رئيس التحرير: عادل صبري 12:53 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

دعوة إلى ترشيد الصراع فى مصر

دعوة إلى ترشيد الصراع فى مصر

مقالات مختارة

فهمي هويدي

دعوة إلى ترشيد الصراع فى مصر

22 ديسمبر 2015 19:44

الصراع السياسى الحاصل فى مصر الآن لا يمكن أن يستمر بوتيرته الراهنة، وترشيده صار مطلبا ضروريا ومصيريا.


(١)
على عهدة جريدة «الشروق» فإن مصادر إخوانية بارزة كشفت عن أن الشبان الهاربين إلى تركيا أصبحوا فريسة لعصابات تجنيد الأفراد للقتال فى صفوف التنظيمات المتطرفة المسلحة فى سوريا، وبخاصة تنظيمى داعش وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة.. ومعظم هؤلاء الشبان ممن فروا من مصر قبل انتهاء دراستهم الجامعية، وهو ما أشعرهم بضياع مستقبلهم خاصة فى ظل تنازع قيادات الجماعة على السلطة داخلها. الأمر الذى زاد من أزمتهم وأفقدهم الأمل فى الرجوع إلى مصر فى وقت قريب لاستكمال دراساتهم. ذلك بالإضافة إلى ما أسمته المصادر الإخوانية بكفر هؤلاء الشبان بالطرق السلمية فى إدارة الصراع مع الدولة.
الفقرة السابقة مقتبسة من التقرير الذى نشرته جريدة «الشروق» يوم الأحد الماضى (١٢/ ٢٠) لمحررها النشيط محمد خيال. إذ أبرزته على صفحتها الأولى تحت العنوان التالى: أبناء قيادات إخوانية ينضمون إلى داعش سوريا، وفى التفاصيل أن المجموعة المشار إليها ١١ شابا.
التقرير المنشور هو الأحدث فى المتابعات التى انفردت بها جريدة «الشروق» فى تغطية التطورات الداخلية فى صفوف الجماعة، ويتمثل أبرزها فى التنازع حول القيادة بين من وصفوا بالقيادات التقليدية والتاريخية من ناحية وبين هؤلاء وبين القيادات الشبابية التى خرجت من صفوف «الربعاويين» من ناحية أخرى. والمصطلح منسوب إلى ميدان رابعة العدوية الذى شهد الاعتصام الشهير فى عام ٢٠١٣. وكان ذلك جزءا من أزمة الجماعة التى تفاعلت على المستويات العليا، ولم تكن هى الأزمة الوحيدة، لأن مؤشرات التمرد والانشقاق ظهرت بشكل مواز فى محيط القواعد، وفى حين اهتمت الصحف المصرية بنشر أخبار انشقاقات الجماعة، فإن ذلك الاهتمام شمل التقرير الذى أصدرته الحكومة البريطانية وتولت فيه لجنة من مسئوليها وخبرائها تقييم موقف الجماعة بتكليف من رئيس الوزراء ديفيد كاميرون. حدث ذلك بشكل مواز مع الجهود التى يبذلها فى مصر الحقوقيون وأسر المعتقلين سواء لوقف الاختفاء القسرى أو لانقاذ نزلاء سجن العقرب وتوفير الأغطية والأدوية لهم.

(٢)
لا سبيل للتحقق من صحة المعلومات المتعلقة بالتفاعلات الحاصلة داخل الجماعة والتى أبرزتها الصحف المصرية لأسباب مفهومة. لكنى أستطيع القول بأن ما تحدثت به تلك التقارير لا يفاجئ أى باحث متابع للموضوع. ذلك أن مآلات الصراع الحاصل فى مصر ظلت موضوع دراسة ومناقشة طول الوقت فى العديد من المراكز البحثية الخارجية المعنية بالشرق الأوسط. إذ فى حين ظل الخطاب فى مصر تعبويا ومعبرا عن وجهة نظر واحدة انطلقت من أن الموضوع حسم ولا محل للاجتهاد أو المناقشة فيه، فإن المراكز البحثية التى أتحدث عنها تعاملت مع الملف باعتباره مفتوحا وحافلا بالعناوين الجديرة بالمناقشة. بكلام آخر فإنه إذا كان الخطاب السياسى والإعلامى فى مصر قد حصر أداءه فى الحديث عن لحظة الصراع فإن الباحثين اعتدوا بتداعياته ومستقبله. أتحدث مثلا عن الدراسة التى صدرت عن مركز كارنيجى للشرق الأوسط التى عنوانها «تصاعد التمرد الإسلامى فى مصر»، وأعدها الباحثان مختار عوض ومصطفى هاشم. وأخرى صدرت عن «مبادرة الإصلاح العربى» بعنوان «الإخوان بعد الانتقال مسارات ومآلات»، لإبراهيم الهضيبى الذى نشر له موقع «مدى مصر» تحليلا كان عنوانه «الإخوان فى مرحلة انتقالية»، وبحث آخر بعنوان «الخائفون من المستقبل داخل الإخوان» للباحث عمار فايد نشره موقع «رصد» وبحث خامس نشره موقع مدى مصر عنوانه «العالم المجهول للجان التوعية ــ الطريق السريع من السلمية التنظيمية إلى العبوات الناسفة» ــ وهو يروى قصة شاب التحق بمظاهرات ٢٥ يناير ٢٠١١، وانتهى مقتنعا بممارسة العنف واستخدام السلاح، وعازما على السفر إلى سوريا للالتحاق بتنظيم أحرار الشام.
إذا أتيح للمرء أن يطلع على تلك الأوراق فلن يفاجئه شىء مما تتحدث به الصحف هذه الأيام من تجاذبات وانشقاقات واختيار بعض الشباب المتمرد اللجوء إلى العنف المسلح فى نهاية المطاف، باعتباره الخيار الوحيد الذى بات متاحا إزاء استمرار انسداد الأفق السياسى فى مصر.
الملاحظة التى لا تقل أهمية أن أغلب تلك الأوراق لا تتحدث عن «مصالحة»، وتعتبرها غير مطروحة فى الوقت الراهن، ولكنها تركز على ثلاثة أمور ضرورية هى:
< إن لدى الطرفين مصلحة مشتركة فى تحييد ما وصف بالتمرد الجهادى الذى يجذب الشباب اليائس إلى العنف المسلح، وتلك مهمة يتعين أن ينهض بها العقلاء على الجانبين لأنها تمثل أهمية بالغة لتحقيق الاستقرار فى الوطن.
< التهدئة وتجنب التصعيد من جانب السلطة فى مواجهة النشطاء مهما كانت اتجاهاتهم السياسية، عن طريق وقف الاعتقالات العشوائية والاختفاء القسرى، والكف عن ممارسة التعذيب، وإطلاق سراح المظلومين المحتجزين.
< التمييز بين مواقف جماعات الإسلام السياسى، وتجنب وصم الجميع ووضعهم فى سلة واحدة مع تنظيم داعش أو جبهة النصرة، ذلك أن ثمة فروقا أساسية فى الموقف من العنف والتكفير بين تلك الجماعات. فضلا عن ان الإصرار على ضم الجميع فى وعاء واحد يصيب عناصر الاعتدال باليأس بحيث يصبح الخيار الوحيد أمامها هو أن تنخرط فى مسار العنف، طالما أنها موصومة ومتهمة فى كل الأحوال.

(٣)
لا أعرف ما إذا كانت العمليات الإرهابية التى شهدتها مصر خلال السنتين الأخيرتين قد خضعت للتحليل والدراسة أم لا من جانب جهات الاختصاص فى مصر. وسواء كان عدد المحتجزين فى السجون أربعين ألفا كما هو متواتر فى أوساط المنظمات الحقوقية أم ٦٠ ألفا كما تقرر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فإن توفر هذا العدد الكبير يشكل فرصة ممتازة لدراسة مختلف جوانب الظاهرة تساعد فى انجاح جهود التعامل معها ووضع حد لها. عند الحد الأدنى فإن ذلك يتيح للأجهزة الأمنية ان تتعرف على حقيقة مواقف جماعات الإسلام السياسى ودور كل منها فى العمليات الإرهابية التى وقعت، والأسباب التى دفعتها إلى ارتكابها.
كنت قد دعوت أكثر من مرة إلى ضرورة التمييز والفرز بين مواقف تلك الجماعات على الأقل لكى يكون صاحب القرار السياسى فضلا عن الجهاز الأمنى على بصيرة وبينة من مواقف مختلف الأطراف التى تقف على الجانب الآخر فى الصراع، ولاحظت أن الإسرائيليين اتبعوا ذلك النهج فى تعاملهم مع انتفاضة السكاكين التى فجرت فى شهر أكتوبر الماضى. فطرحوا السؤالين الكبيرين من أين جاء هؤلاء الشبان الذين أصبحوا يتنافسون على طعن المستوطنين بالسكاكين ولماذا؟ وكانت المفاجأة التى أدهشتهم أنهم اكتشفوا فى الأسابيع الأولى أن أولئك الشبان لا علاقة لهم بفصائل المقاومة المعروفة، حماس أو الجهاد أو الجبهة الشعبية أو أى كيان فلسطينى آخر. وفى تقرير من الأراضى المحتلة نشره موقع رأى اليوم (فى ١٧/١٢) إن المصادر الأمنية فى تل أبيب أدركت أن منفذى العمليات أقدموا على ما فعلوه بناء على دوافع ذاتية لا علاقة لها بأى تنظيم. وفى حالات نادرة كان للمنفذ شريك آخر. وفى حالات قليلة تبين أن بعض المنظمين كانت لهم انتماءات تنظيمية سابقة ومن هؤلاء من كانت لهم سوابق أمنية، وفى كل الحالات لم يثبت أن ما نفذ من عمليات انبنى على قرار أو انطلاقا من الانتماء التنظيمى، باستثناء حالة طعن واحدة وقعت قرب نابلس. وذكرت صحيفة «هاآرتس» أن تلك كانت خلاصة لدراسة شملت ١٢٣ فلسطينيا قاموا بتنفيذ عمليات الطعن أو حاولوا ذلك. مما توصلت إليه الدراسة أيضا أن ما يسمى بالتحريض عبر الإنترنت لم يكن بالضرورة عاملا أساسيا فى اتخاذ المنفذ قراره بالعملية، كما أدرك الباحثون أنه فى أغلب الحالات فإن المنفذين كانوا يعملون وحدهم ويبلورون قرارهم النهائى فى مدة قصيرة نسبيا، وأحيانا فى أقل من ساعة.
أثار انتباهى فى هذا الصدد تحليل كتبه المثقف الفلسطينى البارز الدكتور أسعد عبدالرحمن (نشرته له صحيفة الاتحاد بأبوظبى فى ١١/١٢ الحالى) تحدث فيه عن وثيقة أعدها جهاز الأمن العام الإسرائيلى (الشاباك) حذر فيها الحكومة من سياسة التصعيد ضد الفلسطينيين. وذكرت الوثيقة ان التصعيد سوف يشجع الفلسطينيين على مواصلة الانتفاضة، ذلك أن تحركهم نابع من الشعور بالاضطهاد الوطنى والاقتصادى والشخصى. مضيفة أنه حتى إذا تم القضاء على «الهبَة» الراهنة فإنها ستعود وتتصاعد مجددا، لان الأسباب التى تدفع الفلسطينيين لاتزال مستمرة. وهى تكمن فى شعورهم بالإحباط واليأس، وخيبة الأمل فى السلطة الفلسطينية والرغبة فى مواجهة إسرائيل (الاحتلال).
ذكر الدكتور أسعد عبدالرحمن أيضا أن رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء هرتسى هليفى أبلغ حكومته بأن «أحد أسباب «الإرهاب» الحالى هو الشعور بالغضب والإحباط لدى الفلسطينيين خصوصا بين أبناء الجيل الشاب الذين يشعرون بأنه لم يعد لديهم ما يخسرونه». ولم تكن تلك هى الشهادة الوحيدة، لأنه استشهد بعدة تعليقات أخرى لخبراء أمنيين وقادة عسكريين نصحوا الحكومة بأن تعمل على إعطاء الفلسطينيين «العمل والاحترام»، وتوفير التسهيلات لهم فى المجالات الأمنية والاقتصادية والمدنية، تشمل الإفراج عن بضع عشرات من الأسرى المحتجزين فى السجون. وذلك لتهدئة الفلسطينيين وامتصاص غضبهم الذى يترجم إلى أعمال عنف تروع الإسرائيليين بين الحين والآخر.
أهمية هذا النمط من التفكير تكمن فى أنه يدعو إلى عقلنة الصراع. بحيث لا تكتفى السلطة بالإجراءات الأمنية المتصلة بمعاقبة الغاضبين الذين يلجأون إلى العنف، وإنما تحاول أيضا أن تتعرف على دوافع العنف والغضب وأن تخفف من أسبابها.

(٤)

ربما لاحظت أننى لا أتحدث عن إنهاء الصراع، لكننى أتحدث عن ترشيده. ذلك أننا لا نريد أن نعالج ما هو سيئ بما هو أسوأ. والأسوأ الذى أحذر منه أن تتواصل الضغوط ويخيم انسداد الأفق إلى الحد الذى يقنع الطرف الاخر بأن الانفجار والانتحار هو الحل. وأخشى ما أخشاه أن نطبق على المعارك السياسية منطق المواجهات العسكرية. ذلك أن فكرة الإبادة إذا كانت واردة فى المواجهات الأخيرة فإنها تصبح مغامرة خطرة ولها عواقبها الوخيمة فى المعارك السياسية. وأزعم أن أداء الأجهزة الأمنية المصرية فى ثمانينيات القرن الماضى كان أكثر رشدا، لأنها رغم قسوتها المفرطة آنذاك حرصت على التمييز بين جماعات الإسلام السياسى وعملت على تحييد بعضها. وحققت بذلك نجاحات نسبية مشهودة. والمشكلة التى تواجهها مصر الآن أن السياسة تدار فيها بأساليب الحروب بين الدول. وهو النهج الذى لم يحقق نجاحا، بحيث صار فى أمس الحاجة إلى المراجعة.


نقلا عن الشروق

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان