رئيس التحرير: عادل صبري 07:50 مساءً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

"عدالة المنتصر" و "قانون زينب"!

عدالة المنتصر و قانون زينب!

مقالات مختارة

محمد جمال عرفة

"عدالة المنتصر" و "قانون زينب"!

محمد جمال عرفة 07 يونيو 2015 15:25

أبرز تعليق قرأته يفسر احكام الاعدام الجماعية المتتالية في مصر (قرابة 1500 حكم بحسب تقارير حقوقية في عهد السيسي) كان هو تعليق مجلة (الايكونوميست) البريطانية يوم 16 مايو الماضي، التي عنونت تقريرها بعبارة: "قضاء فيكتور"، Victor's justice  أي "عدالة المنتصر"، وهو مصطلح انجليزي ظهر عقب الحرب العالمية الثانية ويقصد به تفصيل نظام العدالة والقضاء والأحكام على هوي (الفائز) في المعارك العسكرية.

 

الفكرة التي تحدثت عنها المجلة البريطانية ببساطة هي أنه "طالما من يحملون السلاح من العسكريين، هم المنتصرون في ساحة المعركة، فهم يفرضون (على المهزوم) في ساحات القضاء أحكاما، تجافي في كثير من الاحيان، الصواب وتنحاز للخطأ على غرار ما فعلته المحاكمات الغربية التي عقدت عقب الحرب العالمية لخصوم الحلفاء المنتصرين وطالت أبرياء".
 

هذه (العدالة المزعومة) تفرق هنا بين الحكم على "المقربين"، وتقصد بهم المجلة البريطانية في الحالة المصرية: مبارك وأبناؤه ووزراءه، بعد حصولهم على البراءة في المحاكمات من تهم قتل المتظاهرين والنهب والفساد، وبين الحكم على من يوصفوا بـ "الأعداء"، بحسب مفهوم "عدالة المنتصر"، ويقصد بهم هنا الرئيس السابق مرسي وجماعة الاخوان، وأي معارض للمنتصر، وهو ما يعتبر خبراء القانون أنه يؤدي إلى انعدام العدالة الحقيقية في هذه المحاكمات، بحسب الايكونوميست.
 

 (عدالة فيكتور) أو (عدالة المنتصر) الذي تحدثت عن مجلة "الايكونوميست" تشبه (قانون زينب) الذي تحدث عنه الممثل فؤاد المهندس ساخرا في مسرحية (أنا وهو وهى)، قائلا أن: (القانون مفيهوش زينب)، لأن نفس المخاطر في تطبيق العدالة موجودة، و"زينب" هي رمز للنفاق وانتهاك حقوق البسطاء والفقراء والمظلومين.
 

ففي محاكمة مبارك ظهر أن القانون يعرف زينب، فقد كان التساؤل: هل سيتم محاكمة مبارك كفرد عادي وستطاله يد القانون، أم أن محاكمة السلطة له هي لتهدئة الشارع المصري وفقط؟ ثم ظهر في محاكماته الممتدة سنوات ظل جالسا في قفص الاتهام وهو يلوح لأنصاره داخل قاعة المحكمة، أو من شرفات المستشفي التي مكث فيها رغم ثبوت أنه غير مريض، وبدون حائل بينه وبين القاضي سوي القضبان القانونية.
 

بينما في محاكمات (الاعداء) – كما يصفهم تقرير الايكونومست – مثل الرئيس السابق مرسي أو الاخوان، فقد كانت هناك ترتيبات أخري ليس لها أصل في القانون، كالقفص الزجاجي العازل، ومنع حضور أي مؤيدين لهم وغيرها، بل وأثبتت منظمات حقوقية وفاة عدد من قيادات ونواب الاخوان داخل السجون بسبب الاهمال الطبي ورفض علاجهم إلا بعد وصول بعضهم لحالة الغيبوبة الفعلية وأخرهم النائبين فريد اسماعيل، ومحمد الفلاحجي.
 

لهذا عارضت "إيكونوميست" في تقريرها قول السيسي: "إن القضاء ليس مسيسا"، مؤكدة أن المقارنة بين معاملة القضاء المختلفة للرئيسين السابقين "مرسي" و"مبارك": "تنسف ما يقوله السيسي في هذا الصدد".
 

حيث قالت المجلة "إن السيسي يصر على أن القضاء المصري ليس مسيسا، لكن قارن بين المعاملة التي يتلقاها مرسي بتلك التي يتلقاها مبارك الذي سيطلق سراحه قريبا بعد أن قضى أربع سنوات مترددا بين دخول السجن والخروج منه".
 

ودللت على هذا بإسقاط أغلب الاتهامات التي وجهت لمبارك أو نقضها منذ أن أطاح السيسي بحكم مرسي، بعكس ما حدث مع "مرسي"، ولذلك وصفت الصحيفة السيسي بأنه "استنساخ من مبارك"، وقالت "إن السيسي نفسه أشرف على قتل المئات من المتظاهرين، أغلبهم من أنصار جماعة الإخوان المسلمين"، أي يجب أن يقدم للعدالة كما فعل مبارك.
 

ولهذا أيضا قالت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أن: "قاضي إعدامات مصر متهم بإصدار أحكام مسيسة"، وقالت إنه في جلسات المحكمة غالبا ما يتهجم القاضي على ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك، ويدافع عن ممارسات الشرطة وقمعها العنيف ضد المتظاهرين".
 

تزييف "عدالة المنتصر"
 

والغريب أن عبارة «عدالة المنتصر»، التي تم تشويهها في الحرب العالمية الثانية وباتت وصفا لعدم عدالة المحاكمات "السياسية" لخصوم أي نظام سياسي، والتي تعني الإقرار بسطوة الآخر وقدرته على الإيذاء، هي – على العكس – تماما من هذا المعني المقصود، حيث يقصد بها أن "يترفع المنتصر عن الظلم لأنه منتصر"، ولكن بعض المنتصرين بسلاح القوة، ممكن لديهم أخلاق المتنمرين التي تجعلهم يفعلون ما يريدون، دون مساءلة أو محاسبة، جعلتهم لا يعطون المهزومين سوي الفتات من "عدالة" المنتصرين، وليست حقوقاً شرعية.
 

لهذا أصبح المقصود من تعبير (عدالة المنتصر)، هو "ذلك الانتقام القانوني الذي يمارسه من ينتزع السلطة من خصومه، كما حدث في العراق، ومصر، وكما فعلت أميركا في كثير من الدول التي احتلتها، أي أن التعبير ليس حكراً على لون سياسي أو طائفي أو عرقي أو مذهبي.
 

حيث تكتسب العدالة حينئذ مذاقاً مراً، وتسن القوانين لصالح من هو في مركز القوة وينفذها من هو في مركز البطش، ولصالح القوي والمنتصر يمكن توجيه التهم إلى الناس بحجج واهية، أقلها إضعاف الشعور القومي أو زعزعة الأمن والاستقرار، وبعضها يوجه للصحفيين أو المفكرين والكتاب والمثقفين، للقصاص منهم وقصف أقلامهم، لو قالوا عكس ما يراه المنتصر من "عدالة" وفق مفهومه هو.
 

وهناك مراجع عديدة تتحدث عن (عدالة المنتصر) أبرزها كتاب «عدالة المنتصر -من محاكمات نورمبرج إلى بغداد» للكاتب (دانيلو زولو) أستاذ فلسفة وسوسيولوجيا القانون في جامعة فلورنسا الإيطالية، والذي صدر في بريطانيا عام 2009، حيث يتناولها من منظور سياسي وحقوقي.
 

في هذا الكتاب يتحدث (دانيلو زولو) عن وجود مستويين من العدالة: إحداهما عدالة «المنتصر» وأخرى للمهزوم، يفرضها الأول، ويتحدث فيه عن جذور تسويغ الحروب منذ أقدم العصور، بل وشرعنتها، وكذلك تجريمها، ومن يترتب عليها من عدالة منقوصة للمنتصر.
 

الكاتب يتناول أيضاً بالبحث النقدي التغير الكبير الذي أدخل إلى التشريع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عبر محاكمات نورمبرج وطوكيو، والتغير الذي أدخل إلى التشريع منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث يؤكد أنه: "في الماضي كانت الإدانة بالحروب العدوانية توجه إلى دول، وتعاقب بناءً على ذلك، أما في نورمبرج وطوكيو فقد وجهت المحاكمات إلى أشخاص اتهمهم المنتصر، أي الحلفاء، بارتكاب جرائم وحكم على كثير منهم بالقتل الذي نفذ على الفور".
 

ويلفت "دانيلو زولو" الانتباه إلى أن من قتلوا مئات الآلاف من البشر في هيروشيما وناغازاكي وغيرهم في الدول المختلفة، لم تتم مساءلتهم إطلاقاً، على العكس ما حدث مع قادة ألمانيا النازية واليابان، وقادة دول أخري!.
 

لهذا فهو يدين في كتابه مثلا، محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين، لأن المحكمة أنشئت في أراضي دولة محتلة، أي العراق، لا قوانين لها، بما يفقدها الشرعة القانونية، لكنه يتساءل في الوقت نفسه عن سبب قصر التهمة إليه بالعلاقة مع غزو الكويت واحتلاله ولا يناقش مسألة استعمال قواته الغازات السامة ضد القوات الإيرانية، أو حتى شن الحرب عليها، وكذلك مسألة محاربته الكرد في شمال العراق، ويهمل في الوقت نفسه العدوان الأنجلوأميركي على العراق واحتلاله، وجرائم القوات الأميركية في الفلوجة المحتلة حيث استخدمت قنابل النابالم وغيرها.
 

ويوضح الأسباب السياسية لقرارات أو أحكام قضائية علي هذه الشاكلة، قائلا: هذه تنسف من الأساس الادعاء بأن الهدف هو العدالة، وتوضح أن الهدف هو الانتقام من المهزوم".
 

لدينا بالتالي نوعان من "عدالة المنتصر"، الأول هو الذي يفسد معني العدالة ويفرط في الانتقام عبر استغلال القانون وتطويعه ضد خصومه، وذلك الذي "يترفع عن الظلم لأنه منتصر" ومعه كل أسباب القوة لقمع المهزوم، ويبدو أن مصر اختارت النوع الأول حتي الان.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان