رئيس التحرير: عادل صبري 07:11 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

الفصل التالي لعملية التونسي «البوعزيزي»

الفصل التالي لعملية التونسي «البوعزيزي»

مقالات مختارة

الثورة التونسية

الفصل التالي لعملية التونسي «البوعزيزي»

عزت صافي 23 ديسمبر 2015 18:04

في الذكرى السادسة لانطلاقة «ثورة الربيع العربي» تحضر ذكرى الشاب التونسي الذي بات اسمه (محمد البوعزيزي) فاتحة ذلك «الربيع» في التاريخ العربي الحديث.

 

لم يكن البوعزيزي طامحاً إلى أن يكون شهيداً. بالعكس، كان يناضل ليبقى حياً كي يعيل أسرته الفقيرة، ولم يكن يملك سوى عربة صغيرة مخلّعة يضع عليها الخضار والفواكه ويجول بها في الأحياء الشعبية. كانت أسعاره متعادلة مع القدرة الشرائية لسكان تلك الأحياء المحاذية للعاصمة التونسية.

وكما في مسرحية «الشخص» التي تمثل فيها النجمة فيروز دور بائعة الخضار على عربة، يأتي الشرطي التونسي ويأمر البوعزيزي بأن يذهب بعربته بعيداً من الساحة حيث يتجمع الناس. لكن رزق البوعزيزي هو في ذلك المكان، وليس بعيداً منه. وإذ يزجره الشرطي ويقلب عربته بما عليها، يفقد الشاب أعصابه. وبدل أن يصطدم مع الشرطي سكب مادة الكاز على ملابسه وأشعل فيها النار فاحترق وفارق الحياة. هكذا وُلدت الحكاية التي تروي عملية «البوعزيزي» التونسي.

لم يكن البوعزيزي قد قرأ أو سمع عن فيروز «بائعة الخضار» التي ما إن جاء الشرطي اللبناني ليبعدها مع عربتها عن «المحطة» حتى رفضت وصرخت في وجهه مغنيّة «أنا بيّاعة وبدي عيش أهلي فقرا ودراويش». وما كان من الشرطي اللبناني إلا أن امتثل وابتعد عن فيروز وعن عربتها.

لكن «البوعزيزي» تحوّل شهيداً لثورة تونس التي أطلقت ثورات ذلك «الربيع»، وقد تحولت تلك الثورات محارق لشعوبها كما حدث في ليبيا ويحدث الآن لسورية منذ خمس سنوات.

أين وقع الخطأ في بداية الأمر؟ يصعب التحديد. لكن المؤكد أن منظمات التكفير والإرهاب كانت جاهزة بكامل عدتها وعديدها لبدء الحرب على الشعوب وعلى الأنظمة معاً. وغايتها إسقاط الأنظمة لتحلّ مكانها وتفرض على الشعوب أحكامها المستمدة من التواريخ المزورة والمحرّفة، وقد جعلت الشعوب التي آوتها بالقوة رهينة لها فأذاقتها، ولا تزال تذيقها، مرارة العيش في الرعب والسبي، ثم القتل بأساليب من همجيات القرون الوسطى، وإذ كانت تلك الأساليب ضرباً من الأساطير جاءت تلك المنظمات لتجعلها وقائع حية، فيتلقفها النظام ليتخذها ذريعة للانتقام من الشعوب ودعوتها إلى المفاضلة بينه وبين منظمات السفاحين، وليس من يفاضل بين قاتل وقاتل.

وإذا كان نصيب الشعب السوري من «الربيع العربي الأحمر»، موثقاً بأدق التفاصيل لدى المراجع الدولية والهيئة العامة للأمم المتحدة، فهناك أيضاً مشاهد ركام من مدن العصور، وآثار الأمم، وحضارات شعوب لم يفرغ العالم بعد من مراجعة تاريخها المكتوب والمصوّر والموثق، ولم يحن الوقت بعد لاستخلاص النتائج واستطلاع الآراء والرؤى لمستقبل «بلاد العرب من الشام لبغدان، ومن نجد الى يمن، الى مصر فتطوان»، مروراً بليبيا والعراق، واليمن، ولا ننسى فلسطين المنشغلة بجمع الحجارة لترشق بها الجنود الصهاينة المحصنين في بطون مدرعاتهم، وعيونهم على القدس، وتحديداً على المسجد الأقصى.

أما بسبب من، ومن أجل من حدث كل هذا؟ فهل يكفي الجواب أن كل هذا كان بسبب رجل أو نظام؟ أم أن هناك ما هو أفظع وأشد فظاظة وشراسة ويكمن في مجريات الفصل التالي من عملية «عربة الشهيد البوعزيزي»؟ إذ كيف كان ممكناً لمسألة بسيطة من نوع مناكفة بين بائع خضار وشرطي أن تنفجر حركة شعبية بدت عفوية بأسبابها، ثمّ تحولت ثورة لتعم العاصمة التونسية وسائر المناطق؟.

ثم كيف كان لتلك الحركة أن تنتقل سريعاً من الشطر العربي في شمال افريقيا الى الأقطار العربية في شرق البحر الأبيض المتوسط وجنوبه؟

يصح القول إن البراءة والعفوية، والشوق إلى الحرية والديموقراطية، والعدالة والعلم وفرص العمل، مع الأمن والأمان والاستقرار، والاستمرار في الطموح والتقدم، هي التي دفعت شعوباً عربية إلى ملاقاة الظاهرة التونسية.

لكن للشعوب أيضاً أخطاءها، وأولها البراءة، وهي قد سقطت في الظاهرة التونسية التي كانت عفوية ونبيلة، وكانت أيضاً سهلة الاندفاع نحو الفخ الذي شرّع الأبواب وفرص التدخل أمام جيوش منظمة تملك إستراتيجيتها، ونظام مدفعيتها وصواريخها ومدرعاتها، وطواقم خبرائها، وأجهزة إعلامها، وبرامجها ودعاتها ومحاوريها، ولها شبكة اتصالاتها الأرضية والفضائية المدعومة بأحدث تقنيات العصر. يعني أنها دولة متكاملة تمشي على عجلات. تستقر حيث تشاء، وتنتقل حيث تدعو الضرورة. هي «دولة» لا تعترف بدولة سواها، وهي إن حكمت لا تقبل بغير أحكامها وقوانينها الآتية من أقبية الظلام والقهر.

لقد استفادت أنظمة القمع العربية من منظمات الإرهاب والتكفير لتضع شعوبها أمام الخيار بينها وبين تلك المنظمات، فإذا الظلم يتضاعف، والتكفير يتحكم بالشعب السوري الذي بات أسيراً بين عدوين. فهل هذا هو قدر الشعب السوري حقاً؟

لقد ارتسم هذا السؤال أمام مؤتمر الرياض الذي عُقد بين التاسع والعاشر من كانون الأول (ديسمبر) الحالي، وقد ضم 116 شخصية سورية توزعت على خمس عشرة مجموعة مقاتلة، وموزعة هي أيضاً بين «الجيش الحر» والفصائل الإسلامية، والتكتلات السياسية، ومنها «هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي».

أهمية هذا المؤتمر هي أنه عُقد ليجمع شتات «الثورات» و»المنظمات» و»الهيئات» السياسية، والفكرية، والعسكرية، فيضمها في إطار واحد تحت عــنوان «الهــيئة العامة لمؤتمر المـعارضة السورية».

وليس من عاقل يمكنه أن يتصور أن ذلك الشتات السوري قد التم بعضه على بعض في وحدة منيعة لن تنفك. لكن مع ذلك بالإمكان وضع الأزمة - المحنة السورية على خريطة مجسّمة ليراها كل فريق بعينه، على أن تتكامل الرؤية فتصبح واضحة بعين واحدة تكون عين الصواب، وتكون مفتاح الحل، بالسياسة إذا أمكن، وبالقوة إذا استحال الأمر.

وليس من عاقل يتصوّر أن الحل ممكن باتفاق أهل البيت. فهناك نظام عسكري مراوغ وشرس وغير مستعد للخروج من السلطة بأي ثمن.

وليس من عاقل أيضاً يمكنه أن يتصور الخلاص بحل من دون دعم المجتمع الدولي الأميركي- الأوروبي. وقد لا يكون الحل إلا بتسوية تنضم إليها روسيا والصين.

لكن، ثمّة أمل جديد وكبير ظهر أخيراً. فالتحالف الإسلامي العسكري الذي أخذت المملكة العربية السعودية المبادرة الى إنشائه لمكافحة الإرهاب سوف يجد الهدف الأقرب إليه ماثلاً أمامه بمحنة الشعب السوري.

ويبقى واجب العودة إلى تونس حيث كانت البداية بعربة الشهيد - الضحية محمد البوعزيزي فقد يرى الرئيس الباجي قائد السبسي أن البوعزيزي هو الذي فتح الطريق الى التغيير في تونس فكان أن آلت الرئاسة إليه وعلى هذا يستحق أن تُخلّد ذكراه. ولعل الرئيس السبسي يرى أن أصدق ما يعبّر عن شهادة البوعزيزي هو عربته، وأن أسهل وأسرع ما يمكن إنجازه هو نقل عربة البوعزيزي الى متحف تونس لتكون شاهدة على أنها كانت قاطرة عبور العالم العربي الى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

 

 

* كاتب وصحافي لبناني

نقلا عن الحياة

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان