رئيس التحرير: عادل صبري 02:16 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

«الباشا» في خانة الشعب ورأب الصدع ما زال رئاسياً

«الباشا» في خانة الشعب ورأب الصدع ما زال رئاسياً

مقالات مختارة

أمينة خيري

«الباشا» في خانة الشعب ورأب الصدع ما زال رئاسياً

القاهرة – أمينة خيري 13 يونيو 2015 13:25

«شاي للباشا وقهوة مضبوطة لسعادة البك وصاية»! صاح صبي المقهى المجاور لموقع تمركز سيارة الشرطة في الميدان. وعلى رغم الألقاب الملغاة رسمياً بعد ثورة تموز (يوليو) 1952، المتسلّلة شعبياً بعد ثورة أيار (مايو) 1971، الملغاة ثورياً بعد ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، العائدة اختيارياً بعد ثورة حزيران (يونيو) 2013، إلا أن صبي المقهى الأربعيني لم يتفوّه باللقبين تفوهاً مصحوباً برعب أو خوف أو توجّس أو حتى بتبجيل زائد أو تهليل فائر.

 

وبسؤاله سراً عن سبب تمسّكه باللقبين وتعلّقه بـ «الوصاية»، قال بصوت جهوري: «عادة وربنا ما يقطع لنا عادة». لم يعبّر عن قهر داخلي أو يلوح باضطرار خارجي أو يتحدث عن درس ثوري. فقط قال: «دول غلابة مثلنا. وإذا كنا نحن معرّضين للأخطار بسبب الإرهاب، فهم في القلب منها وعلينا أن نراعيهم إلى أن يسلمنا الله مما نحن فيه».
 

صبي المقهى الذي يحمل سجلاً حافلاً بـ «الجرجرة» إلى القسم مرات لا تحصى، والـ «الإمساك تحري» بسبب ومن دون، والتعرض للتهديد والوعيد من أجل الإدلاء بمعلومات، إلا أنه لا يحمل ضغينة تُذكر أو رغبة في انتقام تُلمح. كل ما يضمره من رغبات ويكبته من أمنيات، هو ألا تعود الشرطة إلى سابق عهدها قبل «يناير» من افتراء، وأن تبقى حالها العارفة الفاهمة لقدرة الشعب على التصحيح والتغيير من دون انزواء، وأن تنصلح حال البلد بمن فيها حتى يحاسب الجميع سواسية وتعاد «هيكلتهم».
 

مضت أشهر طويلة على آخر مرة ردّد فيها ملوك الـ «توك شو» العبارات الثورية الرائجة، على شاكلة «إعادة هيكلة الشرطة»، ومنذ صال وجال أباطرة التحليل الأمني والتنظير الاستراتيجي على ستوديوات الفضائيات، شارحين فكرة «تغيير العقيدة الأمنية»، ومفنّدين نزوة «الشعب والشرطة في خدمة القانون»، ومباركين خطوة عودة «الشرطة في خدمة الشعب».
 

الشعب الذي وجد نفسه في خانة واحدة مع شرطته، بعد عقود ظلا خلالها في خانتين متواجهتين، لم يعد في حاجة إلى تعليل المنظرين وتحليل المختصّين في ما يتعلق بالشرطة وأدائها. بات الجميع يعلم مراكز الانتقاص وبؤر الإفساد ومكامن الإهمال، لكنّ قراراً جماعياً غير منطوق وقضاء شعبياً غير ملفوظ، صدرا بتأجيل الحساب وتعليق الإصلاح.
 

صلاح الأحوال في مصر لم يعد قابلاً للتأجيل أو خاضعاً للتأويل. فالجميع بات على يقين بأن الإرهاب يتربّص بالجميع، والإهمال يتصيّد الكل، والفساد متمكّن من كثر، وأن طرفي النقيض لم يعودا الشعب والشرطة، بل صار كلاهما على طرف واحد في مواجهة الإرهاب والجماعات والتربصات والتصيدات، وعلى رغم ذلك فإنه ليس في كل مرة تسلم الجرة.
 

الجرة التي اعتادت على سكب محتوياتها وتهشيم أجزائها، تحمل قصصاً وحكايات، حوادث وخروقات، ومصائب وانفراجات ينوء بحملها المواطنون، ويسرف في الإثقال عليها الضباط والأمناء، ويسارع الرئيس إلى رأبها كلما أمكن. وقد تمكّن الرئيس من رأب أحدث التصدعات وأجدد الشروخات، باعتذاره المباغت لمحامي مصر بعد حادث إهانة ضابط شرطة محامياً في محكمة في دمياط قبل أيام. وكان قد رأب صدعاً آخر قبلها، حين طالب وزير الداخلية (السابق اللواء محمد إبراهيم) مباشرة وصراحة، بالكشف عن قاتل عضو التحالف الشعبي الاشتراكي شيماء الصباغ، في أثناء مشاركتها في مسيرة بوسط القاهرة في كانون الثاني (يناير) الماضي. إلا أن بقية التصدعات والشروخ المتراكمة والحالية والمستجدة، لن يمكن التعويل على الرئيس وحده لحلّها طيلة الوقت.
 

الوقت الحالي حيث الإرهاب على أولوية الاهتمامات الأمنية والشعبية، يتيح الفرصة لكل من الشعب والشرطة أن يتعايشا سلمياً ويوجدا سوياً على جانب واحد من المعادلة. ذكاء الشعب الفطري الذي جعله يؤجل مطالباته بالإصلاح الشرطي، ويُخفت هتافه بالتطهير الأمني، ويؤجج شعوره بالأولويات الوطنية، يصاحبه حسّ أمني متأرجح بين الرغبة في الاحتفاظ بسابق العهد من مكانة اجتماعية متميزة وتعاملات شرطية متحفزة وخروقات حقوقية متأججة، وبين الرغبة في الانتماء الى مصر ما بعد الثورة، والاحتفاظ بشعار الشعب المناهض للإخوان: «الشعب والشرطة إيد واحدة».
 

وحدة الشعب والشرطة لا تعني أن أيامهما كلّها عسل، أو أن علاقتهما لا تشوبها شائبة، بل يكاد يكون «البصل» منافساً للعسل. فمن تقارير حقوقية ترصد خروقات في الأقسام، إلى حوادث فردية تروّج إشاعات عن استمرار الكبار في الانتقام من الصغار، مثل واقعة الضابط الشاب المتّهم في قضية الدعارة، إلى حملات غربية تنتقد الأداءات الشرطية وتندّد بالانتهاكات الإنسانية، يجد المواطنون أنفسهم أذناً من طين والثانية من عجين، على رغم أنهم بالأمر عالمون وبالوضع عارفون.
 

معرفة تركيبة المصريين والإلمام بطبيعتهم المتفردة وفهم أولوياتهم المتدرجة، أمور لا يفهمها إلا المصريون أنفسهم، سواء كانوا مواطنين أو شرطة أو قيادة سياسية. لذا لم يكن المشهد تمثيلياً أو الحوار درامياً بقدر ما كان عاكساً للواقع، كاشفاً للحادث. مراسل القناة التلفزيونية الذي أجرى حوارات شارعية في تقرير عن «رد فعل الشارع على أداء الشرطة في أعقاب حادث الكرنك»، وجد نفسه مفعماً بإشادات بـ «الأبطال» وهتافات لـ «الأشاوس» ودعوات لـ «أبنائنا وأخوتنا» من الضباط والأمناء. صحيح أنه بعد انتهاء التسجيل، ذيّل مواطنون إشاداتهم وتهليلاتهم بأمنيات ببعض الإنسانية وقليل من «الحنية» مع إعادة تأكيد أن «الباشا واحد مننا».

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان