رئيس التحرير: عادل صبري 11:16 مساءً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

إعادة إحياء إنسان الشريعة ومؤسساتها

إعادة إحياء إنسان الشريعة ومؤسساتها

مقالات مختارة

علاء بيومي

إعادة إحياء إنسان الشريعة ومؤسساتها

علاء بيومي 01 أكتوبر 2015 11:03

يحتوي كتاب "الدولة المستحيلة" لوائل حلاق - أستاذ القانون الإسلامي بجامعة كولومبيا الأمريكية - على مقارنة مفيدة للغاية بين النظام السياسي في ظل الدولة الإسلامية والنظام السياسي في ظل الدولة الحديثة.


فكرة حلاق الرئيسية هي أن الشريعة كنظام سياسي انقطعت مع الاستعمار الغربي، ولم يعد لها وجود مؤسسي، لم يعد هناك مجتمعات تعيش وفقا للشريعة، حدثت عملية انقطاع تاريخي كبرى فانتهي انسان الشريعة ومؤسساتها وعالمها القيمي الخاص.


المجتمعات المسلمة تعيش اليوم في عالم الدولة الوطنية بفلسفتها الغربية القائمة على فكرة الفصل بين الخاص والعام، ووضعية القوانين وسيادة القوانين الوضعية، الدولة الوطنية كما يراها وائل حلاق مشروع أوربي خالص حتى لو ادعى العالمية، هي نتاج لتطور المجتمعات الغربية، إله جديد، فهي صاحبة السيادة ومحتكرة العنف وصاحبة المؤسسات التي تصنع القوانين وتطبقها.

الإنسان في عالم الدولة الوطنية هو مجرد خاضع لها ولقوانينها ومؤسساتها وقيمها، إنسان الدولة الوطنية يتم التحكم فيه من خلال مؤسساتها كالتعليم والصحة والجيش والبيروقراطية ليتحول لمواطن صالح مستعد للتضحية بحياته من أجلها حتى ولو كانت تدفع به في حرب من أجل مصالح اقتصادية استغلالية لا أخلاقية.

في المقابل، الشريعة كانت عالم مختلف تماما ساد عدة قرون، عالم تحكمه مؤسسات وقواعد خاصة، كانت تقوم على فكرة القوانين الأخلاقية النابعة من الإسلام.

كل قوانين الشريعة كانت قائمة على فكرة الخضوع لله وقوانينه المتحكمة في حياة البشر والبحث عن تلك القوانين وتطبيقها، الفكرة كانت أن للكون قوانين لا يجب الخروج عنها، وأن تلك القوانين أخلاقية ترتبط بالعبودية لله.


على مدى قرون قام العلماء المسلمين باستقلالية - تكاد تكون تامة - عن مؤسسات الدولة والحاكم بتطوير قوانين الشريعة الإسلامية، طوروها بشكل تدريجي وطبيعي ومستقل تماما، علماء المسلمين الكبار (الفقهاء) كانوا تجار وأصحاب مهن نابعة من المجتمع نفسه، طوروا قوانين خاصة بالاقتصاد والسياسة والحياة الشخصية للأفراد ومختلف جوانب الحياة بعيدا عن الحاكم الذي كان خاضعا هو أيضا للشريعة وأحكامها ولو حتى ظاهريا.


قوانين الشريعة لم تكن نسبية أو وضعية أو جامدة، كانت نابعة من نظام أخلاقي معين، وتطورت لتجيب على الأسئلة الجديدة ضمن النظام أو النسق القيمي للإسلام.

قوانين الشريعة طورت مؤسسات خاصة بها وبنت مجتمعات تحظى بدرجة عالية من الاستقلالية عن الحاكم، استقلالية لا توجد في المجتمعات الغربية نفسها، فالحاكم في الإسلام لم يمتلك سلطة التشريع ولم يتدخل في حياة الناس أو تعليمهم ووضع مقرراتهم الدراسية والجيوش لم تكن بهذه السيطرة على الحياة والتوغل في الاقتصاد، مجال الحاكم في المجتمعات الإسلامية كان محدودا للغاية مقارنة بالوضع الدولة الوطنية.


فلما جاء الاستعمار وجد الشريعة عائقا أمامه، وجدها عائقا أمام استغلال الثروات واخضاع المجتمعات، لذا كان ينبغي عليه تدميرها – كما دمر مجتمعات ونظم حياة شعوب أخرى غير غربية عديدة - وإحلال الدولة القومية التي تقوم على فكرة عالمية القيم ومحدودية المنطق.

فالمنطق لدى فلاسفة الدولة الوطنية انساني وضعي بحت، لا يبحث عن تفسير لأسئلة كبرى ميتافيزيقية، هو يركز على الاستغلال الأكفأ والأقصى للموارد، ويدعي أن هناك قيم عالمية يخضع لها كل البشر، حتى لو كانت تلك القيم في جوهرها قيم إجرائية بالأساس نابعة من الثقافة الغربية نفسها تخضع الأخرين وتدمر ثقافتهم لصالح القيم الغربية الشرهة في استخدام الموارد.


حلاق يريد التركيز على فكرة التعددية القيمية في ظل الثقافة الإنسانية، هو يحترم القيم الليبرالية ويريد إقامة حوار معها.


يرى حلاق أنه ينبغي إقامة حوار مع رواد الفكر الليبرالي في الغرب وإعادة الاعتبار لفكرة تعدد المرجعيات الحضارية والقيمية ولفكرة الأخلاق.


هو يريد إعادة الاعتبار لفكرة إحياء الشريعة من خلال البحث عن إجابة أخلاقية أو إسلامية نابعة من أخلاق الإسلام والشريعة لمشاكل معاصرة وعلى رأسها مشاكل كالبيئة والاستغلال الاقتصادي.


حلاق يؤمن بأن انسان الشريعة ومؤسساتها وعالمها الخاص انقطعوا أو ماتوا، ولكن قوانين الشريعة القديمة مازالت موجودة، ويمكن العودة إليها.

ولكنه يؤمن بأن العودة يجب أن تكون تدريجية وعن طريق الحوار مع الثقافة الغربية الليبرالية السائدة، هو يرى أن انسان الشريعة يجب أن يعود لأنه يمتلك إجابات أخلاقية مفيدة على أسئلة معاصرة صعبة.

لا يدعي وائل حلاق في كتابه وضع أسس نظام إسلامي حديث، ولا يتحدث عن شكله أو تفاصيله، ويرفض فكرة الخلط المستمر بين الدولة الحديثة والدولة في الإسلام، كما يرفض أيضا فكرة تطبيق الشريعة في الدولة الوطنية، هو يرى الشريعة كنظام مستقل ولكنه انقطع ولم يعد له وجود.

هو يتحدث بالأساس عن نسق الشريعة القيمي المختلف عن النسق القيمي للدولة الحديثة، ويرى أن أخلاقية الشريعة ونظامها الأخلاقي المتكامل هي بمثابة مصدر إلهام وحلول مبتكرة لعالم الدولة الوطنية الحديثة والذي يريد الحور مع مفكريه الليبراليين الأكثر انفتاحا.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان