رئيس التحرير: عادل صبري 06:00 صباحاً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

إدارة المركزي للدولار مؤلمة ولكن صحيحة

إدارة المركزي للدولار مؤلمة ولكن صحيحة

مقالات مختارة

عمرو عادلي.. الباحث غير المقيم في مركز كارنيجي للشرق الأوسط

إدارة المركزي للدولار مؤلمة ولكن صحيحة

عمرو عادلي 01 أكتوبر 2015 16:17

تعيش مصر أزمة عملة غير معلنة منذ عدة شهور. فعلى الرغم من نجاح إجراءات المركزى القاضية بوضع سقف للإيداع اليومى والشهرى في تضييق الخناق على السوق السوداء، وتوحيد السعر الفعلى للصرف، إلا أن هناك مشكلة ملموسة يواجهها المستوردون والمصنعون والمنتجون بشكل عام في توافر الدولار من الأساس، خاصة في ظل اقتصار تمويل البنوك لعمليات استيراد السلع الأساسية من غذاء ووقود، وعدم توفير الدولارات اللازمة لاستيراد السلع التى لا تعد «ضرورية»، وهو أمر انعكس بالفعل على النشاط الاقتصادي في قطاع حيوي كالصناعة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر من ثلثي الواردات المصرية التى تقدر بنحو ٦٠ مليار دولار سنويا من مدخلات الإنتاج سواء من الخامات أو السلع الوسيطة والرأسمالية.

سياسة البنك المركزى في إدارة سعر الصرف والاحتياطيات الدولارية ولا شك مؤلمة، ومنعكسة سلبا على خطط الحكومة لإعادة إطلاق الاقتصاد، وذلك لأنها من ناحية ترفع تكلفة الوصول لمدخلات الإنتاج، إذا كان من الممكن توفيرها أصلا، ومن ناحية أخرى تخلق حالة عامة من الترقب حول مستقبل سعر الصرف، ما يرفع المخاطر المتعلقة بتحويل العملة في ظل تكهنات بتخفيضات مستقبلية لسعر الجنيه في مقابل الدولار، كما أن إجراءات المركزي في إدارته لأزمة النقد الأجنبي تردع المستثمرين الأجانب الذين يخشون من مواجهة أزمة عملة تحول دون توفير مدخلات الإنتاج اللازمة أو مواجهة مشكلات في تحويل أرباحهم للخارج.

من هنا، فالانتقادات التى وجهها وزير الاستثمار خلال مؤتمر اليورومونى الأخير لسياسة المركزى الدولارية على أساس أنها تمضي بشكل معاكس لجهود الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية وإطلاق معدلات النمو في محلها، إذ إن هذه السياسة بالفعل مؤلمة ولكنها سليمة في التوقيت الحالي وينبغى فهم هذا.

***

تقوم سياسة البنك المركزي على الحفاظ على الاحتياطيات الدولارية لديه بتخفيض الإنفاق منها قدر الإمكان، وقد اشتمل هذا على عدة خطوات بدءا من تخفيض الجنيه التدريجى ولكن المتسارع في مواجهة الدولار، واتخاذ إجراءات من شأنها تحويل السيولة الدولارية من السوق السوداء إلى القطاع المصرفي، مع إصدار تعليمات للبنوك بقصر تمويل الواردات على السلع الأساسية من وقود وغذاء، وهو ما صب في اتجاه المركزي لإدارة سياسة مصر التجارية على نحو فعلي بكبس الواردات والتقليل من معدلات نموها المتسارعة، حيث تترجم الزيادة في الواردات إلى عجز في ميزاني التجارة والمدفوعات، ومن ثم ضغط على الاحتياطيات الدولارية. وهنا تقع تماما مشكلة. فسياسة المركزي تدفع الاقتصاد نحو الانكماش في حين تعلن الحكومة أن سياستها ترمي إلى التوسع في تمويل المشروعات القومية الكبرى بجذب رءوس أموال أجنبية ومحلية ترفع معدلات النمو والاستثمار.

تقوم سياسة البنك المركزي على قراءة معينة للظرف الاقتصادي العالمي والإقليمي مفاده أن الاقتصاد العالمي قد بدأ جولة جديدة من التباطؤ، علما بأن الاقتصاد العالمي لم يتعاف قط من صدمة الأزمة المالية في نهاية ٢٠٠٨ وحتى يومنا هذا، ولكن هذه المرة يشهد العالم تباطؤا في الصين، وهى السوق التى قادت الاقتصاد العالمي بعيدا عن الركود منذ ٢٠٠٩، ورفعت أسعار المواد الخام العالمية وقتها، وبخاصة البترول والغاز الطبيعى، مع تفاقم أزمة الديون السيادية في أوروبا.

وقد انعكست توقعات التباطؤ هذا على انهيار أسعار البترول العالمية بمقدار الثلثين تقريبا دون وجود توقعات في المدى القريب لمعاودة الارتفاع، وانعكس انخفاض أسعار البترول على الصادرات المصرية، والتى ما زال يمثل الزيت الخام منها نحو ٤٠٪، وعلى قدرة البلاد على جذب استثمارات أجنبية في قطاع الاستخراج، علما بأن نصيب قطاع البترول والغاز من الاستثمارات الأجنبية في العقدين الماضيين وقف عند الثلثين من الإجمالى، ومن المتوقع أن ينعكس انخفاض أسعار البترول كذلك على قدرة البلدان الخليجية الحليفة على تمويل معونات أو استثمارات في مصر، وهى المعول عليها كثيرا منذ مؤتمر شرم الشيخ في مارس الماضي. وأخيرا وليس آخرا من المنتظر أن يؤثر انخفاض أسعار البترول والتباطؤ في الاقتصاد العالمي على صادرات مصر الخدمية التقليدية والمتمثلة في إيراد قناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج.

***

ظهر بالفعل مطلع السنة الميلادية الحالية أن الواردات تنمو بمعدل أعلى من الصادرات، وأن الفجوة التمويلية التى يواجهها الاقتصاد المصرى في اتساع، وأن القدرة على إعادة بناء الاحتياطيات الدولارية مشكوك فيها مع عدم معاودة قطاع السياحة للنمو (وجزء من هذا نتيجة انخفاض أسعار البترول وأثرها على السياح الروس وهم أصحاب أكبر نصيب من السياحة الوافدة إلى مصر، بالإضافة لأزمة الديون السيادية في أوروبا)، ومن هنا فإدارة المركزي كانت إدارة لأزمة مصدرها استشراف لتباطؤ عالمى يستوجب الحفاظ على احتياطيات مصر الدولارية لتمويل الأساسيات.

وسواء صدق حدس البنك المركزي وطالت الأزمة العالمية أم خاب ظنه، ونأمل جميعا ذلك، فإن حزمة القرارات التى اتخذها المركزي في محلها من منظور حكومي، وإن كانت تخالف توقعات القطاعات الإنتاجية، وتخلق درجة من التناقض في سياسات الدولة، إلا أن لها ما يبررها، ولعل النقد الأساسي الذى يوجه لإدارة البنك المركزي ينصب على أمرين:

أولهما: غياب استراتيجية للعلاقات العامة والإعلام، تشرح للجمهور وخاصة في القطاع الخاص مخاوف البنك المركزي ومنطق السياسة التى يتبعها، وهو أمر سيكون له أثر التخفيف من المخاطر وعدم اليقين الذى يكتنف سياسة مصر النقدية.

ثانيهما هو المزيد من الشفافية حول سياسة سعر الصرف، بما يقلل من مخاطر تحويل العملة، مع مراعاة ألا يكشف المركزى أوراقه أمام المضاربين على نحو يفاقم من أزمة الدولار.

عن الشروق

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان