رئيس التحرير: عادل صبري 08:31 مساءً | السبت 18 أغسطس 2018 م | 06 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

ذكرى بليغ حمدي .. تقديراً للإنسان!

ذكرى بليغ حمدي .. تقديراً للإنسان!

مقالات مختارة

محمد ثابت

ذكرى بليغ حمدي .. تقديراً للإنسان!

محمد ثابت 20 سبتمبر 2015 20:47

مرت الذكرى الثانية والعشرين لوفاة الملحن "بليغ حمدي" السبت الماضي في هدوء شديد يليق بالانقسام الحاد الذي يلف مصر كلها، إذ توفي، رحمه الله، في 17 من سبتمبر 1993م بعد صراع مرير مع مرض الكبد، وبعد رحلة حياة حافلة بالإنسانية، وهو ما تهدف هذه الكلمات إلى التركيز عليه، مع معرفة وإلمام بمدى المحنة الكامنة في نفوس بعض الشرفاء اليوم.. تجاه المحنة الأكبر والأزمة التي تمر الأمة بها، وفي القلب منها مصر، ومن تمام المحنة ظهور بوادر جديدة على شرفائها وانتشارها بينهم حتى بين العلماء منهم، وعلى رأسها الحكم على ميت إنه في الجنة أو النار،. . وليس الأمر كذلك فقط بل الشماتة فيه أيضاً، واستعراض مواقفه التي يرونها سيئة، مع إن من يتحدثون عنه صار في رحمة الله تعالى من الأدب معه سبحانه عدم الخوض فيه .. او مجرد التعرض إليه، هذا فيما يخص الميت فما بالنا مع الذين تحين ذكرى وفاتهم الآن من الفنانين او الذين هم ليسوا على هوى البعض؟! .. إن كان يُغفرُ لهم، لدى هؤلاء إنهم لم يشاركوا في الإنقلاب بحال من الأحوال، وأقصد أمثال الراحل بليغ حمدي .. فإن هؤلاء "المتطرفين" في الرأي من آسف، لا يرحمون حديث عهد بالإنقلاب او بعيد عنه..

 لا أنسى أن الأمر يخص أجواء متوترة في حياة المصريين جميعاً .. بل الأمة .. ولكن من الأخطاء الحقيقة ما لا يغتفر بحال من الأحوال، قادني إلى الجملة الاعتراضية الطويلة الماضية ما أعرفه من سهام نقد ستتناوب جملة "رحمه الله" من قبل البعض لما تقال عن الراحل بليغ حمدي!

في يوم 6 من أكتوبر 1973م اندلعت في الثانية ظهراً الحرب التي تعد أحد نقاط الكرامة البالغة القلة في جبين الأمة العربية والإسلامية، بعد ساعات قليلة كان بليغ حمدي على باب التلفزيون يريد الدخول للمشاركة بألحانه في أجواء الحرب المشتعلة، فمنعه أمن المبنى من الدخول لإن أجواء الحرب لا تحتمل غريب إلى المبنى دون تصريح خاص، فما كان منه إلا أن حرر محضراً لرئيس المبنى في قسم الشرطة، ودخل المبنى بحماية الأخيرة..

وفي الإذاعة أقام بليغ ونام وبات .. ولكنه لما أتم تأليف موسيقى النشيد الأعجوبة في تاريخ الغناء العربي كله:" بسم الله .. الله أكبر" لم يجد مجموعة لتغنيه فكان أن أتى بالفنيين في مبنى التلفزيون، وأمن الإذاعة ودربهم ليومين ليؤدوا النشيد كأجمل ما يكون لأول وآخر مرة في حياتهم، وهو النشيد الذي تردد بقوة أن منعه، على نحو موسع، كان أحد شروط معاهدة "كامب ديفيد" الخفية .. أي ألا يكون نشيداً وطنياً لمصر لارتباطه بذكرى هزيمة إسرائيل في 73، واستجاب الرئيس الاسبق السادات من آسف شديد!

وعلى ذكر الرئيس الراحل "محمد أنور السادات".. فقد كان يحب بليغ، رغم هذا فاللسياسة احكامها، . . وأيضاً كان الشيخ سيد النقشيندي حباً مكانة لديه، وفي زفاف إحدى بناته، من زوجته الأولى، في عام 1972م فاجأ السادات الراحل بليغ حمدي والشيخ سيد النقشبندي بالقول:

ـ عاوز أسمع منك يا شيخ سيد من ألحان بليغ!

كان الإذاعي "وجدي الحكيم" حاضراً، وهو من روى الموقف في إحد الحوارات معه، وأردف السادات موجهاً الحديث إليه:

ـ افتح لهم استديو الإذاعة يا وجدي!

كان هذا الحوار أمراً شبيهاً لأمر عبد الناصر للسيدة ام كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب بالتعاون معاً في 1964م .. لكن الأمر الأول اشتهر ..واندثر ذكر هذا الأمر مع إنه أثمر عن ألحان بقيت على مسمع الزمان لسنوات طويلة وستظل شاهداً على عصر من كون مصر قلب الأمة نسيجاً واحداً أعيا عدوها وأسعد أهلها وصديقها ..

الراحل الإنسان بليغ حمدي أختار كلمات رائعة وعكف على تلحينها ل الشاعر الراحل "عبد الفتاح مصطفى"، رحمهما الله، وعكف على تلحينها، أما الشيخ النقشبندي فقال:

ـ هوه أنا هاغني على آخر الزمن يا وجدي وألا إيه .. ولواحد ألحانه راقصة كمان؟!

واحتار "وجدي الحكيم" القرار من أعلى سلطة في بلد قمعي.. والنقشبندي يرفض بإصرار .. وهداه تفكيره إلى حيلة..قال للأخير:

ـ اجتمع ببليغ في الإذاعة كما قال السادات .. أعجبك اللحن كان بها ونعم .. لم يعجبك كن كما أنت وساقول إنك متعب وتنصرف ثم نعتذر للرجل .. أعجبك اخلع العمامة فقط..!

ولما دخل الحكيم على الشيخ وبليغ الغرفة وجد الأول لم يخلع العمامة فقط بل الجبة كلها أيضاً فمات على نفسه من الضحك.. وكانت أنشودة "مولاي إني ببابك" مقدمة لعدد كبير من الأناشيد تالية منها "أشرق المعصوم، يا ليلة في الدهر" وغيرهما ..

ومن تلك الأناشيد كانت المجموعة الرائعة من ابتهلات شهر رمضان التي شدى بها النقشبندي في السبعينيات في البرنامج العام عقب الإفطار والمعروفة ب "الله .. يالله"، ولم يأت مثلها، واعتقد إنه لن يتأتى، وقيل إن بليغ أدخل ألحانه عليها بعد وفاة الشيخ سيد النقشبندي، وكانت تلك الابتهالات نقية صافية تتخلل الأذن من السبعينيات حتى عام 2012م ورمضان منه كدليل وعلامة على وطن واحد اسمه مصر لا وطنين من آسف..

رحم الله بليغ حمدي الموسيقار الذي كان شاهداً على الإنسان المصري المبدع، وإن كان فناناً له ما له وعليه ما عليه، ولكنه أحب وطنه وأبدع في سبيله، وكان إبداعه علامة على استمرار الوطن نسيجاً واحداً .. ورحمنا معه!

  

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان