رئيس التحرير: عادل صبري 02:08 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

من القلب .. الشعب بين الإقصاء والإخصاء

من القلب .. الشعب بين الإقصاء والإخصاء

مقالات مختارة

محمود الشاذلي

محمود الشاذلي يكتب

من القلب .. الشعب بين الإقصاء والإخصاء

محمود الشاذلي 24 أكتوبر 2015 08:29

وقع المحظور وحدث ما سبق وأن حذرتُ منه من ترسيخ السلبية القاتلة حقيقة في وجدان المواطن المصري، وتأكيد القناعة لديه بأنه لا فائدة، وعليه ألا يكون فاعلًا ليس بالمشاركة في الإعادة التي تجرى غدا "الأحد" على المقاعد الفردية بالنسبة لانتخابات المرحلة الأولى، إنما بالمشاركة في انتخابات المرحلة الثانية، أو أي انتخابات قادمة تشهدها مصر وعلى أي مستوى، أو المشاركة  في أي شيء يتم بالوطن، وسيتمسك بالسلبية طريقًا وحيدًا في التعامل مع الأشياء، وذلك بعد اكتشافه أمورًا هزلية شهدتها العملية الانتخابية، وارتكاب حماقة العبث في نسبة التصويت، والقفز بها من 1,19% في اليوم الأول إلى 26,56% كنتيجة نهائية في تجاهل تام للمنطق والعقل.

لمن لا يفهم أن فكرة تعامل الحكومة وأفرادها وحوارييها بالإعلام، والجهاز الإداري للدولة، والتعاطي الأمني مع فئة من فئات الشعب أيًا ما كانت توجهاتهم خاصة الشباب، بالحصار، والاستعلاء، والاستخفاف، والتهديد، والوعيد، والتقريع، والتخوين لمجرد أن لهم رأيًا مخالفًا لهم في العملية الانتخابية أو في أي شأن يتعلق بالوطن في إطار ممارستهم حقًا من حقوقهم كفلة لهم الدستور، يمثل كارثة حقيقية سيكون مردودها لا شك خطير الآن وفى المستقبل على كل الوطن .

أدرك أنّ هذا المشهد الدراماتيكي في الإعلام الذى تناول مجريات العملية الانتخابية بشفافية، ومصداقية،  ليس بالقطع منبعه الحرص على طرح الحقيقة، أو شجاعة ظهرت عليهم فجأة، أو عنترية لم نكن ندركها عندهم، أو أنّ لديهم القدرة في أن يعرضوا ببرامجهم ما لا ترضى عنه السلطة، إنّما لهدف يدركه كل الناس حتى الطفل الصغير، وهو التأكيد على حتمية حل هذا البرلمان ليس لأنّه نجس يجب أن يتطهر منه المجتمع، ولكن بعد أن ينجز المطلوب منه، والذى صُرِف عليه 2 مليار جنيه، والمتمثل بالتحديد في التنازل عن صلاحياته، والموافقة على جميع مشروعات القوانين التي صدرت في غيبته دون اعتراض، وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ومضامين، وبعد ذلك لن يعني متخذي القرار أن يأتي برلمان على أي شكل ولون، حتى ولو كان نصفه من المعارضين لأنه تم ضبط نظام الحكم الرئاسي وتوسيع صلاحيات منصب الرئيس .

 

قولا واحدا.. الشعب المصري الآن هو ضحية الإقصاء الذى تفرضه عليه الحكومة فرضًا بالقهر، والتهميش، والاستعباد، والإخصاء الذى تطالب بتطبيقه عليه بكل بجاحة هبة قطب استشاري الطب الجنسي عقابًا رادعًا لكل من سوَّلت له نفسه الدعوة لمقاطعة المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، ولا أعرف كيف لهذا الشعب العظيم أن يخرج من كارثة الإقصاء ومأساة الإخصاء .

 

قد لا تدرك هبة قطب أن الإخصاء إذا كان ولابد من تطبيقه فإنه يتعين تطبيقه عقابًا لهؤلاء الذين ركعوا للحكام، ولعقوا بلاط السلاطين، وأبدعوا في النفاق، وحملوا المباخر للجالسين على الكرسي نفاقًا ورياء، حتى استذلوا شعوبهم، وسطوا على مقدرات أوطانهم كاللصوص، وليس لأولئك من أبناء الشعب المصري الذين أرادوا أن يمارسوا حقهم في المقاطعة، أو الإضراب  طبقًا للدستور، كما أنها لا تعلم أن الإقصاء طال الجميع منذ زوال الملكية عن مصر وتصدر المشهد الذين لا يدركون قيمة هذا الشعب، وعظمة رجالاته. على أية حال أنا لا أوجه لها لومًا أو عتابًا بل ألتمس لها العذر لأنّها على ما يبدو فقدت الإحساس بقيمة أن يكون للإنسان رأي في هذا الوطن ينطلق من خلاله لرؤية وهدف نبيل يشعر فيه أنّه شريك حقيقي وليس تابعا ذليلا .

سيرًا على درب الهزل الذى أفرزته العملية الانتخابية لم تعد الفتوى مقصورة على العلماء بل أصبحت من حق أي أحد خاصة الفنانين، لذا وجدنا صاحب الفضيلة الفنان أحمد بدير يفتى رضى الله عنه وأرضاه بجواز أن يستفتى الإنسان قلبه في انتخاب مرشح لا يعرفه وذلك حتى لا يأثم بامتناعه عن الإدلاء بصوته بمقاطعته للانتخابات كما زعم المشايخ الذين تفننوا في تقديم فروض الولاء والطاعة للحكام .

 

بين الحكومة وهبة قطب، ومولانا أحمد بدير وجَدْنا مساخر ومهازل، ومآسي في التفاعل مع تلك الانتخابات ليس بالنسبة للنخبة، والمثقفين، ومن في دائرة صنع القرار وفقط والتي جاء أبرزهم د. عزة هيكل مستشارة الرئاسة التي طالبت بتوجيه عقوبة اللوم على الأمهات اللاتي لم ينزل أبناءهن تلك الانتخابات، إنما أيضا جاءت من البسطاء تناغمًا مع تلك الحالة الوجدانية والتي وصلت إلى الدرجة التي قالت فيها مواطنة بالإسكندرية لوسائل الإعلام إنها انتخبت الحاج غريب الله يرحمه، وحصول مرشح محبوس بالبحيرة على 18 ألف صوت وهو يؤدي عقوبة 5 سنوات بتهمة التحريض على القتل، وآخر في دائرة الرمل بالإسكندرية يحصل على 60% من الأصوات بإحدى اللجان رغم استبعاده من كشوف المرشحين .

 

استكمالا لمنظومة الهزل الذى لحق بالمجتمع المصري بسبب الانتخابات البرلمانية أصيبت الدبلوماسية المصرية بالعَتَه والتخلف عندما أصدرت وزارة الخارجية بيانًا رسميًا عبرت فيه عن غضبها من الصحف العالمية لتناولها ما حدث من مقاطعة المصريين للانتخابات البرلمانية، وكأن تلك المقاطعة لم يتناولها الإعلام المصري على أوسع نطاق، وكأنها لم تكن على رؤوس الأشهاد، وكأنها لم يتألم لها دوائر اتخاذ القرار بالحكومة المصرية ونادى القضاة .

 

الآن تحدث الرفقاء وقالوا ما قال مالك في الخمر .. تيار الاستقلال أعلن رسميا انسحابه من المعركة الانتخابية، يونس مخيون رئيس حزب النور السلفي قال على استحياء شديد يصل لدرجة الخذلان أن مناخ الانتخابات لم يكن به حيادية ونزاهة، برهامي استأذن قبل أن يقول إنه "مقموص" من تشويه النظام لهم، مؤكدًا على أن ذلك يُشمّت فيهم المتطرفين، ولتأكيد الولاء والانبطاح قال باستعطاف في تصريح رسمي وبالنص "مهما فعلوا فينا فبلادنا أغلى عندنا " .

 

حقيقة .. لا أرى مبررًا لغضب المنسحبين من تيار الاستقلال، أو حزن مخيون، وقمصة برهامي لأن ما حدث معهم يعدّ أمرًا طبيعيًا بل ما كان لهم أن يعترضوا أو يتبرموا أو يهددوا بالانسحاب، لسبب واحد أنهم ليسوا أصحاب قرار الانسحاب من الانتخابات أو المشهد السياسي، وقد يكون ما حدث لهم في تلك الانتخابات قرصة ودن حتى لا يخرجوا عن الدور المرسوم لهم، مع إمكانية منحهم مقاعد هزيلة ليظلوا يسبحون، ويحمدون، وينبطحون، ولا ترتفع رؤوسهم، أو يعلو صوتهم، مع الاستفادة بوجودهم لأقصى درجة حتى يأتي الموعد المحدد لوضعهم في مزبلة التاريخ حين يتقرر أنه انتهى دورهم أو على وشك بعد أن أصبحوا عبأ على النظام، الذى يملك وحده توقيت اختفائهم عن المشهد، خاصة وأنهم أصبحوا غير مرغوب فيهم ليس من الإخوان وفصائل التيار السلفي الذين أهالوا عليهم التراب وافتروا عليهم تقربًا للنظام بل من الذين استخدموهم أنفسهم من داخل النظام  وخارجة  .

 

ختاما.. كفى هزلاً وتنطعًا وانحدارًا، الوطن لم يعد يتحمل هذا العبث الذى يدفع بالجميع إلى المجهول، لذا يتعين على الجميع أن يقولوا خيرًا او ليصمتوا؛ لأنّ مصر أكبر من الجميع، وأسمى من الصراعات، ولا يمكن لأمة أن  تنهض وفيها من يدعو للقتل، ويتمسك بالسحل، ويعظم إقصاء الآخر، ويبتهج ببحور الدماء الزكية التي تسيل أنهارا  في ربوع الوطن .

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان