رئيس التحرير: عادل صبري 12:45 صباحاً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

من يصنع الإرهاب ويوجّهه ويستفيد منه؟

من يصنع الإرهاب ويوجّهه ويستفيد منه؟

عبد العزيز التويجري 08 يونيو 2015 09:30

يشكل تصاعد تيار الإرهاب بأنواعه المختلفة طائفياً وعرقياً، ظاهرةً محيٌرة لمن يراقب أوضاع المنطقة وما يجري فيها من صراعات، وما يحتدم فيها من حروب، وما يحاك لها من دسائس. فتنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية يتمدّد في العراق وسورية، وتنسحب أمامه قوات النظامين في هذين البلدين بصورة تبعث على الشك وسوء الظن. بل إنه يصل في تمدده إلى مناطق بعيدة عن الساحتين العراقية والسورية، فيظهر أتباعه في ليبيا واليمن وفي الجزائر ونيجيريا، وترتفع أصوات مؤيدة له حتى في أوساط بعض المسلمين في عدد من الدول الغربية. ويقوم نفر من المنتمين له بتفجيرات انتحارية في مسجدين للشيعة في القديح والدمام في المملكة العربية السعودية، لإشعال فتنة طائفية في بلد يواجه خطراً على حدوده الجنوبية توجهه إيران وترعاه وتسعى من خلاله إلى بسط نفوذها في منطقة أخرى من العالم العربي. الغريب أن هذا التنظيم الغامض المثير للشكوك لا يقترب من إيران، ولا يستهدف مدنها وقواتها، بأي عمل من أعماله الإرهابية، بل يستهدف المدن والقرى السنية في العراق، ويفرض عليها وحشيته وهمجيته، ويوجّه هجومه على الفصائل السنّية التي تقاتل قوات النظام السوري ومن يدعمها من ميليشيات شيعية كـ «حزب الله» وعصائب أهل الحق ولواء أبي الفضل العباس وغيرها من الميليشيات التي كونتها إيران وسلحتها وتشرف على أعمالها. هذا التوجّه الذي ينتهجه هذا التنظيم الإرهابي يدلّ دلالة واضحة على أنه مصنوع لهدف واحد هو خدمة استراتيجية التدمير والتقسيم والفتنة الطائفية التي تمزّق المنطقة وتدخلها في فوضى لا تبقي ولا تذر.

هذا عن إرهاب ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية، والإسلام منه براء. أما إرهاب الميليشيات الطائفية في العراق التي تجمّعت في ما يسمّى الحشد الشعبي والتي يقودها في شكل غير مباشر قاسم سليماني الإيراني، فهو إرهاب لا يحظى باهتمام أميركا ولا الأمم المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي، لسبب بسيط هو أن تبعيته لإيران تجعل منه ورقة ضغط في المفاوضات مع الغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني وفي التعاون معه في محاربة الإرهاب الآخر، وإن كانت محاربة غامضة ومحيّرة. والأمر نفسه ينطبق على إرهاب الميليشيات الطائفية التي تقاتل إلى جانب النظام السوري، وتشارك معه في سفك دماء الشعب السوري وتدمير مدنه وقراه منذ أربع سنوات وحتّى الآن، وينطبق على إرهاب الميليشيا الحوثية في اليمن التي تعيث فساداً وإجراماً في المدن والقرى اليمنية بدعم وتسليح من إيران، والتي على رغم قرار مجلس الأمن 2216 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لا تزال تعامل من قبل أميركا والأمم المتحدة، كما لو كانت طرفاً يستحق أن يتحاور معه أو أن يكون له موضع في مستقبل اليمن.

هذا الغموض المتعمد في خلط الأوراق وتمييع المواقف وتوسيع مساحات الاضطرابات والصراعات في المنطقة العربية، يدفعنا إلى طرح سؤال عريض عن من يوجّه هذا الإرهاب بأنواعه المختلفة، ومن هو المستفيد منه في نهاية المطاف؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تضع في الاعتبار كل الحقائق والتناقضات التي نراها ماثلة أمام أعيننا في ساحات الصراع في المنطقة العربية، وأن تتلمس مسار تشابك المصالح بين الأطراف التي تتفاوض على المنطقة في غياب من أهلها وضد مصالحهم وسيادة دولهم، وأن تستحضر التصريحات والتسريبات التي صدرت خلال العقدين الماضيين، من قبل قيادات سياسية وفكرية غربية وإقليمية حول ما يراد فعله في المنطقة من إعادة التقسيم ونشر «الفوضى الخلاقة» التي ستنتج واقعاً جديداً وخرائط جديدة.

ومهما يكن من أمر فإنّ المستفيد من توجيه الإرهاب وادعاء محاربته، كما هو الشأن بالنسبة الى أميركا، ليس العرب ولا المسلمون، بل القوى المتربّصة بهم، سواءً كانت غربية أم إقليمية. لأنّ من يريد محاربة الإرهاب بصدقٍ وجدٍّ بمسؤولية، سيعرف السبيل إلى ذلك، وسيعرف من هم الإرهابيون من دون استثناء أو إبطاء أو تفضيل. وسيسلك الطريق التي تؤدي به إلى تحقيق أهدافه، إنْ كانت له حقاً أهداف إنسانية يسعى إلى تحقيقها. أما اللف والدوران، والتردد والإحجام عن اتخاذ القرار المناسب لدحر الإرهاب، والمماطلة والتسويف لغير سبب معقول، فهو سياسة باطلة قد تخدع بعض الناس لوقت قصير، ولكنها لا تخدع الناس جميعهم في الحال والمآل.

وفي الجملة فإن العرب والمسلمين عموماً، هم الضحايا للإرهاب الذي ربما صنع في دوائر الاستخبارات الأجنبية، بتواطؤٍ من قوة إقليمية لها أطماع مذهبية وعنصرية، وجيء به إلى بلدانهم ليكون مدعاة لتمزيق دولهم وزرع الفتنة في مجتمعاتهم ولإضرام نيران الفوضى التي يريدها الغرب أن تكون هدامة للدول، ماحية للحدود، ماحقة للمجتمعات، مدمرة للحياة.

تلك هي الحقيقة الساطعة الكاشفة للخفايا التي يراد أن تضيع في متاهات التمويه والتضليل، حتى يسود الظلام، وتختلط الأوراق، وتتعذر معرفة معالم الطريق نحو الخلاص من هذه الأزمات التي لا تزيدها الأيام إلا استفحالاً واحتداماً. وإذا عرف السبب بطل العجب.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان