رئيس التحرير: عادل صبري 12:55 صباحاً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ليس كل شيء على ما يرام في إقليم كردستان

ليس كل شيء على ما يرام في إقليم كردستان

مقالات مختارة

كامران قره داغي

ليس كل شيء على ما يرام في إقليم كردستان

كامران قره داغي 13 ديسمبر 2015 17:31

بعيداً عن المباهاة يمكن القول إن مقاتلي إقليم كردستان نجحوا ليس في مقاومة هجمات «داعش» فحسب بل كذلك في شن هجمات مضادة، مستعيدين المبادرة بعد انتكاسات أولى، واستعادة أراضٍ بما فيها بلدات وقرى كثيرة تمكنوا من تحريرها، أبرزها طبعاً سنجار الأيزيدية الشهر الماضي.

 

ومن نافلة القول أن الدعم الغربي لقوات البيشمركة تسليحاً وتدريباً، إلى جانب القصف الجوي، كان له دور فعال في تمكين الكرد من تحقيق مكاسبهم على الأرض ضد التنظيم الإرهابي الذي يأمل الكرد بدحره. لكن هذا المقال يسعى إلى التنبيه إلى أن كل شيء ليس على ما يرام في إقليم كردستان الذي يواجه «مجموعة من التحديات السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية» وفق توصيف نائب رئيس وزراء الإقليم قباد طالباني، في كلمة ألقاها نيابة عن حكومته عرض فيها لهذه المشكلات مفتتحاً بها المؤتمر السادس للنفط والغاز لكردستان الذي عقد قبل أيام في لندن. المؤتمر يعقد سنوياً بالتناوب في أربيل والعاصمة البريطانية بمشاركة شركات عالمية كبرى ومحلية في مجال النفط والغاز منها «أكسون موبيل» و «شيفرون» الأميركيتان و «غازبروم» الروسية و «توتال الفرنسية» و «جينيل أينرجي» التركية، المنتج الأكبر للنفط والغاز في الإقليم، وغيرها.

لافت أن يصدر عن مسؤول حكومي رفيع المستوى كلام من نوع أن «كردستان تواجه اليوم الامتحان في سلسلة من الأزمات، الأمنية والإنسانية والسياسية وطبعاً الاقتصادية»، و «كنت أتمنى أن أبلغكم بأن كل شيء على ما يرام وأن كردستان تنبض بالحياة وتنمو كما في السابق، لكن التزاماتكم تجاه المكان واستثماراتكم وشراكتنا وصداقتنا تمنعني من أن أقف أمامكم وأزعم أن كل شيء على ما يرام. إن كل شيء بعيد تماماً عن أن يكون على ما يرام في هذه اللحظة».

خلال الفترة الماضية تعين على الإقليم استقبال نحو 1,8 مليون لاجئ من سورية ونازح من مناطق في العراق شهدت عمليات عسكرية في إطار المواجهات مع «داعش»، الأمر الذي يضغط بشدة على قدرات الإقليم المالية واللوجستية في استيعابهم في ظل دعم دولي محدود وغياب أي دعم من الحكومة الاتحادية التي تواجه بدورها أزمات مالية حادة نتيجة لتقلص عائداتها من النفط بعد هبوط أسعاره. وفاقم الوضع توقف بغداد عن تسديد حصة الإقليم من الموازنة ودفع رواتب البيشمركة منذ أكثر من عام. ويشار إلى أن تدفق اللاجئين والنازحين أدى إلى زيادة عدد المقيمين في الإقليم بنسبة 30 في المئة.

إلى ما سلف من مشكلات، هناك الأزمة السياسية الداخلية المعروفة التي كانت كامنة إلى أن تفجرت صيف العام الماضي، وتحديداً قبل هجوم «داعش» على الإقليم، وتتمثل في الخلافات بين أطراف الطبقة الحاكمة على تجديد ولاية رئيس الإقليم وسلطاته، وقد بلغت الذروة بالمواجهة بين رئاسة البرلمان والحكومة. الأزمة لم تحل بعد لكن هناك مؤشرات إلى احتوائها وصولاً إلى الاتفاق على حلول وسط.

إذا كان ممكناً التوصل في وقت قريب نسبياً إلى حل للأزمة السياسية، شرط استعداد أطرافها لتقديم تنازلات واتخاذ قرارات صعبة، فإن هذه المشكلة تهون. أما الأزمة الاقتصادية فتهدد في حال تفاقمها والفشل في معالجتها مستوى المعيشة ومشاريع التنمية والاستثمار. فهي صعدت إلى السطح نتيجة لـ «صدمة ثلاثية البعد»: قرار الحكومة الاتحادية وقف تسديد حصة الإقليم في شباط (فبراير) 2014، وهجوم «داعش» على الإقليم في حزيران (يونيو)، والهبوط العالمي لأسعار النفط.

لكن الشيطان في التفاصيل كما يقال. ذلك أن بوادر الأزمة الاقتصادية بدأت تقترب من السطح منذ 2013. فبينما كان سعر برميل النفط لا يزال 100 دولار وبغداد مستمرة في دفع حصة الإقليم، بلغ العجز في موازنة الإقليم نحو 1,5 بليون دولار، وهو دين ثقيل بالنسبة إلى موازنة سنوية تقدر بنحو 10 بلايين دولار. يفاقم الوضع أن اقتصاد الإقليم كان يعتمد كلياً تقريباً على ما يتسلمه من عائدات النفط. وكنتيجة مباشرة لوقف التمويل من بغداد سجلت موازنة الإقليم لعام 2014 عجزاً مقداره 6,5 بليون دولار. في ظل هذا الواقع، توقف العمل في كافة مشاريع الاستثمار كبناء الطرق والمدارس وفي مجال الصحة.

رواتب الموظفين والمتقاعدين مشكلة كبرى بحد ذاتها. فالجهاز الإداري للإقليم يعاني تضخماً هائلاً بحيث يستنفد إضافة إلى الإنفاق على صندوق التقاعد، نحو 70 في المئة من موازنته. يعني ذلك أن أول خطوة نحو أي إصلاح إداري – مالي يتحتم على الإقليم إجراؤه عاجلاً وليس آجلاً، يجب أن يكون تغييراً جذرياً لنظام الرواتب والتقاعد. كذلك يتعين اتخاذ سلسلة إجراءات تقشفية أخرى كخفض نظام الحماية لقطاعات تثقل كاهل الموازنة.

في هذا الاطار أيضاً، أوضح نائب رئيس حكومة الإقليم أنها تدرس حزمة لإصلاحات واسعة لمواجهة الأزمة المالية وتقليل اعتماد الاقتصاد على عائدات النفط، وهي مسألة شائكة وصعبة قد لا تمتلك حكومة الإقليم الكفاءة والمعرفة الكافيتين للقيام بها، وهو ما دفعها، وفق طالباني، إلى الطلب من بريطانيا والولايات المتحدة ودول اوروبية تقديم مساعدات فنية لإكمال وتنفيذ خطة الإصلاح.

ما سلف، إضافة إلى عوامل وأسباب أخرى، يسلط بعض الضوء على طبيعة التحديات الكبرى التي تواجهها كردستان التي تقر إدارتها بأنه ليس كل شيء فيها على ما يرام. يقال هذا مع التشديد على أن الإقليم أمامه خيار وحيد هو أن ينجح في تجاوز أزماته. المسؤول الكردي بعدما أفاض في توضيح أبعاد الأزمة، ختم كلمته بتذكير الكرد بأن جيل الآباء والأجداد واجه تحديات أعظم مما يواجهه الجيل الحالي لكنه استطاع أن يتجاوزها، على رغم أن الكرد لم يكن معهم آنذاك صديق غير الجبال، بينما يملكون اليوم أصدقاء في العالم أكثر من جبالهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان