رئيس التحرير: عادل صبري 03:43 مساءً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

المبايعة الإلكترونية لداعش... كيف؟

المبايعة الإلكترونية لداعش... كيف؟

محمد عبدالعزيز منير 23 ديسمبر 2015 17:57

يمثل تنظيم «داعش» حالة فريدة من حالات فرض الولاء الإلكتروني على أتباعه من خلال اللجوء إلى أساليب جديدة في التجنيد تجعل الشخص المستهدف يقتنع بما يقدم إليه من أفكار، بل يدعو إليها في محيطه الاجتماعي.

 

والغريب أن نسبة مهمة من ضحايا التجنيد الإكتروني نشأت وترعرعت في الغرب في ظل ظروف اقتصادية جيدة، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول الأسباب الحقيقية التي تدفع ضحايا «داعش» إلى الاقتناع بهذه الأفكار المشوهة.

وفي كتاب صدر هذا العام للباحثة الفرنسية من أصل مغربي دنيا بوزار والمعنون «كيف يكون الخلاص من الاستلاب الجهادي؟»، تستعرض الكاتبة الكيفية التي يتمكن بها تنظيم «داعش» والأفراد المرتبطون به من تجنيد الشبان وإقناعهم بالفكر المتطرف، وصولاً إلى الانضمام الفعلي إلى التنظيم والقتال في صفوفه، حيث يستغل التنظيم حالة عدم الرضا التي يشعر بها المراهقون بعامة نتيجة توتر علاقتهم بالأبوين أو بزملاء الدراسة وغيرهم لإقناع الهدف بأن فشل الآخرين في فهمه يرجع لكونه متفوقاً ومختلفاً ومتميزاً عن محيطه، وأنه يحظى بقدرات غير عادية في مجتمع يتحكم فيه أناس عاديون للغاية.

بعد ذلك يبدأ إقناع الشخص المراد تجنيده بالانفصال الفكري عن مجتمعه والبحث عن بيئة أخرى تناسب طاقاته وقدراته، وهنا يبدأ الانفصال الفكري والعقلي عن المحيط من دون أعراض ظاهرة سوى تكريس الشخص المزيد من الوقت للقراءة والإطلاع، وهو ما يسعد الأسرة التي تعتقد بأن الشاب (أو الفتاة) يخصص وقته للقراءة بدلاً من نشاطات أخرى غير مفيدة. وعادة ما ترتبط هذه المرحلة بميل الهدف إلى ممارسة الرياضة منفرداً أي من دون الانخراط في فريق أو مجموعة من الرفاق.

بعد ذلك يبدأ الفريق الداعشي في توجيه الهدف نحو قراءات متعمقة في الاقتصاد والسياسة الدولية، والاستعانة بكتابات متداولة تنتقد تحكم مجموعة من الدول والشركات في منظومة الاقتصاد والتجارة والقرارات الكبرى في عالم السياسة، ويخلص الشخص عادة إلى أن مظاهر عدم العدالة في العلاقات الدولية لها صداها في المجتمعات أيضاً، إذ يتعرض الكثير من الأفراد للانسحاق تحت وطأة النظام الاجتماعي من دون القدرة على تحقيق ذواتهم. وسواء كان الهدف من الأغنياء أو الفقراء، فإنه يشعر بكراهية للنظام الاجتماعي ذاته.

ثم تبدأ مرحلة استنفار المشاعر السلبية التي تكونت لدى الهدف من خلال المزج بين كونه شخصية متميزة وغير عادية، وبين توجيه هذا التميز المفترض إلى مواجهة الظلم الواقع على الإنسانية. والملاحظ هنا أن البعد الديني يكاد يكون غائباً تماماً في مرحلة الإعداد هذه، وهذا الغياب يكون مدفوعاً برغبة التنظيم في تنحية أية عوامل دينية جانباً والتركيز على الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية وما تنتجه من مشاعر سلبية محبطة على الفرد وتدفعه إلى التعاطف مع المحرومين حول العالم على اعتبار أن الوضعية الاقتصادية لهذه الفئة ترتبط بالضرورة بحالة من عدم العدالة في التوزيع.

وفي النهاية يتم الدفع بالمكون الديني في الخطاب من خلال تقديم الإسلام على أنه الدين الكفيل بهدم الحالة المستديمة من عدم العدالة وتأسيس عالم مثالي جديد، وصولاً إلى حالة من التوحد في الهوية بين الشخص وبين التنظيم باعتبار الأخير كياناً مختلفاً عن الكيانات التقليدية في العالم! وبهذا يحقق «داعش» هدفه النهائي من خلال إقناع الهدف بأن الطيور على أشكالها تقع، وأن الشخص المتميز يستحق أن ينتمي إلى تنظيم متفرد هو الآخر.

السطور السابقة تلفت النظر إلى عدد من التحديات الحضارية والاجتماعية والفكرية التي ينبغي رصدها عند التصدي لـ «داعش»، أولها أهمية التوعية بالمسار الفكري للتجنيد ونقضه من الأساس من خلال التأكيد على أن المقدمات هنا لا تؤدي إلى النتائج، فليس معنى وجود اختلالات في النظام العالمي أن يكون الإرهاب الدموي الوسيلة لتصحيح هذا الاختلال، وثانياً، أهمية الإقرار بالقصور الذاتي كسبب من أسباب هذا الاختلال سواء على المستوى الدولي أو الوطني، فقد استطاعت العديد من الدول الخروج من دائرة الفقر بالعمل الدؤوب وتوجيه الموارد إلى التنمية بدلاً من إهدارها في مآرب أخرى، والأمر ذاته ينطبق على المستوى الشخصي؛ والأمثلة كثيرة على نماذج للمغتربين استطاعوا تحقيق نجاح مهني بمجرد انخراطهم في دائرة العمل الشاق.

وأخيراً، لا بد من نشر تجارب المحظوظين الذين استطاعوا الإفلات من فخ «داعش» والنجاة من المصير المحتوم، وذلك على أوسع نطاق ممكن لا سيما في الفضاء الإلكتروني حتى يعتبر من لم يعتبر بعد.

 

 

* كاتب مصري

نقلا عن الحياة

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان