رئيس التحرير: عادل صبري 06:57 صباحاً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

تنمية سيناء في الفكر الإستراتيجي المصري

تنمية سيناء في الفكر الإستراتيجي المصري

مقالات مختارة

الإعلامي المصري عبد العظيم حماد

تنمية سيناء في الفكر الإستراتيجي المصري

عبد العظيم حماد 04 أكتوبر 2015 12:54

عندما كتبت لـ "مدى مصر" في شهر فبراير الماضي، متسائلًا: أين إسرائيل في سيناء؟ مبتدئًا باستهجان تصريح لوزير إسكان حسني مبارك (أحمد المغربي)، بأن الدفاع عن سيناء لا يستلزم وجود مدن مليونية بها، لم يكن في نطاق علمي أن هناك اتجاهًا قويًا في الفكر الاستراتيجي المصري يؤمن أن الدفاع عن سيناء يستلزم عدم تعميرها، وعدم توطين عدد كبير من المصريين فيها، وأن المغربي لم يكن يتهرب، ولكنه لم يقل كل الحقيقة.

عبّر هذا الاتجاه عن نفسه بمقال "جريء" للدكتورة هدى جمال عبد الناصر في "الأهرام" بتاريخ 24 أبريل الماضي، وجاء هذا المقال تعقيبًا على قرار أعلنه بنفسه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتخصيص 10 مليارات جنيه لتنمية سيناء، وهو القرار الذي أعلن في أعقاب عملية إرهابية كبيرة عرفت وقتها باسم عملية "كرم القواديس".

قالت الدكتورة هدى، إنها أصيبت بالذعر من قرار الرئيس السيسي المذكور أعلاه! لأن سيناء- حسب رأيها- يجب أن تبقى منطقة فراغ لتتيح للجيش المصري حرية الحركة في أية حرب مقبلة مع إسرائيل، إسرائيل التي لم تتخل عن المخطط الصهيوني الأصلي، من النيل إلى الفرات؛ وبالتالي، فإن وجود مدن كبيرة آهلة بالسكان في شبه الجزيرة السيناوية، لن يشكل عائقًا أمام مرورية حركة القوات المسلحة المصرية فحسب، ولكنه سيمثل عبئًا ضخمًا على القرار السياسي؛ لأنهم سيكونون هدفًا للضربات الإسرائيلية، مثلما استهدفت إسرائيل سكان مدن القناة في أثناء حرب الاستنزاف قبل أن يتخذ والدها الرئيس جمال عبد الناصر القرار "الشجاع" بتهجيرهم.

لم يمض أسبوع حتى بادر أحد الخبراء الاستراتيجيين من ذوي الخلفية العسكرية في "المصري اليوم" يؤيد ما ذهبت إليه الدكتورة هدى جمال عبد الناصر.

في التعقيب على هذين المقالين، يصعب القول إن الابنة كانت تعبر عن معتقدات أبيها الاستراتيجية بشأن سيناء؛ لأن تحريرها لم يتم على يديه، وهي لم تذكر صراحة أنه كان يفكر على هذا النحو، ولكن يصعب القول إن الدكتورة هدى كتبت ما كتبته كاجتهاد شخصي من جانبها، ولكن الأرجح أن هذا ما فهمته من انخراطها في العمل كسكرتيرة لوالدها في فترة حرب الاستنزاف، ويبدو أنها اطلعت على دراسات متعلقة بالموضوع، كما أن تطوع الخبير الاستراتيجى المشار إليه بالكتابة علنًا تأييدًا لوجهة نظرها يدل على أن الاعتقاد بجدوى بقاء سيناء منطقة فراغ سكاني (وبالتالي منطقة فراغ تنموي) له جذور عميقة في الدوائر الإستراتيجية العليا المصرية.

وربما كان هذا هو التفسير الذي غاب أو غيب عنا لتوقف عمل سيناء" target="_blank">الجهاز القومي لتعمير سيناء، الذي أنشئ بعد استكمال تحريرها مباشرة، برئاسة رئيس الوزراء، وتحت الإشراف المباشر للواء منير شاش الذي كان مساعدًا لوزير الدفاع، ثم محافظًا لشمال سيناء، وكان هذا الجهاز يتبع رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، ثم اتجهت الاستثمارات فجأة إلى أماكن نائية، لم تكن أصلًا على خريطة التنمية مثل توشكى وشرق العوينات!

إذن لم يعد يكفي أن نفسر هذا التوقف باستجابة مبارك وأركان حكمه لضغوط أمريكية إسرائيلية لعدم تنمية سيناء، ضمن صفقة التوريث المشؤومة التي لم تتم، ولكنها أورثتنا جميعًا مآس وخسائر لا حدود لها.

ولأننا لسنا خبراء في قضايا الدفاع بالمعنى الاحترافي، فإننا لا نستطيع أن نقطع برأي نهائي حول أيهما أجدى دفاعيًا: تعمير سيناء وتنميتها، أم تركها كما هي لتحرير حركة القوات المسلحة المصرية حين يستلزم الأمر ذلك. لكن هناك ملاحظات مهمة لا يمكن إغفالها:

أولًا: القول إن بقاء سيناء فارغة هو من متطلبات الأمن القومي المصري، يعني بمنطق المخالفة أنه ضد مصلحة إسرائيل، وأن الإسرائيليين بالتالي يجب أن يكونوا أحرص الأطراف على تنمية سيناء، وتأهيلها بأكبر عدد من السكان المصريين، إلا أنه لا يوجد دليل واحد على أن إسرائيل فكرت أو تفكر أو ستفكر على هذا النحو.

أما الأدلة على أن إسرائيل تفضل سيناء فارغة كما هي الآن فهي كثيرة، وهي كلها مرتبطة بخطتها – التي لم تعد سرية – لإقناع مصر بالدخول في صفقة تبادل أراضٍ، بحيث تتنازل مصر عن شريط ساحلي من رفح حتى العريش يلحق قطاع غزة لإقامة الدولة الفلسطينية عليه وتمكين هذه الدولة من استيعاب معظم اللاجئين، ونسبة كبيرة من سكان الضفة ليسهل لإسرائيل ضمها، مقابل الحصول على مساحة مماثلة من صحراء النقب على طول الحدود، مع جسر علوى يصل الحدود المصرية بالأردن، وهي الصيغة التي رفضها حسني مبارك حين عرضها عليه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن نفسه. ولكن إسرائيل لا تيأس كما نعرف عنها، فهي تؤمن بأن ما لا يمكن اليوم، قد يمكن غدًا، وبخاصة إذا واصلت تهيئة الظروف.

وكنا قد ذكرنا في مقال فبراير الماضي، أن داني دانون - نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق - قال إنه سمع أفكارًا بناءة حول تعميق ميناء العريش لاستخدامه ميناءً بديلًا يخدم قطاع غزة، وأن الدراسات اللازمة جاهزة تمامًا، كما ذكرنا في ذلك المقال أن اللواء محمد رشاد - وكيل المخابرات العامة المصرية سابقًا - صرح لـ "الأهرام" يوم 31 أكتوبر من العام الماضي، بأن إسرائيل تبلغ الإرهابيين في سيناء بتوقيتات تحركات الجيش المصري.

ثانيًا: يجمع الخبراء العسكريون على أن الحروب المقبلة - في حالة نشوبها – لن تكون حروبًا تقليدية تعتمد بالدرجة الأولى عل معارك الدبابات والمشاة، تساندها الطائرات والمدافع، وإنما ستكون هذه الحروب بأسلحة الحسم الاستراتيجية.

ثالثًا: أن كثيرًا من المعارك الكبرى في التاريخ لم تجر في مناطق الفراغ السكاني، بل على العكس جرت في قلب المناطق المأهولة، فمثلًا باستثناء معركة "العلمين"، معظم معارك الحرب العالمية الثانية جرت في المناطق السكانية في أنحاء أوروبا من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، كذلك كانت معظم معارك الحرب العالمية الأولى، والحروب النابليونية وغيرها. ومن ثم فالقول بأن بقاء سيناء خالية أجدى للدفاع المصري من تعميرها لا سابقة له في تاريخ الفكر الاستراتيجي على مستوى العالم.

رابعًا: من الخبرة العربية في المواجهات مع إسرائيل، لم يحدث أن أجبرت إسرائيل على سحب قواتها من جانب واحد، ودون أي شروط إلا في حالة المناطق المكتظة بالسكان، مثلما حدث في جنوب لبنان، ومن قبله من بيروت، ثم من الشوف، ومثلما حدث في غزة بعد ذلك، وكان ذلك بسبب المقاومة المسلحة من جانب سكان هذه المناطق، أو بمساعدتهم، في حين أنها لم تنسحب من سيناء إلا بعد مفاوضات شاقة حصلت فيها على كثير من المكاسب، كما لم تنسحب من الجولان السورية، لا بمفاوضات، ولا بمقاومة لفراغها السكاني إلا من قرى عدة متناثرة. وما زال الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية أكثر تكلفة في الدماء والأموال من احتلال الجولان، لا لسبب إلا اكتظاظ الضفة بالسكان.

خامسًا: لم يصل إلى علمنا، ولا أحسب أنه وصل إلى علم الكثير من المهتمين – فضلا عن الرأي العام – أن مناقشات متخصصة جرت حول أي الاختيارين أفضل، تعمير سيناء وتنميتها أم ترك الوضع على ما هو عليه، لا في الماضي ولا في الحاضر، وإن كان الماضي يؤكد أن السلطة رجحت اختيار عدم التعمير، كما ذكرنا من قبل. أما الحاضر فالقرار الذي أعلنه الرئيس السيسي بتخصيص عشرة مليارات جنيه لتنمية سيناء يشير إلى ترجيح اختيار التعمير والتنمية، غير أنه يجب النظر إلى هذا القرار بوصفه مرحلة أولى في خطة متعددة المراحل؛ لأن تعمير سيناء كما ينبغي أن يكون يتطلب أضعاف هذه الميزانية، لبناء المصانع، واستغلال المناجم وللتنمية الزراعية، فضلًا عن المدن المليونية التي تحدث عنها المخطط الأول، دون أن ينفذ منه شيء.

سادسًا: أن الإرهاب الذي يشوه الآن وجه سيناء، وإن كان من المفهوم أن يؤخر بعض الوقت البدء في المشروعات الكبيرة للتنمية، إلا أنه ينبغي ألا يؤخر المزيد من تأكيد الالتزام الرسمي والشعبي بتعمير سيناء، وإشراك قيادات شعبية سيناوية لها مصداقية في النقاش حول هذا الالتزام؛ لأن اقتناع أهالينا في شبه الجزيرة بجدية الدولة في تنفيذه بعد دحر الإرهاب – وهو أمر مؤكد في نهاية المطاف – هو واحد من أهم ضمانات النصر على الإرهابيين، كما أن اقتناع الرأي العام في عموم مصر بهذه الجدية هو أيضًا أحد مقومات الانتصار على الإرهاب.

سابعًا: ليس تقليلًا من الخطر الإسرائيلي القول بأنه لا تلوح في الأفق احتمالات حرب مصرية إسرائيلية قريبة لأسباب عدة، منها أنه ليس في مصلحة إسرائيل إعادة مصر إلى صفوف أعدائها المحاربين بما سيؤدي إليه ذلك من تعبئة شعبية عارمة في مصر "حتى لو أكلنا أوراق شجر"، ومنها أن إسرائيل تحتاج إلى موافقة أمريكية على شن الحرب على مصر، وليس هذا واردًا، ومنها كذلك أن إسرائيل لديها أولويات أخرى ذكرنا طرفًا منها، وهو تبادل الأراضي مع مصر، وعليه فإن بقاء سيناء فارغة وخالية من السكان والتنمية يبقيها في واقع الأمر رهينة المشيئة الإسرائيلية، وهذا في حد ذاته تهديد هائل للأمن القومي المصري.

وبعد، فهذا رأينا، والمهم الآن ألا يختفي الموضوع من جدول اهتمامات مصر الرسمية والشعبية، وإذا كانت الملاحظات السابقة غير مقنعة، فلا تزال القضية في حاجة إلى حوارات شفافة، وليس خلف الأبواب المغلقة فحسب.. ويبقى أنه فوق كل ذي علم عليم.

عن مدى مصر

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان