رئيس التحرير: عادل صبري 01:03 صباحاً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

إصابة الاستثمار بنيران صديقة

إصابة الاستثمار بنيران صديقة

مقالات مختارة

د. عاني سري الدين.. رئيس معهد الشرق الأوسط للقانون والتنمية التابع لمعهد القانون الدولى بواشنطن

إصابة الاستثمار بنيران صديقة

هاني سري الدين 25 سبتمبر 2015 13:11

لن أملّ من التذكرة بأن معظم ملفات الاستثمار ليست في حوزة وزارة الاستثمار ولا هيئة الاستثمار، وأن معظم حلول مشاكل الاستثمار في أيادي وزارات وهيئات أخري. إن مسئولية تشجيع الاستثمار وحل مشاكله هي مسئولية تضامنية لجميع أعضاء الحكومة، وكثير من المصانع والمؤسسات توقفت عن النشاط أو تعطلت بسبب نيران صديقة أطلقتها بيروقراطية هيئات وجهات حكومية أو غير حكومية، وعجزت وزارة الاستثمار عن حلها. وكثير من القرارات التي أدمت الاستثمار وعطلت النمو الاقتصادي وقتلت فرص التشغيل كان الباعث علي إصدارها حماية المصلحة العامة وكانت مغلفة بحسن النية.


وهناك مثالان لقرارات صدرت مؤخراً كان الباعث عليهما تحقيق المصلحة والخير إلا أنهما انقلبا وبالاً علي الاستثمار والصناعة والتجارة في مصر، وزادا من أوجاع الاستثمار، وإهدار الجهود المبذولة لتشجيع الاستثمار...

أما المثال الأول علي النيران الصديقة هو صدور قرار منذ شهر تقريباً من وزير التجارة والصناعة يستهدف منع إغراق مصر بالسلع والبضائع المضروبة وحماية الصناعات المصرية، فأصدر قراراً منح به الصلاحية لمصلحة الجمارك التابعة لوزارة المالية بالتفتيش علي الواردات والشحنات المتعلقة بسلع معينة منها الأثاث، وحق إدارة الجمارك في الالتفات عن الفواتير الصادرة من مصدّري هذه السلع، وإعادة تقييم هذه البضائع مرة أخري، وتحديد أسعار جديدة لها بمعرفة مصلحة الجمارك، وفرض ضريبة جمركية علي أساس تسعير مصلحة الجمارك وليس علي أساس الأسعار المثبتة بفواتير الاستيراد. والهدف من القرار كما ذكرت هو حماية السلع المحلية خاصة الملابس والأثاث من الواردات القادمة من الصين وبأسعار مبالغ في تخفيض أثمانها، وهي أسعار في الغالب مضروبة وبالتالي تنخفض جماركها انخفاضاً مبالغا فيه، وهو ما يضر بالصناعات المحلية، ويعد من صور المنافسة غير المشروعة... لغاية هنا والأمور يمكن فهمها... ولكن المشكلة صارت عويصة حينما بدأ تطبيق القرار، فطبقته الجمارك المصرية بكل همة ونشاط علي كافة الواردات وأياً كانت بلد المنشأ وأياً كانت الشركة المصنعة، وبغض النظر عن نوعية المستورد وهل يستورد بناءً علي اتفاق توزيع معتمد أم لا... فكانت النتيجة أن مستوردا للأثاث مثل شركة "ايكيا" العالمية وهي شركة سويدية الأصل تعرضت لنفس نماذج الفحص، فأصبحت كافة البضائع تتعرض للفحص، وإهدار كافة الفواتير الصادرة عن الشركة الأم في السويد، وإعادة تقييم كافة الأسعار، ورفع الأسعار بشكل انتقائي وفرض ضريبة جمركية عليها، وهو ما يعني تأخر الإفراج الجمركي نتيجة هذا القرار لمدة أسابيع تصل إلي 3 أسابيع في حين أن الإفراج الجمركي عن بضائع ذات الشركة في موانئ دبي يستغرق 3 ساعات، وهذا الكلام علي مسئوليتي.

واستتبع تنفيذ هذا القرار كذلك إعادة تسعير كافة بضائع ايكيا وزيادتها بمعرفة مصلحة الجمارك، وإهدار كافة الفواتير الصادرة عن بلد المنشأ، أخذاً في الاعتبار أن هذا الإجراء يخالف اتفاقية التجارة الحرة (الـ"جات") والذي يمنع دولة الاستيراد من إهدار الفواتير إذا كان الاستيراد يتم من خلال موزع معتمد، وكانت اتفاقيات التوزيع موثقة ومعتمدة ولا تتضمن أي مخالفات. ولا شك أن التأخير في الإفراج الجمركي وإعادة التسعير العشوائي يؤدي إلي إهدار تسلسل حركة التجارة الخاصة بهذه الشركات العالمية دون مبرر والتدخل في عملية التسعير، وهو ما يعد مخالفة لضمانات وحوافز الاستثمار. ومن سخرية القدر أن تدخل الحكومة يؤدي إلي زيادة الأسعار علي المستهلك المصري دون مبرر. وبالمناسبة البضائع المهربة والمضروبة - المستهدف الرئيسي من هذا القرار - لاتزال تدخل بيسر وانسيابية إلي السوق المصري!!

أرجو من وزير التجارة والصناعة، المهندس/ طارق قابيل، أن ينظر إلي هذه المسألة ويتدخل فيها لحلها بشكل عاجل، فالموضوع دمه بقي تقيل، فالمطلوب اتخاذ قرار عاجل بعدم سريان القرار علي الواردات القادمة من خلال مستندات معتمدة وبناءً علي اتفاقات توزيع موثقة.

مثال آخر علي النيران الصديقة... لا يخفي علي أحد أن مصر تتعرض لهجمات إرهابية شرسة ومحاولات مستمرة لتهريب متفجرات ومواد قابلة للاشتعال لاستخدامها في عمليات إرهابية، ولذلك لم يكن من المستغرب في هذه الظروف الاستثنائية أن تصدر المخابرات الحربية قراراً بفحص كافة المواد الكيماوية من خلال معامل الدولة قبل الإفراج عنها للتحقق من استخداماتها، والقرار يستهدف حماية أمن الدولة وحماية الاستثمار... لا شك في ذلك... المشكلة التي ظهرت عند التطبيق هو قلة عدد المعامل المتخصصة التابعة للدولة وخاصة للبضائع المستوردة من خلال جمارك الاسكندرية، حيث يوجد معمل بالإسكندرية وآخر بالدخيلة... وكانت النتيجة هو أن كافة المصانع بدأت في التعطل نتيجة عملية الفحص، حيث إن الفحص يستغرق حوالي عشرين يوماً علي الأقل وقد يصل إلي ثلاثين يوماً في بعض الحالات، وتظل مستلزمات إنتاج المصانع محجوزة علي السفن. وهناك أحد المصانع مثل مصنع "بيرللي" المصري الإيطالي وهو يصنع حوالي مليون إطار كاوتش لسيارات النقل في العام ويصدر منها 65٪ وهو أكبر مصنع لـ"بيرللي" في الشرق الأوسط، اضطر لتخفيض إنتاجه بنسبة 50% بسبب تأخر الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وهو يستورد 36 مكوناً كيماوياً... نفس الأمر ينطبق علي شركات "يونيلفير" و"بروكتل أند جمبل"، فكل ما يتعلق بصناعات المناديل الورقية والكريمات والشامبو ومستحضرات التجميل، والمواد الغذائية إلي آخره توقفت تماماً... ولا شك أنه من أكثر المتضررين شركة كوكاكولا وغيرها، وهي تصدر من مصر إلي أكثر من 42 دولة في العالم. هذا كله بدأ يتوقف نتيجة عملية الفحص ناهيك عن فساد المستلزمات الغذائية وارتفاع تكلفة الفحص والانتظار والنقل، وتوقف المصانع عن الإنتاج، والإضرار بموقف مصر التصديري. هذا كله ولم نتكلم عن أوجاع عدم توافر العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد مستلزمات الإنتاج. فندرة المعامل المتاحة وعدم قدرتها علي القيام بأعمال الفحص في وقت قصير أدي إلي زيادة مدة التخليص الجمركي للمواد الخام لـ4 أسابيع، وتباطؤ الإنتاج وتوقفه في بعض المصانع، وارتفاع أعباء التصنيع، وتلف الكثير من الشحنات بسبب طول زمن التحليل، وتراجع الصادرات المصرية بسبب ضعف الإنتاج، وتأخر المصانع عن التصدير والتوريد في المواعيد المتفق عليها... ناهيك عن تكدس الحاويات في موانئ الجمهورية، وتأخر مغادرة السفن، واضطراب خطوط السير الملاحية بسبب طول الإجراءات.

أرجو من سيادة رئيس مجلس الوزراء المهندس/شريف إسماعيل أن يولي هذا الموضوع اهتمامه. إن الحلول يسيرة منها توسيع قاعدة معامل التحليل لتشمل معامل الرقابة علي الصادرات التابعة لوزارة التجارة وعددها حوالي (5) معامل، وتحديد المواد الكيماوية المطلوبة للتحليل بشكل أدق، ووضع لائحة بيضاء تشمل المصانع الكبري والشركات العالمية حيث تخضع الأخيرة للفحص من خلال العينات العشوائية، وتطبيق نظم أكثر حداثة. ليس المطلوب إلغاء قرار المخابرات الحربية؛ فهذا قرار يصب في حماية مصلحة الأمن والاستقرار، بل المطلوب اتخاذ حزمة من الإجراءات الحكومية تؤدي إلي خفض مدة الفحص إلي 48 ساعة عن علي الأكثر. آمل أن تتخذ الحكومة خطوات فعالة لحل هذه المشاكل، وهذا هو الاختبار الأول لقياس مدي جدية الحكومة الجديدة في دعم الاستثمار وتشجيعه.

عن الأخبار

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان