رئيس التحرير: عادل صبري 03:00 صباحاً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

لبنان: من تسوية إقليمية إلى صفقة داخلية

لبنان: من تسوية إقليمية إلى صفقة داخلية

مقالات مختارة

سامر فرنجيّة

لبنان: من تسوية إقليمية إلى صفقة داخلية

سامر فرنجيّة 13 ديسمبر 2015 17:23

قد يكون المفعول الأساسي للتسوية الحالية، إضافة إلى تحسّن قيمة سهم سوليدير، طرح المبادرة التي طرحها سعد الحريري بذاتها، وهذا بغض النظر عما إذا كانت ستؤدي إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية أم لا. فترشيح سليمان فرنجية حوّل قواعد اللعبة السياسية، بحيث بات الترشيح ذاته يشكّل حدثاً يفصل بين مرحلتين، وإن كانت معالم المرحلة الجديدة غير واضحة بعد.

فقد حاول الحريري من خلال تياره وإعلامه تسويق هذا الحدث المفصلي، إمّا كجزء من حل إقليمي أوسع أو كخيار يفرضه الانهيار الاقتصادي الوشيك. غير أنّ التبريرين، كما لاحظ عدد من المراقبين، غير مقنعين. فمعالم التسوية الإقليمية التي تقتضي تقديم موقع الرئاسة لـ «صديق بشار» غير واضحة بعد، بخاصة إذا أضفنا إلى هذا التنازل العلني تنازلات أخرى ضمنية تفرضها التسوية، من تطبيع العلاقة مع النظام السوري إلى سحب مسألة سلاح «حزب الله» من التداول وصولاً إلى طي صفحة المحكمة الدولية. فمقولة «نهاية الأسد»، وهي الفرضية التي يقدّمها بعض من يسوّق التسوية، باتت المدخل لوضع يسيطر فيه حلفاء بشار على مجمل السلطة في لبنان، تطميناً وتعويضاً عن خسارتهم السورية المتخيلة.

فالسؤال، إذاً، ما كان سيكون عليه الوضع لو فاز الأسد؟ الجواب عن هذا السؤال الافتراضي قد يكون التسوية ذاتها من دون عودة الحريري، وهي عودة أفرغتها التسوية من أي معنى سياسي.

بعض المقربين من تيار المستقبل قدم تبريراً آخر للتسوية، وهو الأزمة الاقتصادية المرتقبة التي تتطلب ترتيب المؤسسات لمواجهتها. وهنا أيضاً يبدو التبرير غريباً. فإذا كان معيار التسوية اقتصادياً، فقد يكون من الضروري البحث في أسماء للرئاسات الثلاث من خارج نادي المسؤولين عن الانهيار الحالي. ذاك أن هذه الجوقة من السياسيين التي فشلت في حل أزمة النفايات، سيصعب تخيّل كيفية حلّها الأزمة الاقتصادية، بخاصة أن التسوية لا تتضمن أي بند اقتصادي أو اتفاق مسبق على خطة إنقاذية.

عندما سقطت هذه الحجة، لم يجد أمين عام تيار المستقبل وهو يخطب في العائلات البيروتية، غير التهويل بالدم لتسريع الصفقة. لكن بدل التهويل، كان الأجدى تسويق التسوية من باب خسارة ١٤ آذار والثورة السورية، وضرورة القبول بها كحد أقصى للطموحات بعد عقد من الاعتراض على النظام السوري وسلاح «حزب الله». وربّما في هذا التبرير الذي لم يقدّم، يكمن سرّ التسوية المعروضة حالياً، أي انهيار ١٤ آذار وبدء بعض مكوّناتها في البحث عن مخرج من الثنائية أو عن تموضع يسمح لهم بالاستمرار في مرحلة «ما بعد ٨ و١٤ آذار».

فتحالف ١٤ آذار شهد في الآونة الأخيرة تضعضعاً متزايداً، ظهر في الحراك والانتخابات الطالبية والنقابية التي تلته، وصولاً إلى «استقالة» بعض المستقلين عنه قبل أن ينفجر الخلاف بين المستقبل والقوات اللبنانية. ومع اختفاء ١٤ آذار، فقد التحالف المقابل «آخره» الذي أمّن له أحد أسباب وجوده وتماسكه.

بهذا المعنى، قد يكون مصدر التسوية داخلياً، أي فعلاً سيادياً قد يريح نبيه بري المنتفض ضد «الفضيحة السيادية». ومن هنا، تبدو التسوية أقرب إلى صفقة، يحاول البعض إلباسها أبعاداً إقليمية واقتصادية للدفاع عنها.

قد تكون الصفقة المعروضة إشارة إلى تحوّل في قواعد اللعبة يأخذ شكل بروز قطب ثالث، يكسر ثنائية ٨ و١٤ آذار. فالداعمان الأساسيان لهذه الصفقة، أي نبيه بري ووليد جنبلاط، يبحثون عن وسط يخرجهما من تجاذب التحالفين، ويريحهما من المكوّنين المسيحيين فيهما. أما الوافد الجديد إلى هذا «الوسط»، أي الحريري، فبات ضعفه السياسي والشعبي والمالي المتزايد يهدّد استمراريته السياسية وقد يجد في هذا الوسط الجديد منفذاً يعيده إلى رئاسة الحكومة، وإن بصفة جديدة، أي كطرف سني في نظام يشبه «ترويكا» التسعينات. وهذا «الوسط»، الذي يؤمن الاستقرار من خلال علاقات المصالح التي تربط مكوّناته بمالية الدولة وعلاقات «الصداقة» التي تربط أركانه بالدول المجاورة، مرشّح للتوسع، مع انضمام رئيس الجمهورية المقبل إليه، ومعه بعض سياسيي لبنان ممن باتت مصالحهم مهددة من استمرار الثنائية وجمودها.

وربما كانت صفقة النفايات التي أسقطها الحراك في أيامه الأولى مسوّدة عن الصفقة هذه، ما أملى ضرورة تعميمها في أعلى المناصب كدرس فهمه أصحابه من تجربة الحراك.

وقد تعود سهولة تمرير الصفقة المقترحة إلى فقدان أي موقع للاعتراض عليها، بعد مسار طويل من الانحدار السياسي. فالتحالفان الآذاريان باتا في حالة اهتراء، غير قادرين على ابتكار تسوية مقابلة. أما الاعتراض المسيحي، فأصبح بلا أفق نتيجة حسابات ممثّليه السياسيّين. فترشيح فرنجية ليس إلّا النتيجة المنطقية لمقاربتهما الوضع المسيحي، الذي فضحته الصفقة على حقيقته، أي كمجرّد ابتزاز بلا أفق. وربما كان مُحقاً رئيس «التيار الوطني الحر» عندما حذّر، من تحت أكبر علم لبناني، من العودة إلى أيام السجن والمنفى. لكنّ ما لم يلحظه أنّه وتياره مسؤولان عن هذه العودة. وبهذا المعنى، إذا كان السؤال المفروض هو إنتاج رئيس يأتي من نادي المرشحين الأربعة ونتيجة وفاق داخلي تتلاقى على أساسه القوى السياسية المتحاربة، فهذه الصفقة تغدو الرد الوحيد، وإن كان ثمنها استبدال السياسة بالإقطاع والمالية بالفساد والعلاقات الخارجية بالصداقات والخطاب بالتلاعب.

بعد الحراك، الذي أظهر، على رغم فشله السياسي، فقدان الطبقة السياسية كل شرعية، جاءت صفقة السلطة للقول إن ثمن الاستقرار هو انحدار إضافي في إدارة البلاد. الاعتراض على ذلك من داخل السياسة اللبنانية بات مستحيلاً، فهذه هي النهاية المنطقية للسنوات الأخيرة. وإذا كان من موقع يمكن منه الاعتراض على تسوية كهذه، فهو من الفراغ الذي خلقه الحراك، والذي يعرّي هذه الصفقة ويظهرها على حقيقتها، ابتزازاً فاشلاً من طبقة سياسية ساقطة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان