنسبة للمصريين - باعتباره أصل الحياة على الوادي ، وفي إطار حفظ النعم التي منحنا الله لنا ، وباعتبارها ما تمثله هذه النعم من مستقبل طيب لأبنائنا إن نحن حفظناها وسلمناها لهم في أفضل حال ..

أخيراً : إن الوقت مناسب الآن أكثر من أي وقت مضى لتشكيل هيئة عظمى لإدارة النهر تشمل مهندسين مصر والسودان وأثيوبيا لإدارة النهر كله في البلدان الثلاث .. حيث أن هذه البلدان الثلاث الآن أصبحت مرتبطة ارتباطا لا يمكن المناص منه بالتفكير المنفرد .. كل دولة على حدا .. 

إن هذا النهر يمثل المستقبل للدول الثلاث أثيوبيا والسودان ومصر ، وفهم سلوكيات النهر وتأثير المنشآت البشرية التي تقام عليه ربما له آثار مدمرة للبيئة والحياة على جوانب هذا النهر، فبعد أن كان مصدرا للحياة والحضارة ، هو اليوم مصدرا للمرض والألم أيضا..
وهو غدا سببا للحرب والدمار لبلاد النهر كلها ..
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان