رئيس التحرير: عادل صبري 02:25 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

المنظومة الأمنية في مصر: فرص الإصلاح وإشكالياته

المنظومة الأمنية في مصر: فرص الإصلاح وإشكالياته

مقالات مختارة

قسم شرطة مصر الجديدة

المنظومة الأمنية في مصر: فرص الإصلاح وإشكالياته

كرم سعيد 02 يناير 2016 12:23

«لا يستطيع أي جهاز في الدولة تجاوز القانون»، كلام للرئيس المصري عشية تدشين مشروع تنمية شرق بورسعيد في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

 

وتتصل بهذا الكلام التعهُّدات التي تطلقها القيادات الأمنية طول الوقت، ومنها تصريح وزير الداخلية مجدي عبدالغفار في 2 تشرين الثاني الماضي، عندما أشار خلال احتفالات تخريج الدور الثاني من كلية الشرطة، إلى التطور في حُسن معاملة الشرطة للمواطنين واحترام حقوق الإنسان لما لذلك من أهمية في دعم جسور الثقة بين المواطن ورجل الشرطة. في المقابل ثمة سيل من التعليمات التي تلزم محاسبة من يثبت تورطه من أفراد الشرطة في انتهاكات حقوق الإنسان أو توقيف مواطنين من دون سند قانوني.

غير أن روعة المظهر للتعهدات والتصريحات لم تكن لتعبر بالضرورة عن عمق الجوهر، إذ تكشف سلوكات الأجهزة الأمنية عن أنها ليست أكثر من ديكور ديموقراطي، فبعد خمس سنوات على ثورة 25 كانون الثاني (يناير) التي أشعل فتيلها قتل الشاب خالد سعيد عشية احتجازه في أحد أقسام الشرطة في محافظة الإسكندرية، ما زالت الصورة الذهنية للجهاز الأمني في الوعي الجمعي المصري مشوهة، كما أن دعاوى الإصلاح لأجهزة الشرطة ما زالت على أشُدّها.

وكان المناخ دخل مجدداً مرحلة الشحن بين الشرطة والمواطنين على خلفية قيام ضباط بتعذيب موقوفين حتى الموت، أبرزهم طبيب في الإسماعيلية وسائق في الأقصر قبل حوالى شهر، وهو الأمر الذي استفز قطاعات شعبية واسعة خرجت للتنديد ليس بهمجية الشرطة، وإنما بتراخي قمة الهرم السياسي عن محاسبة هؤلاء.

والأرجح أن التظاهرات نالت من الصورة النمطية للنظام، لا سيما أن الطبيب والسائق وغيرهما لم يكونوا مؤدلجين أو من أصحاب الانتماءات السياسية، وهو ما زاد حال الاحتقان، وأضفى نوعاً من الغضب ضد سلطة الحكم، لأن انطباعات كثيرين من المصريين عن السلطة تتكوّن في الغالب من طريقة تعاطي الأجهزة الأمنية معهم، خصوصاً الشرطة.

وعلى رغم محاولات أعقبت أحد تظاهرات 25 كانون الثاني و30 حزيران (يونيو) من باب الإصلاح للجهاز الأمني، إلا أنها لم تتعدّ كونها مسكّنات لتقليص أوجاع الأزمة. فمع رفع لافتة «جهاز مباحث أمن الدولة» المرعب واستبدالها بعنوان «جهاز الأمن الوطني»، أصدرت وزارة الداخلية «مدونة قواعد سلوك وأخلاقيات العمل الشرطي»، وتناولت فيها رسالة وأهداف وواجبات وحقوق عمل الشرطة المصرية، وذلك بهدف تغيير عقيدة الشرطة وتوجيهها لاحترام حقوق الإنسان وحكم القانون، ناهيك عن تعديلات على أحكام القانون الرقم 109 لعام 1971 في شأن تنظيم هيئة الشرطة والذي وافق عليه مجلس الشعب في حزيران 2012، ومن أهمها تقليص صلاحية المجلس الأعلى للشرطة في ما يتعلق بحق تأديب الضباط، ومنح هذا الحق لوزير الداخلية مع اعتبار رأي المجلس «استشارياً».

غير أن سلوكات المؤسسة الأمنية وأفرادها ظلت كما هي، إذ تكررت جرائم التعذيب والتوقيف من دون إذن قضائي وتوسيع دوائر الاشتباه وغياب حد فاصل بين ما هو سلوك سياسي وغير سياسي، ليتحول عنف الشرطة وانتهاكاتها إلى أفعال ممنهجة.

وعلى رغم أن جهاز الشرطة هو حجر الزاوية وصمام الأمان لأي مجتمع، فقد كان الوضع في مصر مختلفاً بالنظر إلى أن الشرطة ومكوناتها البشرية والفنية ظلت على مدار عقود ذراعاً أمنية للنظام السياسي. وساهم هذا السلوك في تكريس صورة نمطية سيئة لرجل الشرطة. وعزّز من هذه الصورة رد الشرطة بقسوة على ثورة 25 يناير.

والأرجح أن تلك الوقائع تفتح الباب على فرص الإصلاح للجهاز الأمني من جهة، وإزالة العلاقة الملتبسة بين الشرطة والشعب على رغم مرور ما يقرب من خمس سنوات على الثورة.

لذا يظل من المهم الإعلان عن خطة استراتيجية لإصلاح المنظومة الأمنية، خصوصاً أن أي نظام ديموقراطي يقوم على مؤسسات تعمل وفق قواعده وآلياته. وهي لا تقتصر على النظام السياسي من سلطة تنفيذية وتشريعية إضافة إلى القوى السياسية الفاعلة من أحزاب ومنظمات، بل تأتي في الصدارة منها المؤسسة الأمنية التي يتعين ضبط عملها وفق قواعد النظام الديموقراطي.

في هذا السياق العام، فإن إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية تبقى ضرورية، ويمكن تنفيذها عبر طرائق عدة، منها الاطلاع على تجارب الدول المشابهة في عملية إصلاح الشرطة، ومنها دولة جورجيا التي قامت بعملية إصلاح وتطوير سريعة وحازمة لجهاز الشرطة، بدأ بإصلاح أكاديمية الشرطة، ومناهج التدريس، وحل الجهاز وإعادة تشكيله من خارج عناصره بطريقة علمية، مع مراعاة التمثيل العددي للجهاز وقدرته على سد الاحتياجات الأمنية للبلاد.

من الطرائق اتخاذ تدابير تشريعية تضمن المساءلة الفورية لمن يقومون بانتهاكات حقوق الإنسان في أقسام الشرطة والمرافق التابعة لها، على أن تمتد المسؤولية القانونية للقيادات التي تملك سلطة وقف تلك الانتقادات وتغض الطرف عنها.

وراء ذلك، ينبغي أن تكون آليات وبرامج وسياسات إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية محل توافق مع المبادئ الديموقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان ومتطلبات التحول الديموقراطي الذي لا يقتصر على تغيير طبيعة التوجهات السياسية فحسب، وإنما يتطلب بالتوازي إعادة بناء العقيدة الأمنية بما يتوافق والمنهج الديموقراطي.

وترتبط الآلية بضرورة تطوير الأداء المهني لعناصر الشرطة، فلعل ضعف المهارات المهنية كان أحد أسباب ازدياد القمع وتوسعه. لذلك يبقى مهماً تعميق الدراسات الحقوقية لطلاب أكاديمية الشرطة، بحيث لا تظل شكلية أو نظرية.

على صعيد متصل، يجب إعادة هيكلة جهاز الأمن الوطني بصورة أكبر، بما يعني إلغاء الإدارات التي كانت تختص بمتابعة القوى السياسية المعارضة للنظام، وقصر دور الجهاز على الوظائف والمهمات الضرورية لحماية الأمن القومي المصري. كما يمكن تقنين وجود رقابة مدنية ذات طابع سياسي على أداء المؤسسة الأمنية، على أن تشمل وفق ما ذكر وحيد عبدالمجيد في ورقة عمل بعنوان «الرقابة على المؤسسة الأمنية في مجتمع ديموقراطي» متابعة الإنفاق المالي لهذه المؤسسة، بدءاً بضمان الشفافية في شأن الموازنة المخصصة لها وكيفية توزيعها والأولويات التي تحكم هذا التوزيع.

ومن الممكن إعادة النظر في ترسانة القوانين المتعلقة بتوقيف المتهمين أو المشتبه بهم، إذ إن الإجراءات القانونية تتيح التوقيف من دون إذن قضائي.

ولعل القراءة الجيدة لتجربة بنغلادش يمكن أن تفيد في إعادة هيكلة الجهاز الأمني من جهة وفتح صفحة جديدة للعلاقة بين الشرطة والشعب من جهة ثانية. ففي بنغلادش عدَّلت المحكمة العليا في نيسان (أبريل) 2003 فقرة في قانون الإجراءات الجنائية للشرطة بحيث لم يعد يكفي قرار النيابة بحبس المتهم بل يلزم الحصول على حكم قضائي، فضلاً عن إلزام الشرطة إصدار شهادة طبية للمتّهم قبل إدخاله الحبس أو الحجز ثم بعد الإفراج عنه.

 

 

* كاتب مصري

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان