رئيس التحرير: عادل صبري 08:03 صباحاً | الأربعاء 22 أغسطس 2018 م | 10 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

لماذا لا نُحب القمر؟

لماذا لا نُحب القمر؟

مقالات مختارة

داليا صلاح الدين

داليا صلاح الدين تكتب

لماذا لا نُحب القمر؟

30 سبتمبر 2015 08:39

سهرنا بالأمس القريب نتحاكي عنه، ننتظر خسوفه، نتأمله في سماء الجبل، نأسِر صوره في أفق الشواطئ، ونُراكض أثره بين حنايا المباني العالية على أطراف المدينة.

حيثما كنا، تناقلنا أخبار خسوفه وظهوره، احمرار وجنتيه بالحب وصفاء صفحته من بَعْد.

نشرنا صور امتلائه البديع في كبد السماء، وسجلنا خواطرنا عنه عبر مساحات التواصل الاجتماعي بشغف الولهان.

صَلينا وابتهلنا، كبّرنا وتصدقنا. أقمنا سُنة النبي الحبيب وتأملنا إبداع القدير في خسوفه وظهوره.

تناقلنا حكايا العُشاق معه، وسردنا أبياتاً من الشعر وروينا أساطير القدماء عن انتشاء قبائل الجن لحظة خسوف القمر. 

 ثم عُدنا وعذرنا المجاذيب والدراويش حين هاموا على وجوههم عند اكتمال البدر..

تذكر كل منّا في نفسه حبيب بَعُدَت به الأرضِ أو الأيام، فهمسنا في أذن القمر برسالة لذلك الحبيب، لعلها تصل..

ثم نامت أعيننا وفي قلوبنا سؤال طيب متبسم: هل بَلّغَ القمر؟!

و كنا في تلك الليلة سعداء.. جدا.

طيب!

إذن نحن نحب القمر!

لماذا إذاً أصبحنا لا نتكلم عنه أو معه؟

إن كُنا نُحبه كل هذا الحب، وإن كان جِواره يُسعدنا لهذا الحد، فلماذا لا نَقرُب منه، ننظر إليه، نحاوره ونَسعَد به؟!

لماذا لا نقول للقمر: أنت قمر، ونحن نحبك وأنت تضيء لنا الليل والحكايا والقلوب. تضيئهم بالحب واللطف والجمال، وترسم على وجوهنا ابتسامة عشاق لا تملها الشفاه.

 

فالحب لا تكتمل سعادته إلا حين تأنس بالمحبوب وتستمتع بجِواره. حتى الحب الأعظم، للمولى عز والجل، الذي هو أصل المَحبة في كل أنواع حب. أنت لا تَسعد حقاً إلا حين تُصلي، وتَذكُر، وتُقَرِب وتودد، و... تختلي.

قد تشعر "برفع الحرج" أو إخلاء المسئولية عند "إسقاط" الفرض أو "أداء" النافلة. ولكنّ قلبك لا يَهنأ إلا حين "تأتنس".

 

لكن، نحن لَم نتوقف عن محاورة القمر فقط، بل إننا لم نعد ننظر في السماء من الأصل!

 

لماذا؟

لماذا لم نعد نحاور أو نخاطب من نحب؟ لماذا أصبحت حيواتنا تدور حول كل ما لا نحب؟

نُخاطب ما نبغض، وندور في فَلك كل ما نتمنى أن يزول!!!

 

إنها مُناداة القبيح، حتى نُبرر لأنفسنا التعاسة. فنحن كُسالي. نَكْسُل أن نحيا السعادة!

 

*أصبحنا نحيا في أجواء الدماء والموات والسجون والمعتقلات. كل ما حولنا صراع. بين حق وباطل، بين كاذب وصادق، بين مٌصلِح ومفسد.

و نستيقظ كل يوم على مزيد من المذابح، النفسية والجسدية. ونحولها معاً إلى مستنقعات من القُبح الأخلاقي والشعوري. ليشمل كل شيء في حياتنا، ويُلامس كل شيء.

خلقنا لأنفسنا عَالَماً فاسداً، وغلفناه بفضاءٍ قبيح. ثم ادعينا أن القبح يأتينا من الخارج. هههههه، ثم احترنا في ردع عنصرٍ ثالثٍ، خائنٍ، "مجهولِ الهوية"، ولكنه بالتأكيد متواطئ!

 

طيب....

مثلا، لماذا نتكلم كثيرا عن إسرائيل؟ نثرثر عن خطرها ونفعل أشياء قبيحة تحت مظلة أننا نحمي بلادنا منها؟ لماذا كل هذا الخوف القبيح؟! أليسَ الخوف والكذب كائنان قبيحان؟      نحن ببساطة نكذب دائماً عندما نتكلم عن إسرائيل، لأن من عادة المُحب أن يكون دائم الذِكر لمحبوبة في طَيّاتِ حِوارِه، كما يشرح لنا دائماً ابن القيم في أحوال المُحبين.

والمُحب والمحبوب لا ينحصران في الذكورة والأنوثة، لو فقهنا الحُب. فحصرِ الوعي بالمحبة في الانجذاب بين الذكر والأنثى، ما هو إلا تقبيح لجمال الحب الواسع. فالحُب فيضٌ حُلو المذاقِ، يسكن جوفك. وكلما صفوت، كلما تذوقت ما بداخلك. ومحبة الرجل والمرأة ما هي إلا نبع، يجري منه وإليه ذلك الفيض! فلِمَ دائما نحصر الواسع في الضيق؟ ولو كان هذا الضيق جميلاً عذباً، فما بالك بواسعه؟

لماذا نخاف الحب ونُقبحه ونربطه بالمُحرمِ ونحصره في أطُرٍ حمقاء، تُقبحُه وتصبغه بصورٍ كريهة ومفاهيم تُبَشِعُه؟ لماذا أصلا لا نعترف بأننا نُحب ما ومن نُحب؟ وإن لم نستطع أن نأنس به؟! أليست الحقيقة أجمل من الزيف؟

الحقيقة دائما جميلة، وإن كانت مؤلمة. فالألم في كثير جداً من الأحيان يكون مخاض طيب للقادِم الأجمل.

لماذا مثلا لا نتكلم ببساطة عن فلسطين؟ لماذا لا نقول "فلسطين" كثيرا؟ لماذا نتكلم عن إسرائيل، أو إذا حاولنا أن نصدق "شوية صغيّرة" نجد أننا نتكلم عن غزة! حتى غزة، قمنا بتشويه حقيقتها في أنفسنا. فنسجنا أسطورة "العدو الغزاوي" الذي يخطط لاحتلال مصر! ما هذا الهُراء!! عزيزي الشعب المصري، إن الكيان المُعادِي لك هو إسرائيل والعدو هو الصهيوني. ولكي تستمتع بالجمال، عليك أن تغسل قلبك بحب القدس، وأن تكرر كلمة "فلسطين" كثيرا.

قل معي: فلسطين... فلسطين فلسطين... فلسطين!

أليست كلمة جميلة ومُحببة إلي قلبك؟ إذن قُلها.

اعترف بحُبك لها، وتكلم عنها بحب وصدق وأدب.

لا أفهم منطق أن احتلال فلسطين يؤدي إلي انكارنا لحقيقتها، واستضافة الخوف منها، في قلوبنا، بدلا من محبتها. لا أجرؤ في هذا السطر أن أتكلم عن الجهاد لتحريرها. فعلينا أن نُذيب القُبح الذي رانَ على قلوبنا تدريجيا. ولنبدأ بالحب والحقيقة.

استمر الاحتلال الغربي لبلادنا سنين طويلة، جدا. الإنجليز في مصر، الإيطاليين في ليبيا، الفرنسيين في الجزائر، وغيرهم. حينها، ظلت بلادنا حقيقة، تحيا، في القلب، وعلى الأرض، إلى أن حُررت على أيدي قلوبٍ صدَقت وصدّقت. لو كنا قد أنكرنا بوجود بلادنا حينها، أو لم يكن أبسط ما يصف ذلك بأنه قُبح؟ فهل إذا مرضت أمك أو أختك أو خالتك، أنكرت وجودها؟! يا له من قُبح!

 

لكن ما علاقة فلسطين بالقمر؟

هي نفس الحكاية. حكاية الحب الذي لا نقوى عليه، فبدلا من أن ننظر في السماء، ننظر إلى الوحل!

أصبح القبحُ يُعشش في حنايا كل ما تُفرزه ثقافتنا _إن كان الفضاء الذي نشغله يُسمى ثقافة.

لماذا أصبح الكلام عن القمر "عبط"، والكذب "رؤية"، والشباب "عناصر" و"الردح" إعلام، والنفاق "سبوبة"، والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية "الله يرحمهم"؟!

أليسَ هذا منتهى القبح؟!

نحنُ نؤلِه الحاكم، ونُغرِق الحدود على إخوانٍ لنا، ونُصفق لإزهاق الأرواح، ونهتك أعراض النساء، ونُهين البنات "الأميرات"، ونكسر الرجال... تحت مسميات قبيحة مثل "الخوف من العدو"، و"القضاء على الإرهاب" و"أصل دول هم الوحشين وإحنا الحلويين"!

ألّا نُعّرِف هذا بالقُبح؟! إن لم يكن قُبحاً، فما هو؟

نحنُ يا سادة نخوض في أعراض الآخرين لأتفه الأسباب! أبسطها أن فلانا ظهر علينا برأي مخالف. رغم أن الأجمل أن نقول الحقيقة: "الله فكرة حلوة، ماجتش على بالي.."، نُحَولها إلى "هو ليه فلان بيقول كده، أكيد عايز يتمنظر!"

ثم نُضيف على ذلك أشياء عجيبة كثيرة مثل:

"هي صاحبتي بتتصل بيا ليه؟ آاه... أكيد عينها من جوزي!"

"هو فاكر إنه هيتفوق عليّا؟! مهما حصل أنا أستاذُه..."

"إيه المشكلة لما أكتب الكلمتين اللي في دماغي ع الفيسبوك، هو عشان يعني قالهم لي تبقى فكرته؟!"

"هي مالها بتضحك قوي كده ليه؟"

"خير اللهم اجعله خير.. إيه الضحك ده؟ يا ترى إيه اللي هيحصل؟ استر يا رب! (رعشة..)"

 

أعزائي أعزائي ، كل هذا من القبح! قبح يُسمى غيرة وفراغ وجُبن وحِرص على الدنيا.

 

الكلام هُنا عن الفساد لا يحصره في الفساد الأخلاقي أو السياسي فحسب، لكنه الفساد القلبي.
قد فَسدنا من الداخل...

تماما مثل قلب "الطماطماية البايزة" التي تُفسد برائحتها الحامضة طبق السلطة كله. لكننا نرفض أن نتخلص منه بحِجة أنها "مش بايزة قوي وحرام نرميها".

هل أنصح إذن بأن نتخلص من الجوهر؟ القلب!

نعم... ولما لا؟!

إن كانت قلوبنا فاسدة، فِما يُفيدنا بقاؤها؟

إنها قلوبٌ تعلمُ الأطفال أن اللعب المُسلي هو تعذيب الحيوان!!!!!!!!!

والله ما رأيت هذا في مُدنٍ وبلدانٍ جُبتها بطول الأرض وعرضها.

من أين أتينا بكل هذا القبح؟ من أين جاءت هذه البسمة الساخرة علي وجه البعض، حين تكلمهم عن خلق الإسلام في الرفق بالحيوان؟ أوَلم يُسمى أكبر راوي للحديث الشريف على رحمة سكنت في قلبه لحيوان صغير، هو القط؟ فكانت كُنيته على مدار التاريخ وفي كل كتب التراث "أبو هريرة"، ونسينا أن اسمه "عبد الرحمن ابن صخر"؟

ألم يكن هذا جمالاً يُنيرُ حضارتنا؟  

في الواقع، لكي لا أطيل عليكم، نحن نُعذب الأطفال، وليس فقط الحيوان. نحن نرتضي تعذيب من يخالف الحاكم، ونسكت عنه. ونعذب أنفسنا بالبعد عن كل ما هو جميل، وننكر كل ما نحب، وننكر حتى ذات الحب. ثم نأمل لحالنا أن ينصلح، ولعدونا أن ينصرف ولثورتنا أن تُبارَك.

لا يحضرني هنا إلا مقولة سيدنا علي ابن أبي طالب، عندما سأله واحد من الرعية عن زيادة الفتن والابتلاءات في حُكمه، عن حكم عمر. فما كان منه (رضي الله عنه) إلا أن أجابه: "عمر وُلِيّ علَي من هو مِثلي، وأنا وُلِّيتُ على من هم مثلك."

يا ليتنا نُصلح من قلوبنا، لنكون حتى مثل من وُليّ عليهم عَليّ، فنتجرأ ونقف في وجه الحاكم، ونسأله ببساطة: "لِمَ كل هذا الفساد؟"

لعلنا نصفو حينها... ونهنأ بمحبة القمر!

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان