رئيس التحرير: عادل صبري 04:12 صباحاً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الداخل الفلسطيني يجدد الأمل

الداخل الفلسطيني يجدد الأمل

مقالات مختارة

الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين - أرشيف

الداخل الفلسطيني يجدد الأمل

جميل مطر 08 يونيو 2015 09:32

حان وقت الاهتمام بالفلسطينيين المقيمين في إسرائيل. تجاوزنا كل الحدود والأعراف في إهمالنا لهم وتجاهلنا إياهم. العالم الخارجي أهملهم والعالم العربي أهملهم وفي صدارته قادة الثورة الفلسطينية عندما كان بعضهم يملأ الدنيا صراخاً بالشعارات، وبعض آخر يجاهد ويناضل. هؤلاء حققوا للقضية صمودها وإن فشلوا في حماية معظم الأرض من الاستيطان والعدوان وتزييف التاريخ. فشلوا أيضاً في لفت أنظار العالم إلى أهمية هذا الداخل الفلسطيني على مستقبل القضية ومستقبل إسرائيل.

لا يمكن، ولا يجوز، إنكار أن الداخل الفلسطيني تعرض مثل غيره من أجزاء الشعب الفلسطيني إلى «الشيطنة»، بل إلى أكثر منها وأسوأ. حرمتهم معظم الدول العربية من دخول أراضيها والاختلاط بشعوبها ومنعتهم من التزاوج بأهلها والاتجار معهم، بحجة أنهم إسرائيليون. قيل في حينها في دفاع بعض الحكومات العربية عن إهمالها هذا القطاع من الفلسطينيين أكثر من غيره، إنها حريصة على سلامتهم وعدم تعريضهم لأذى من جانب السلطة الإسرائيلية.

الآن، وبعد أن انفضت غالبية المسؤولين العرب عن الاهتمام بقضايا مشتركة، وبخاصة قضية فلسطين، ارتفع صوت الداخل الفلسطيني، وبتعبير أكثر دقة بدأت قوى وتيارات في الداخل تفكر في أن هناك حاجة موضوعية إليهم. عرفوا ولعلهم تأكدوا من أن أحداً في الجوار العربي سوف يستدعيهم. ورغم وضوح هذه الحاجة ورغم النفق المسدود الذي انحشرت فيه القضية يبدون واثقين من أن المسؤولين في معظم العواصم العربية سوف يستمرون في تجاهلهم وفي التعتيم على صحوتهم الهادئة والمتدرجة وفي قمع أصواتهم، إلا أن كل هذا لن يخفي الحقيقة، وهي أن هذا الجزء المعتبر من شعب فلسطين يستطيع بمهارة، نعرف أنه يتمتع بها، وبتجربة لم يدخلها جزء آخر من شعب فلسطين أو أي شعب عربي، وبنسبة عالية من الانسجام والتوافق في العمل الأهلي، أن يخترق جدراناً سميكة اشتركت في إقامتها أطراف عديدة، إسرائيلية وفلسطينية وعربية ودولية، لتعقيد عملية الوصول إلى حل لقضية فلسطين ووضع العقبات التي تضمن استمرار الوضع القائم لأطول فترة ممكنة، يتم خلالها «تذويب» القضية، فلسطينياً أولاً ثم إقليمياً.

ليس صعباً فهم الظروف والأسباب التي تجعل الداخل الفلسطيني يحتل الآن صدارة تفكير عدد متزايد من مفكرين ومراقبين عرب وأجانب. أستطيع أن أحصر فوراً عوامل معينة، وفي مقدمها الحقيقة المؤلمة. لقد اكتمل وعي أهل الداخل، وبخاصة القيادات الرشيدة فيهم، بأن السلطتين الحاكمتين في رام الله وغزة، اللتين احتكرتا مدة طويلة إدارة القضية سياسياً على الصعيدين الدولي والإقليمي، فقد فقدتا القدرة على تحقيق إنجاز من أي نوع وعلى أي مستوى. بل أكثر من هذا كادتا تفقدان شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني كله للوصول سلماً أم حرباً إلى تسوية عادلة وسريعة. هذه الحقيقة لا شك ماثلة في أذهان الأهالي في مختلف مدن وقرى الداخل، كما هي ماثلة تماماً في أذهان عديد من النخب القومية والوطنية العربية التي حملت على عاتقها لعقود كثيرة مهمة دعم القضية الفلسطينية في مرحلتها الثورية ثم في مراحلها التفاوضية. عابوا على بعض ممثلي هذه النخب العربية إهمالهم قضية فلسطين عندما انتفضوا في ثورات ربيعهم... هؤلاء انتفضوا على أحوال مهانة وفساد واستبداد على أمل بأن تنتهي انتفاضاتهم باكتساب طاقة تحرير هائلة تعيد صياغة السلوك الوطني والقومي لكل أنظمة الحكم في العالم العربي. كان هناك تصور في مرحلة مبكرة من مراحل ثورة الربيع يميل إلى اعتبار السلطة الفلسطينية غير مختلفة عن غيرها من أنظمة الحكم التي نشبت الثورات لإصلاحها، فقد تجمدت حركتها وأصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني، وعائقاً يمنع التطوير والتقدم. هذه الحقيقة صارت تتصدر العوامل التي تدفع بالداخل الفلسطيني إلى السعي الجاد لتوليد أفكار تجدد آمال شعب تلاعبت به ثم خذلته سلطاته الحاكمة، مثل غيرها من أنظمة عربية أهانت ذكاء شعوبها وأحبطت أحلامها في الحرية والكرامة والعدالة.

عامل آخر سمعت فلسطينياً يتحدث عنه باقتناع قوي. قال إن أهل الداخل هم أدرى العرب جميعاً، بل شعوب العالم أجمع، بأن المشروع الصهيوني دخل في هذه الآونة مرحلة حسم أمور كثيرة، منها على سبيل المثال مسألة أدلجة الدين اليهودي. بمعنى آخر يمكن لقيادات الداخل، أكثر من أي قيادة أخرى في العالم العربي، فهم ما تعنيه هذه المرحلة من مراحل تطور الصهيونية ليس فقط بالنسبة إلى فلسطين ولكن أيضاً للعرب عموماً. يثق بعض زعماء الداخل، كما فهمت، في قدرتهم وقدرة شعبهم على التعامل بذكاء وخبرة وعقلانية مع هذا التطور التاريخي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. المؤكد بطبيعة الحال أنه لن يوجد بين العرب عموماً من مارس التعامل مع الصهيونية كما فعل أهل الداخل، يعرفونها ويحفظون أساليبها عن ظهر قلب، يدركون نقاط ضعفها بخاصة وقد جربوا بحياتهم التأقلم معها كما جربوا المواجهة والمقاومة من داخل النظام الإسرائيلي ومؤسساته وقوانينه.

ثالث العوامل التي تدفع أهل الداخل نحو صحوة عاقلة ومدروسة هو هذا الانهيار المدوي للوضع العربي العام. راح زمن التعلق بأوهام، وصارت الحقائق واضحة للعين الوطنية المجردة. سيكون من الصعوبة بمكان أن تظهر قيادة جديدة في الداخل تدعو إلى الاعتماد المطلق على قوى أو دول عربية لتنفيذ عملية تسوية عادلة، ففي الظروف العربية الراهنة، وظروف المرحلة الحاسمة في تطور الصهيونية والانحسار النسبي لعلاقات الدولة الإسرائيلية بالغرب، وفي ظل توقع وقوع انفجارات أو على الأقل انتفاضات داخل شبكة الأقليات الطائفية والمذهبية في شتى أنحاء الأمة العربية، ونتيجة الخوف من مستقبل غامض يخيم على أوضاع الأقليات كافة، في ظل هذه الظروف وغيرها لا يمكن الاطمئنان إلى سلطة فلسطينية في رام الله أو في غيرها، أو إلى دولة عربية بعينها أو إلى دولة جوار تركية كانت أو إيرانية، أو إلى ميليشيات عسكرية ودينية متطرفة، لتنوب عن الفلسطينيين في المواجهة أو صياغة مبادرات جديدة.

هناك في الداخل، وفق ما يرد من رسائل شخصية وتقارير ومن خلال لقاءات، قوى شبابية مختلفة الهوى عن الأجيال السابقة ولديها ما لدى القوى الشبابية التي تتشكل الآن في معظم بلاد ثورات الربيع. لديها أفكار خلاقة وروح تقدمية وتطلعات مشروعة لحياة آمنة في مستقبل أقل فساداً ومنزوع الصلة بنخب تكلست في مقاعد السلطة أو في مواقع التميز في مجتمعاتها، هذه القوى الشبابية الصاعدة مقتنعة بأن حل الدولة الواحدة لن يجدي، جرت تجربته أيام الاحتلال البريطاني وفشلت بدليل الواقع الفلسطيني والواقع الإسرائيلي. كذلك الحال بالنسبة الى حل الدولتين، إذ لم يبق من مضمونه الكثير. المدن الفلسطينية تباعدت السبل والاتصالات بينها، والناس يخضعون للسلطة المدنية الإسرائيلية أكثر مما يخضعون للسلطة الفلسطينية، وآليات السيطرة الفعلية على حياة الفرد الفلسطيني تضخمت وتعددت، ولم تفلت منها البيروقراطية الفلسطينية وجماعات الحكم وقواعد التجارة والمال ونظام الضرائب والعلاقات الخارجية. يكاد الحديث عن استقلالية القرار الفلسطيني في ظل الأوضاع الراهنة يصبح من ممارسات الهزل أو إمعاناً في إهانة ذكاء المستمع.

مطلوب إبداع وعقول نزيهة وطاقة جديدة. ليس حلماً أو وهماً أو ضرباً من ضروب الخيال دعوة الفلسطينيين للمراهنة على تجربة تجدد أملهم بإشراك الداخل الفلسطيني في صنع مستقبل فلسطين.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان