رئيس التحرير: عادل صبري 01:54 صباحاً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

حين وقعت الرشوة في يدي

حين وقعت الرشوة في يدي

مقالات مختارة

الرشاوى الانتخابية.. "على عينك يا تاجر"

حين وقعت الرشوة في يدي

أحلام حسنين 25 نوفمبر 2015 10:25

"صوتك أمانة" شعار رفعته وسائل الإعلام لحث المواطنين على الذهاب لصناديق الاقتراع لانتخاب النواب، ولكن ما أن تطأ أقدامك البقعة التي بها مقر انتخابك ستعلم أن هذا الشعار هو الأكذوبة الكبرى في عصرنا، فالصوت أضحى كالسلعة تُباع في مزاد علني بتسعيرة تزيد وتنقص من مرشح لأخرى.

 

ما من أحد إلا ويعلم أن الرشاوى الانتخابية  "على عينك يا تاجر"، وعذرا أني سميتها بـ " انتخابات"، فهي ليست كذلك وإنما سوق يتاجر فيه قراصنة الأموال،  يشترون أصوات الغلابة والفقراء بثمن بخس ليتسللون إلى البرلمان.

 

في أحد هذه الأسواق "دائرة دار السلام" بمحافظة القاهرة، تجولت برفقة زميلتي للتغطية الصحفية وكلما تنقلنا من لجنة لأخرى تزايدت رغبتي في "القئ" ذلك الشعور الذي يتولد لدينا حين نرى شئ قذر نأنف منه أو مرض يصيب معدتنا، ولكن ما سمعته أذني ورأته عيني كان أشد مرارة، فالتسمم أيضا يدفعنا لذلك، وأي تسسمم أشد بؤسا من تسمم العقول والضمائر.

 

منذ أن خرجت من منزلي في الصباح الباكر وأسمع أصوات تناديني "تعالي انتخبي وخدي 50 جنيه "، وكلما سرت خطوة للأمام تكرر المشهد الذي أقل ما يوصف به، بأنها تجارة رخيصة في سوق ماشية، يسوق فيها سماسرة المرشحين الناخبين كالقطيع، تُحصيهم أيديهم واحدة واحدة، ويتساءلون فيما بينهم " معاك كام راس" ليجيب أحدهم في تباهٍ وتفاخرٍ " أنا معايا زباين كتير، فكلما كثُرت الزبائن زادت "عمولتهم" من المرشح.

 

منحنتني بطاقتي الشخصية المذكور بها أنني من سكان الدائرة فرصة ذهبية لفضح هؤلاء السماسرة ومرشحيهم، ورغم الرهبة التي امتلكتني وزميلتي إلا أن فجور هؤلاء كان يقتل فينا الخوف شيئا فشيئا، فأينا أحق بالخوف؟، هكذا حدثت نفسي " هم بهذه البجاحة والوقاحة ولا يخشون فكيف لي أن أخشى والله ينصر الحق؟".

 

بوابة حديدية عملاقة من ورائها مساحة شاسعة تعج بأُناس يبدو من هيئتهم أنهم بسطاء غلابة،  نساء ورجال أغلبهم كبار سن وفي منتصف العمر، و على جانبي البوابة يتراص شباب يستقبلون الوافدين بترحاب وسعة وما أن ينجحوا في استقطاب الناخبين للداخل، تلقى من المهانة والإساءة ما يجعلك تود لو أنك ترميهم بحجارة.

 

هنا أنت لست في حاجة لتطلب ثمن صوتك، فسرعان ما يدلو أحدهم ببضاعته " هات بطاقتك وهتاخد 100 جنيه"، وترى البعض يساومهم في المزيد فجميعنا نعلم أن الصوت وصل بالمنطقة إلى 300 جنيه ولكنه أكثر حداقة ويعلم مدى حاجاتهم للمال فينهرهم قائلا: "لو لقيت حد يديك أكتر روحله".

 

بعد سحب البطاقات من "الزبائن " لتصويرها وتسجيلها في كشوف خاصة لديهم واستخراج أماكن وأرقام اللجان، يعيدونها تارة أخرى لأصحابها داخل ورقة بيضاء لها سمة خاصة تميزها حتى يعلمون أنهم من أتباعهم، وبعد انتظار يزيد عن النصف ساعة جاء رجل تلقاه الجميع كاستقبال الغائب سنوات عن أهله وأحبابه، فهاهو الذي يحمل لهم الأموال جاء ببضاعته، فارتسمت البسمة على الوجوه وأنستهم فرحة الفلوس تذمرهم من سوء معاملة السماسرة.

 

طوال فترة الانتظار، كان يطوف هؤلاء الناخبين من مندوب لآخر يلحون إليهم لأخذ "الفلوس" يخشون خداعهم، فلأنهم جميعا يبيعون ضمائرهم غابت الثقة بينهم حتى أنهم يشككون في ذمة السماسرة ويتهمونهم بالسرقة واقتطاع جزء من المال المقسوم للأصوات لأنفسهم، فيمنحون الناخب 100 ويختلسون الباقي.

 

وكلما صاحت ألسنتهم لاستعجال المال أخرسهم أحد المندوبين بكلمات فجة ومعاملة مهينة وصاح فيهم جميعا " اللي مش عجبه يمشي مش عاوزين زن اللي يقف هنا يقف ساكت "، فتراهم من بعدها كأن على رؤوسهم الطير منكسي الرؤوس يقفون في انحناء خاشعة أبصارهم، فسألت نفسي ما الذي يدفع إنسان ليقبل حجم هذه الإهانة، وملت إلي زميلتي متساءلة لماذا لم تأت الشرطة وهي على بعد بضعة أمتار لتقبض على هؤلاء وتنهي هذه المهزلة؟.

 

وبينما كنت أقلب في الوجوه وأسئلة كثيرة تدور بمخيلتي، أفقت على صوت يُناديني فحانت لحظة أخذي الـ"100 جنيه"، وما أن لمستها اقشعر بدني وكأني قبضت على جمرة من النار و نيران تأكل في جسدي، قبل أن أتخلص منها لاحقًا.

 

ما يحيرني حقا كيف كان شعور هؤلاء، أأنساهم الفقر حُرمة الرشوى، هل تكن الحاجة للمال حجة لبيع الضمائر؟، أسئلة كثيرة ربما ودت لو أن سألتها لهم حتى تأتيني إجابة تُسكن الصراخات التي تدور في عقلي، و لم أقدر على تحمل الصمت مليا، فسألت إحداهن ما الذي جاء بها إلى هنا فقالت " الحوجة وحشة ولولا أننا محتاجين الفلوس مكنش حد عبرهم كلنا عارفين أنهم مش هيعملوا حاجة لما ينجحوا".

 

لا أدري إذا ما بردت إجابتها الغليان في صدري أم لا، فقط انتباتني حالة من الصمت زادت حيرتي في مستقبل البلاد في ظل هذا الفقر المدقع الذي جعل من الديمقراطية سلعة تُباع وتُشترى، يستغلها من يضحكون على أنفسهم ويظنون أنهم نواب يمثلون الشعب.

 

استكملت السير إلى جوار المندوب الذي يرافقنا إلى اللجنة وسألته "تضمن منين إني انتخب هذا المرشح"، وجاءت إجابته لتصدمني أكثر "أنت وضميرك"، ما أثار بداخلي السخرية فبادرته "أي ضمير تتحدث عنه فأنا بعت لك ضميري بـ100 جنيه، كيف تثق بي إذن"، ليكون آخر ما دار بينا ضحكة أدركت بها عجزه عن الجواب، تفرقنا من بعدها هو إلى اصطياد زبائن آخرين وأنا إلى اللجنة لأسود بطاقة الاقتراع ودونت على اسم المرشح جزءا مما حدث.

 

فقط أريد أن أقول لهذا المرشح ومن على شاكلته أياك أن تلوث الشعب وتقول أنك ممثل عنه، لا تدعي يوما الشرف والنزاهة وتلبس ثوب الوطنية، ليتك ومثلك ترحلون عن هذه البلاد وتتركوها لمن يريدها حرة ديمقراطية، لمن يريده وطن حاضن لأهله لا يموتون فيه جوعا وبطشا أو يهجرونه كرها.

 

اقرأ أيضًا:

بـ500 جنيه للفرد.. بورصة الصوت الانتخابي تشعل "اﻹعادة"

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان